أكدت دراسات حديثة أن ارتفاع حرارة الأرض لا يؤدي فقط إلى ذوبان الثلوج وبالتالي ارتفاع منسوب المياه في المحيطات، مايعني غرق بعض الجزر واختفاءها تماماً . بل أيضاً يؤثر بشكل مباشر على الجاذبية الأرضية . ويرى الباحثون، بحسب أحدث أعداد مجلة ساينتيفيك أمريكان، أن ذوبان الأجراف الجليدية الضخمة على حواف القارة القطبية الجنوبية يدفع الجبال الجليدية خلفها إلى الانجراف إلي المحيط ما سيرفع منسوب المياه فيه . ويعكف العلماء حالياً على دراسة السرعة والكيفية التي تتم بها عملية الذوبان هذه لوضع تقديرات دقيقة حول مستوى ارتفاع منسوب الماء في البحار والمحيطات مستقبلاً .
لما كانت المعلومات التي ترسلها الأقمار الاصطناعية حول الجبال الجليدية غير كافية لوضع هذه التقديرات الدقيقة، أُرسلت بعثات استكشافية إلي القارة القطبية لتثبيت معدات توفر المعلومات والبيانات الكافية .
وفي تقريرها للعام ،2007 توقعت اللجنة الدولية للتغير المناخي (IPPC)، أن مستوى سطح البحر سيرتفع بمقدار من 18 إلى 59 سنتيمتراً بحلول 2100 . ويزداد قلق علماء البيئة حول تسارع وتيرة التغير المناخي وما يمكن أن يسببه من تسريع لذوبان الجليد بعشرة أضعاف، ما سيرفع مستوى البحر لأبعد ما هو متوقع .
كان لارسين إينليت أول من اختفى من أجراف القارة القطبية قبل 25 عاماً، حسبما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية في ،1986 ولم يستطع العلماء تفسير سبب الاختفاء .
وفي 1995 اختفى أيضاً الجرف الجليدي برنس جوستاف بشكل فاجأ العلماء، وبحسب العالم سكامبوس الذي عمل مع علماء بريطانيين في مركز مسح القارة القطبية لمراقبة الأجراف الجليدية لسنوات عدة، فأنه بعد اختفاء برنس جوستاف، أسرع جبل سجوجرين الجليدي من خطواته اقتراباً من المحيط، وحدثت تصدعات باتساع 20 متراً في سطحه، وانفصل عن حافته الأمامية عدد كبير من الجبال الجليدية، ما أدى إلي تراجع هذه الحافة داخل زقاق بحري لمسافة 15 كيلومتراً .
وفي ،2002 تفتت جبل لارسين بي، جنوبي الجبل الأول ويفوق حجمه حي مانهاتن الأمريكي بخمسة وخمسين مرة، وتفتقت عنه شظايا فاق حجم الواحدة منها بحجم ناطحة سحاب . وأدى ذوبان الثلوج إلى اختفاء الداعمات التي كانت تمسك بالجبال الجليدية خلفها، فانجرف بذلك أكثر من 150 كيلومتراً مكعباً من الجبال الجليدية إلى قلب المحيط، فقفزت قشرة الأرض إلى الأعلى . وبعد انهيار لارسين بي، زرع العلماء نظاماً لتحديد المواقع (GPS) في الطبقة الصخرية الأساسية على جزيرة انفيرس القطبية فاكتشفت ارتفاع الصفائح التكتونية بزيادة ثلاثة أضعاف عن المعتاد، من 3 .0 إلى 8 .0 سنتيمتراً في السنة الواحدة .
وفي 2006 هبطت مروحية تابعة للبحرية الأرجنتينية على متنها فريق من العلماء بقيادة تيد سكامبوس من المركز الوطني للجليد ومعلومات الثلوج في بولدر بكولورادو الأمريكية، وبيدرو سكفاركا، رئيس قسم الجيولوجيا الجليدية في معهد انتاركتيكو الارجنتيني في بيونس آيريس، فوق جبل جليدي مسطح يعرف ب UK211، الذي ظل بعد اختفاء الجرف الجليدي لارسين سي، 385 كيلومتر جنوباً، لكنه انجرف نحو المناطق الأكثر دفئاً شمالي شبه الجزيرة .
وثبت الفريق محطة رصد أميجوس لمراقبة الانهيارات الحادثة في الجبل الجليدي، اشتملت على GPS لرصد حركته، وأدوات لقياس درجات الحرارة ونشاط الرياح، إضافة إلي كاميرا مثبتة عند قطب معين لقياس معدل ذوبان الثلوج على السطح، ولتحديد سرعة هبوط مستواها جراء الذوبان، وكاميرا أخرى ثبتت عند صف من الأقطاب زرعها الباحثون على بعد 2 .2 كيلومتر من حافة الجبل، فإذا بدأ هذا الصف في الانحناء، فسيشير ذلك إلى أن الجبل بدأ يضعف وينحني .
وبعد تواصل الفريق مع محطة الرصد لثماني أشهر من خلال هواتف مرتبطة الأقمار الاصطناعية، اكتشف انكماش الجبل تدريجياً إلى نصف حجمه .
وفي نوفمبر/تشرين الثاني ،2006 أرسلت المحطة آخر إشارة لها، بعدها بأيام اختفى الجبل نهائياً .
وتعرض UK211 لعدة تغيرات لكن العلماء عزوا سرعة اختفائه إلي انهيار الثلج الذي حول سطحه إلي مياه ربما تكون قد تجمعت داخل الجبل فادت إلى انهياره .
وفي ،2010 انضم سكامبوس إلي بعثة استكشافية اتجهت إلي ما تبقى من لارسين بي وكان جرفاً جليدياً يعرف ب سكار اينليت، وأظهرت صور القمر الاصطناعي ايس سات ترقق الجبال المغذية للارسين بي وسكار اينليت والذي أدى بدوره إلى هبوط سطحه الثلجي .
وأظهرت قياسات رادارات أقمار اصطناعية أخرى متوسط سرعة انهيار الجبال الجليدية الواقعة خلف الأجراف الجليدية مثل سكار إينليت وانجرافها نحو البحر .
ورصد القمر الاصطناعي جريس منذ 2003 كميات الجليد المفقودة من خلال التغير في الجاذبية الأرضية، بيد أنه لم تكن الصور بالجودة المطلوبة .
وتوقع سكامبوس انهيار سكار إينليت خلال سنوات قلائل، وأقدم وفريقه على زرع مجموعة من أجهزة الاستشعار هناك لرصد الزلازل و الطوافين، رغبة في رصد العملية منذ بدايتها وبتفاصيل تفوق تلك التي حصلوا عليهم من خلال الأقمار الاصطناعية .
وثبت الباحثون محطة أميجوس على سكار إينليت وفوق الروافد الدنيا من جبل فلاسك الجليدي، ويخططون مستقبلاً لتثبيت محطة مماثلة فوق جبل ليبارد في 2013 . كما قاموا بتثبيت محطات أرصاد جوية وأنظمة جي بي إس فوق جبلي فلاسك وليبارد، إضافة إلى كاميرا قابلة للتوجيه على منحدر ساحلي يطل على سكار إينليت .
ويرى العلماء، أن دورات الذوبان والتجمد المتعاقبة التي يتعرض لها سكار إينليت ستكسب سطحه صلابة بالدرجة التي تمكنه من دعم برك مياه ذائبة ضخمة، والتي ستنضح متحولة إلى شقوق عميقة مكشوفة، كلما تجمع فيها الماء، ستهبط إلى الأعماق جراء زيادة وزنها، إلى أن تصل إلى الجزء السفلي من الجليد . وسيؤدي تمزق أحد الشقوق إلى توليد أمواج متصادمة ستدفع الشقوق الأخرى إلى حافة اليابسة، مما سينتج عنه انهيار الكتلة الثلجية في غضون أيام، وربما ساعات .
ويرى سكامبوس أن محطة أميجوس بما فيها من كاميرات ستنقل لهم الطريقة التي تتشكل بها البرك الذائبة، وفتحات الشقوق، وطريقة إفراغ البرك محتوياتها فيها، كما ستسجل الكاميرا العلوية تشعب الجبل الجليدي . وستظهر محطة أميجوس المثبتة على جبلي فلاسك وليبارد تسارع الجبلين أثناء انهيار الجرف الجليدي الداعم لهما . وبوجود محطات رصد عند منابع ومصبات الجبال، سيتمكن سكامبوس من مشاهدة الطريقة التي تتسارع بها قاعدة الجبل قبل قمته، ما يسبب تمدده، وترققه، واندفاعه لأعلى مع الشقوق .
ودرس سكامبوس المعلومات التي سجلتها كاسحة الجليد بالمر واستنتج منها أن سكار إينليت لم ينهار بعد، كما أثبتت معدات الرصد المثبتة فوقه أنه حتى لو تعرضت الأجراف الجليدية بشبه الجزيرة القطبية إلى أجواء صيفية قاسية تفقدها كميات كبيرة من الثلوج، فسوف تعيد الأجواء الشتوية تغذيتها بثلوج متجددة .
كما كشفت أميجوس عن تعرض سكار إينليت لموجة ساخنة خلال فصل الشتاء القطبي، إذ ارتفعت درجة الحرارة فجأة بمقدار 43 درجة مئوية، بسبب هبوب رياح جبلية دافئة تشكلت عندما ضُغط الهواء فوق جبال شبه الجزيرة وأصبح أكثر دفئاً . وتزامناً مع ذلك، سجلت الثرمستورات المثبتة على عمق أمتار في موقع محطة الرصد أميجوس، موجة دافئة، ما جعل الباحثون يستنتجون أن الماء الناتج عن ذوبان الجليد تسرب إلى الأسفل .
ولم يتوصل العلماء حتى الآن إلى عدد مرات هبوب هذه الرياح الجبلية الدافئة، ويشير سكامبوس إلى أن سرعة هبوب الرياح على سواحل القارة القطبية زادت بنسبة 10 إلى 15 في المئة خلال العقود الثلاثة الفائتة . وتتسبب هذه الرياح في إزاحة من 50 إلى 150 مليار طن من الجليد من سطح القارة القطبية الجنوبية سنوياً، ويلقي بها في المحيط، حيث تذوب في مياهه . ومع قوة هذه الرياح وقدرتها المتزايدة على إزاحة المزيد من كتلة سطح القارة، فستتعرض الأجراف الجليدية لما هو أسوأ مما يتوقعه الباحثون .
سيندي دوماك، المتخصصة في علم المتحجرات والمحيطات، والجيولوجيا الساحلية في كلية هاملتون الجامعية بالولايات المتحدة ثبتت ثلاثة أجهزة جي بي اس حول الحدود الخارجية لجبلي لارسين بي وسكار إينليت، والتي أظهرت ارتفاع هذه المنطقة بمقدار 8 .1 سنتيمتر سنوياً .
وتوصلت دوماك إلى أن اختفاء الجبال الجليدية الثقيلة يسمح لقشرة الأرض تحتها بالارتداد بسرعة ملحوظة لأكثر من 8 .0 سنتيمتر .
وإذا انهار سكار إينليت وذابت الأجراف الجليدية خلفه في مياه المحيط، فسوف تزداد نسبة الارتفاعات التكتونية مرة أخرى، وبقياس هذه النسبة، يمكن تقدير كمية الجليد التي تلفظ جراء ذلك، كما يمكن حساب ماسيفقد من جليد كلما انجرفت ألواح جليدية أخرى جهة الجنوب .
ويحتوي الجرف الجليدي لارسين سي، الذي تبلغ مساحته 49 ألف كيلومتر مربع (ضعف مساحة ولاية ميريلاند الأمريكية) على كميات من الجليد تفوق ما احتوتها الأجراف الأخرى المنهارة، وقد تكون فيه بالفعل برك ذائبة عند طرفه الشمالي .
وما يزيد من قلق العلماء أيضاً تلك الأجراف الجليدية المعلقة في اليابسة، والمدعمة للجبال الجليدية الأكبر مساحة مثل باين آيلاند، وثوايتس، ووتين، إذ وجد الباحثون أنها تنهار عند جوانبها الداخلية بسبب التيارات المحيطية الدافئة، ما نتج عنه انكماش حجم الجبل الجليدي باين آيلاند بمقدار 15 في المئة منذ ،1994 بيد أن الجبل الجليدي الضخم وراءه تسارع بنسبة 70 في المئة .
وسيظل أمام العلماء الكثير من الوقت إلى أن يدركوا التأثير الكلي الذي سيخلفه انهيار الأجراف الجليدية، وذكر سكامبوس في دراسة له العام الماضي أن الجبل الجليدي يستمر في تسارعه حتى بعد فقدانه جرفه الجليدي بخمسة عشر عاماً .