كان للنهضة العلمية التي يشهدها العالم تأثير كبير في أنواع الصناعات كافة، ولم تكن هذه النهضة لتستثني الصناعة السينمائية، الأمر الذي جعل صناعة الأفلام أكثر سهولة ويسراً، ومن بين أنواع الأفلام التي تزدهر حالياً الرسوم المتحركة، أو ما تسمى بأفلام الأنيميشن . ويشهد مهرجان أبوظبي السينمائي في دورته السادسة
مشاركة عدد من أفلام الرسوم المتحركة، قام بإنتاجها مخرجون عرب ومحترفون، وهواة ليقتحموا هذا المجال ويضعوا بصمتهم في هذه الصناعة التي تحتاج إلى الكثير من الدعم والمزيد من الصبر والإبداع، #187;الخليج#171; التقت عدداً من المخرجين العرب الذين شاركوا بأفلامهم الكرتونية في هذا المهرجان وكان هذا التحقيق .
تشارك ماجدة الصفدي، طالبة في الجامعة الأمريكية في الشارقة، في #187;مسابقة أفلام الإمارات: الأفلام الروائية القصيرة للطلبة#171;، من خلال فيلمين كرتونيين، وتقول: يحمل فيلمي الأول اسم #187;أم الدويس#171;، وقد قمت بالعمل عليه مع زميلتي زهرة، وتبلغ مدة الفيلم خمس دقائق، وتدور أحداثه حول أم الدويس، وهي عبارة عن جنية معروفة في القصص الشعبية الإماراتية، كانت تقوم بجذب الرجال ومن ثم قتلهم، وقد كانت هذه الشخصية في الموروث الشعبي تستعمل لإخافة الأطفال الصغار لدى قيامهم بكل ما يسيء، وقمنا باقتباس هذه القصة لتقديمها على شكل فيلم كرتوني . وتشير إلى أن اختيارها لإخراج هذا النوع من الأفلام جاء نظراً لما تؤمن به من مرونة في العمل . وتضيف الصفدي: يمنحك العمل الكرتوني إمكانات كبيرة لا يستطيع الفيلم التمثيلي العادي منحك إياها، ففيلم الرسوم المتحركة يعطيك الحرية والمرونة في العمل، ويجعل كل الحركات ممكنة، ويفتح أمامك باب الخيال، وهذا كله لا يقدمه الفيلم التمثيلي العادي، وفق الإمكانات المادية التي نمتلكها، ورغم الصعوبات التي يواجهها العامل في مجال الإنتاج الكرتوني فإن الصفدي ترى أنه مجال أكثر إبداعاً، إذ إنه يفتح باب الإبداع على مصراعيه للمخرج، وعلى المخرج أن يتخيل الشخصيات التي تلبي نظرته، ويقوم برسمها بحيث تكون قريبة جداً إلى النص المكتوب من أجلها، ومن ثم تبدأ عمليات التحريك وإدخال الأصوات وغيرها من الأعمال التي تحتاج إلى كثير من الإبداع .
الفيلم الثاني هو فيلم #187;الخطيئة الثالثة#171; وتشترك فيه كل من سارة زهير وماجدة الصفدي وآمنة العفيفي، وهن زميلات في الجامعة نفسها، وعن هذا العمل تقول سارة زهير: تدور أحداث فيلم #187;الخطيئة الثالثة#171; حول الدين، لكن حاولنا أن نجعل شخوص هذا الفيلم على شكل حيوانات، فالخراف تمثل الأشخاص البسطاء الذين تغريهم العروض التي يقدمها التجار والدائنون، بينما تلعب حيوانات الماعز دور التجار والرأسماليين الذين يستغلون حاجة الطبقات الفقيرة . وتدور القصة كلها حول الطمع، فالفقير يتطلع إلى حياة الأغنياء، والأغنياء يطمعون بزيادة ثروتهم .
وترى سارة أن تقديم الفكرة على شكل فيلم كرتوني أعطاها قيمة أكثر، إذ إن مثل هذه الأفكار تم طرحها كثيراً عبر الأفلام التمثيلية العادية، ولم نكن لنتمكن من تقديم شيء جديد في ما يخص هذه الفكرة لو عرضناها بالطريقة القديمة، لكن تقديمها على شكل فيلم كرتوني أعطى الفكرة بعداً آخر، إضافة إلى أن العمل بهذه الطريقة يدعم الجانب الكوميدي للموضوع، ما يجعل الفكرة تصل إلى عقول المشاهدين بشكل أفضل . وتؤكد أن العمل ضمن مجموعة خفف الكثير من المصاعب . وتضيف: عندما يشترك عدد من الأشخاص في استنباط فكرة ما ومن ثم تطويرها من المؤكد أن النتيجة ستكون أفضل بكثير منها لو قدم الفكرة شخص منفرد . وتشير إلى أن مسألة ضيق الوقت كانت من أصعب التحديات التي واجهتني، ففترة الأسبوعين كانت قليلة لإنتاج فيلم كرتوني .
آمنة العفيفي قدمت عدداً من الأفلام التمثيلية، مع ذلك أحبت دخول مجال الفيلم المتحرك، فاشتركت في تقديم فيلم #187;الخطيئة الثالثة#171; مع زميلتيها سارة زهير وماجدة الصفدي، كما تشارك منفردة في #187;مسابقة أفلام الإمارات: الأفلام الروائية القصيرة للطلبة#171; من خلال فيلم متحرك بعنوان #187;الكفيلة#171;، وعن هذا الفيلم تقول: فيلم الكفيلة كان تحدياً شخصياً، أردت من خلاله أن أبرهن لنفسي أني قادرة على إنجاز فيلم كرتوني متكامل، كما كان هذا الفيلم اختباراً لإمكاناتي الإخراجية في هذا المجال، أما بالنسبة لقصة الفيلم فهي مقتبسة عن قصة حقيقية عاشتها صديقة أمي، حيث توفي والد صديقة أمي في سنواتها الأولى، فقامت إحدى النساء بكفالتها، ولم تكن هي الوحيدة التي تكفلها تلك المرأة، بل كانت فرداً في عائلة كبيرة من الأطفال اليتامى من مختلف الجنسيات الذين قامت هذه المرأة الطيبة بمهمة رعايتهم، وبالفعل ترعرعت صديقة أمي في هذا المنزل من دون أن تشعر بأنها يتيمة، وهي اليوم تكمل الرسالة الإنسانية التي حملتها كفيلتها، من خلال رعاية وكفالة الأيتام .
وتشير العفيفي إلى أنها وجدت العمل في مجال أفلام الرسوم المتحركة أكثر إمتاعاً، ففي حين يفقد النص بعضاً من متعته في الفيلم التمثيلي، يستطيع الفيلم الكرتوني أن يعطي الفيلم كل المتعة التي ينتظرها المشاهد .
المخرج هاني الكيشي يشارك في #187;مسابقة أفلام الإمارات: الأفلام الروائية القصيرة#171; من خلال فيلم متحرك ثلاثي الأبعاد بعنوان #187;الأسطورة#171;، وهو من خلال هذا الفيلم يقدم نموذجاً أكثر نضجاً عن الأفلام المتحركة، وعن مشاركته في المهرجان يقول: تعد قصة فيلم الأسطورة مزيجاً بين الأساطير اليونانية والرومانية وتاريخ الإمارات، والفكرة هي للكاتب فيصل الشرياني الذي كتب القصة لتتحدث عن تاريخ الإمارات والنهضة الكبيرة التي تشهدها، وقد حاولت من خلال هذا الفيلم أن أقدم عملاً متحركاً متكاملاً يرقى لمنافسة الإنتاجات العالمية، ويكون أهلاً للمشاركة في المهرجانات الكبيرة كمهرجان أبوظبي السينمائي، وذلك من خلال الاستفادة من التقنيات الحديثة التي سهلت إنتاج هذه النوعية من الأفلام .
وعن التقنيات المستخدمة في فيلم الأسطورة يقول الكيشي: حاولت من خلال هذا الفيلم أن يكون الطابع الشرقي هو المسيطر، فكانت الشخصيات قريبة إلى خيال الظل التي كانت لها شعبيتها الكثيرة في الوطن العربي، وقمنا بتطبيق تقنية البعد الثلاثي لتكون أقرب ما يكون إلى الحقيقة، وينطبق الأمر نفسه على الموسيقا، فكان هناك مزج بين الموسيقا الغربية والعربية، فالفيلم يعد غنائياً رغم أن معظم الآلات الموسيقية المستخدمة هي آلات غربية إلا أن الموسيقا جاءت بنفحات شرقية ممزوجة بالموسيقا الشعبية الإماراتية، وقد أخذت منا شهرين من العمل المتواصل .
ويضيف: لا يختلف اثنان على أن إنتاج فيلم متحرك أصعب بكثير من إنتاج فيلم تمثيلي بسيط، ففيلم #187;الأسطورة#171; بدقائقه السبع تطلب إنتاجه 4 شهور من العمل المضني بطاقم عمل مؤلف من 25 شخصاً بين هواة ومحترفين، وقد استطعنا التغلب على موضوع التكلفة المادية من خلال العمل التطوعي الذي قام به فريق العمل مشكوراً، ففريق العمل كان شغوفاً بالعمل في هذا المجال، ولم يكن الجانب المادي هو المهم بالنسبة للعاملين .
ويشير الكيشي إلى أن الفيلم المتحرك يحتاج إلى فريق عمل أكبر بكثير من الفيلم التمثيلي، ففي حين تقتصر الشخصية العادية على الممثل، تحتاج الشخصية الكرتونية إلى عدد أكبر من العاملين، فهناك الرسام والمحرك إضافة إلى الصوت . ويرى أن الفيلم المتحرك يتميز عن الفيلم التمثيلي بالفانتازيا التي يقدمها، ويقول: الفيلم المتحرك يعطيك القدرة على تجسيد الأساطير، كما يمنح المخرج القدرة على تقديم كل ما يعجز عنه الفيلم العادي من مشاهد حركية غير واقعية، فرغم العمل الشاق الذي يتطلبه إلا أن النتائج تنسي العاملين عليه التعب الذي عانوه خلال تقديمهم تحفة فنية إبداعية .
ويرى أن إنتاج الفيلم الكرتوني في الوطن العربي يشهد نشاطاً ملحوظاً لكنه بحاجة إلى المزيد من الدعم حتى يستطيع أن ينافس على الصعيد العالمي، وعليه أن يتحول إلى استثمار من خلال قيام الشركات الإنتاجية بتبني هذا النوع من الإنتاجات ودعمها وتسويقها، هذا الأمر يؤدي إلى ارتفاع ميزانيات هذه الأفلام وبالتالي ارتفاع جودتها .