يبدأ موسم هجرة الطيور إلى الدولة في شهر سبتمبر من كل عام، وتزيد أعدادها خلال الفترة التي تمتد بين أكتوبر وديسمبر، وأحياناً تبقى بعض الطيور المهاجرة في الدولة مدة تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أشهر، في حين يعبر بعضها لإكمال مسار هجرته، والموقع البيئي الحيوي والمهم للدولة جعله واحداً من أهم المسارات لهجرة أسراب الطيور القادمة من القطب الشمالي إلى إفريقيا لقضاء فصل الشتاء، وطيور المحيط الهندي المهاجرة من سيبيريا لقضاء فصل الصيف، إضافة إلى أسراب الطيور المتنقلة ما بين الشرق الأدنى وشبه القارة الهندية .

في كل عام وفي نفس الموعد تنطلق ملايين الطيور، بخاصة في نصف الكرة الشمالي، في رحلة شاقة طويلة متجهة إلى نصف الكرة الجنوبي، فقارات النصف الشمالي: أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، وتشهد هذه الهجرة التي تنتهي بعد أن تتجاوز الطيور خط الاستواء، فإذا حل الربيع عادت برحلة معاكسة إلى مواطنها الأصلية من أجل التزاوج، ومئات الأنواع من الطيور تقوم بالهجرة سنوياً في مواعيد محددة عند قدوم الشتاء ثم تعود إليه في فصل الصيف، تجتاز في طريقها البحار والصحارى والجبال لتصل إلى هدفها المنشود . ورغم مرور مئات السنين على متابعة هجرة الطيور، إلا أنه لا تزال عملية الاهتداء ومعرفة الطريق ومن ثم معرفة الهدف سراً من أسرار الهجرة، لم يتم الكشف عنه حتى يومنا هذا، على الرغم من المحاولات المستمرة في وضع فرضيات، ومن ثم القيام بالتجربة والمراقبة التي ترصد الطيور ابتداء بعملية #187;التحجيل#171; وهي وضع حجل أو خاتم معدني في ساق الطائر الصغير فى عشه، ومن ثم مراقبة محطات الوصول لهذه الطيور وانتهاء بأجهزة الكمبيوتر وقواعد البيانات عن طريق رصد الطيور المهاجرة بوساطة الرادارات المتقدمة .

وفي الأيام المقبلة سيشهد مواطنو الدولة وزوارها تدريجياً انتشار مراقبي الطيور في مختلف أنحاء الدولة في عدد من المواقع الرئيسة لرصد هجرتها، ويمكن خلال هذا الفصل مشاهدة أنواع آلاف الطيور المهاجرة التي تحط رحالها على طول سواحل الإمارات، حيث تتوافد مختلف أنواع الطيور المتراوحة ما بين الطيور المائية والبرية، ومن أهمها الدريجة، والفلامنكو الذي يعرف محلياً باسم (الفنتير) ويوجد في العادة على ضفاف البحيرات الطبيعية الكبيرة القلوية أو المالحة ومصبات الأنهار، كذلك في المياه العذبة والمالحة للأراضي الرطبة الاصطناعية، وحتى على مقربة من المستوطنات أو الأنشطة البشرية، مثل الطرق السريعة والضواحي والمناطق الصناعية، والأغوار المالحة وأحواض المجاري والبرك، وطائر الدخل الصغير المتعدد الأشكال، وله مسميات متعددة ومعروفة محلياً منه: الدخل الأخضر والأصفر، والشيخ، والبصو، والعبيدي، والمغلطاني، وأبو طربوش، والشولة . إضافة إلى الخاضور، والقمري، والصفار، والكركي، وطائر النحام، وطائر مرزة البطاح .

يقول أحمد عبدالله آل علي #187;مدير إدارة المحميات الطبيعية هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة عضو لجنة الإمارات لتسجيل الطيور#171;: ترتبط هجرة الطيور بعوامل طبيعية قد لا يكون للإنسان تأثير مباشر فيها، ولكن وجود بيئات مثالية ينعدم فيها الإزعاج وتتوافر فيها المقومات اللازمة للطيور سيزيد من فرصة نزول هذه الطيور المهاجرة إلى أراضي الدولة، وبالتالي ستتوفر فرصة مشاهدتها أعداد كبيرة في كل المواقع، فالمعلومة التي لا يعرفها البعض أن الطير المهاجر إن استراح بمكان ولاقى ما يريد من هدوء وغذاء، سيكون المكان ذاته أول هدف له في الهجرات القادمة، وهذا يعود إلى قدرته العالية في معرفة الاتجاهات، وأحد أهم الخطوات للحفاظ على رحلات هذه الطيور، هو إنشاء المحميات للحفاظ على البيئات المثالية، حيث توفر ملاذاً آمناً للطيور التي تبحث عن قسط من الراحة والغذاء لتستعيد نشاطها وتكمل رحلتها في الهجرة إلى أن تصل إلى غايتها، كما أن وضع لوائح تنظيم ومنع صيد بعض الأنواع التي تتعرض للضغط، خطوة مهمة، لأنها المساعد الأول لعدد كبير من الطيور للوصول إلى نقاط هجرتها لتكمل دورة الحياة . ويضيف: التوعية المجتمعية تعتبر جزءاً رئيساً في عملية الحماية، وبالرغم من ان هيئة البيئة والمحميات تنظم الكثير من ورش العمل وتقوم بعمل حملة برية كل عام لنشر الثقافة البيئية وأهمية التوازن الحيوي، إلا أن الأفضل هو توفير الوعي منذ المراحل الدراسية الأولى .

ويضيف محمد عبدالله الزعابي #187;عضو في نادي طيور الإمارات#171;: سنوياً يهاجر ما يقارب من 300 نوع من الطيور من القطب الشمالي للإشتاء في المناطق شبه القطبية والمدارية، ويعد موقع الدولة من بين ابرز المواقع المثالية لهجرة هذه الأنواع التي تتوزع على طول شواطئ ومحمياتها ذات التنوع البيولوجي، وقد سبق لوزارة البيئة والمياه أن وضعت في السنوات السابقة مبادرة لتحسين مستوى حماية المناطق الاحيائية والهشة بيئياً عبر عمليات مسح للأنواع النباتية والحيوانية بالتعاون مع خبراء دوليين، بما فيها دراسة مختلف أنواع الطيور سواء المحلية أو المهاجرة، وتشير إلى أن الدولة أصدرت العديد من التشريعات في هذا المجال، من بينها القانون الاتحادي رقم 23 لسنة ،1999 لاستغلال وحماية وتنمية الثروات المائية الحية، والقانون الاتحادي رقم 24 لسنة 1999 لحماية البيئة وتنميتها، إضافة إلى القانون الاتحادي رقم 11 لسنة 2002 لتنظيم ومراقبة الاتجار الدولي بالحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض .

ويشرح عصام عبد القادر السيد، خبير في علوم الأحياء البرية والمسطحات المائية في أبوظبي: مسارات هجرة الطيور ومسببات هجرتها، قائلاً إن الإمارات تقع في الوسط بين الشرق والغرب، ويتداخل فيها اثنان من مسارات هجرة الطيور: مسار هجرة الطيور من شرق إفريقيا وغرب آسيا، وطريق الهجرة الأفرو أوراسية، ومسار آسيا الوسطى . فيما أكثر الطيور المهاجرة إلى الدولة هي قادمة من مناطق التكاثر الشمالية في أوروبا وآسيا، ولاسيما آسيا الوسطى، لتجنب الظروف المناخية القاسية بسبب البرد الشديد ونقص الإمدادات الغذائية، ويضيف: مع بداية موسم الهجرة تبدأ أسراب الطيور المهاجرة في الوصول إلى الدولة التي تتوافر فيها البيئة الملائمة، والمناسبة التي تساعدها على البقاء، وقضاء فترة شتائها، خصوصاً في الجزر البحرية التي تمتاز بدفء شواطئها . مشيراً إلى أن جزر أبوظبي تحتضن نحو 45% من جميع أنواع الطيور المسجلة في الدولة، فمن بين مجموع 20% منطقة عالمية تم الاعتراف ب9 منها في أبوظبي وحدها، وأن هناك نوعين رئيسين من التهديدات العالمية للطيور وملاجئها، حيث تؤثران في قرابة 80% من الأنواع المهاجرة وهما: الزراعة غير المدروسة في أماكن عيش هذه الطيور مما يؤدي إلى تقليل ملاجئها وتدميرها، واستهلاك الموارد البيولوجية بشكل خطر ومؤثر كاقتلاع أشجار الغابات والصيد العشوائي .

ويقول محمد عبد الرحمن، #187;رئيس قسم البيئة البحرية والحياة الفطرية في بلدية دبي#171;: إن لبيئة الإمارات والحياة الفطرية فيها مزايا تجذب الطيور المهاجرة لتحط رحالها على أرض الدولة، وأولى هذه المزايا وجود العديد من البيئات المختلفة التي تجذب الطيور وتتوافر فيها عناصر الأمان والغذاء مثل: البيئات الساحلية، والأراضي الرطبة، والصحراوية، والبيئة الجبلية، كما أوجدت الدولة العديد من المحميات الطبيعية التي تعتبر الحاضن الأول للحفاظ على الثروة البيولوجية للحياة الفطرية مثل: محمية رأس الخور للحياة الفطرية في دبي التي تعد أول مواقع الدولة المصنفة من ضمن معاهدة (رامسر) للأراضي الرطبة ذات الأهمية العالمية . إلى جانب ان الدولة وقعت على العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تدعو للمحافظة على الطيور بشكل عام والأنواع المهاجرة بوجه خاص ومنها: اتفاقية التنوع البيولوجي، وحماية الأنواع المهاجرة، واتفاقية (السايتس) لمنع الاتجار في الأنواع المهددة من الحيوانات والنباتات، كما ينص القانون الاتحادي والقرارات الوزارية على حماية الطيور المحلية والمهاجرة . ويضيف: استراتيجية حكومة دبي على سبيل المثال تتطلب تخصيص 10% من مساحة الإمارة محميات طبيعية بحلول عام ،2014 وتقوم الدولة في هذا السياق بوضع الخطط وبرامج التوعية للجمهور مثل اليوم العالمي للأراضي الرطبة، واليوم العالمي للطيور المهاجرة، حيث يتم تسليط الضوء على هجرة الطيور والفصائل المهددة وكيفية المحافظة عليها، كما تقوم الجهات المتعددة بإعداد إحصاءات دورية عن الطيور، وتوفر العلاج اللازم للأنواع المهددة أو المريضة، ويشير إلى أن محمية جبل علي للحياة الفطرية، ومحمية المها الصحراوي، وبحيرة الورسان، تعتبر من ابرز المواقع الجاذبة للطيور المهاجرة في دبي .

حماية الطيور المهددة بالإنقراض

بحسب القائمة الحمراء التي يصدرها #187;الاتحاد العالمي لصون الطبيعة#171;، تقدر نسبة 19% من جميع الطيور المعروفة وقرابة 30 نوعاً من 192 نوعاً من الطيور المهددة بأنها مهاجرة . وعادة ما ينقرض طائر واحد فقط في كل قرن، غير أن 21 نوعاً من الطيور قد اختفت خلال الأعوام ال 30 المنصرمة . وحالياً هناك 1227 من مجموع 9865 نوعاً من الطيور مصنفة عالمياً بأنها مهددة، و192 من هذه الطيور تعتبر مهددة بخطر الانقراض .

تجاوزات قانونية

تحظر الإمارات استخدام الأجهزة والمعدات المضللة للطيور وخداعها بغرض الصيد، وتمنع التجاوزات القانونية في شأن الاتجار غير المشروع بالطيور النادرة، من خلال جملة من القوانين الاتحادية ومنها: المادة (12) من القانون الاتحادي التي تحظر صيد الطيور والحيوانات البرية، والمادة (83) التي نصت على أنه يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن ألفي درهم ولا تزيد على عشرين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف حكم المادة (12) مع مصادرة الطيور والحيوانات المضبوطة، والمادة (86) التي نصت على ان كل مخالفة أخرى لإحكام القانون يعاقب مرتكبها بالغرامة التي لا تقل عن خمسمئة درهم ولا تزيد على عشرة آلاف درهم، وتؤكد المادة (88) أن تضاعف العقوبات المقررة للجرائم المنصوص عليها في هذا القانون في حالة تكرار المخالفة .

إجراءات للحفاظ على الأنظمة البيئية

تقوم سنوياً هيئة البيئة في أبوظبي وجمعية الإمارات للحياة الفطرية بالتنسيق مع الصندوق العالمي لصون الطبيعة ولجنة الإمارات لتسجيل الطيور وبلدية الفجيرة، بعدّ وحصر الملايين من أنواع الطيور المائية في الدولة، لجمع البيانات الأساسية عن موائل الأراضي الرطبة وأنواع الطيور وتحديد المواقع الرئيسية لها، واتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على الأنظمة البيئية، كما يقدم معلومات عن حالة واتجاهات الطيور، حيث يزيد عدد الطيور التي تستخدم مناطق المد والجزر على 250 ألف طائر .

الحفاظ على التنوع البيولوجي

للإمارات مساهمات دولية تهدف للحفاظ على التنوع البيولوجي، وذلك من خلال مراكز وصناديق دولية أهمها مركز الإمارات لتنمية الحياة الفطرية بمنطقة ميسور في المغرب عام 1995 لإكثار الحبارى . والصندوق الدولي للمحافظة على الحبارى في عام ،2006 وصندوق محمد بن زايد الذي انشئ عام 2008 لحماية الأنواع والحيلولة دون انقراضها . إلى جانب الاتفاقيات الدولية ومن أهمها اتفاقية #187;رامسر#171; لأفضل الأراضي الرطبة التي تجذب الطيور المهاجرة، فمحمية #187;رأس الخور للحياة الفطرية#171; وحدها خلال فصل الشتاء تسند أكثر من 20،000 من الطيور المائية التي تتبع 67 نوعاً تستخدمها لقضاء فصل الشتاء أو كمحطة للراحة والتغذية في أثناء هجرة الطيور . وتستضيف أكثر من 500 نوع من الحياة النباتية والحيوانية .

لماذا تحلق الطيور المهاجرة على شكل حرف V

لكي تستفيد من مجمل الاضطرابات الهوائية، وتقليل الجهد المبذول في الطيران، فعندما يضرب الطائر بجناحيه الهواء يولد طاقة تساعده على التحليق، كما يساعد الطائر الذي يليه بدفع الهواء إلى جناحيه، وبالتالي تساعدهم هذه الطريقة على التقليل من حجم المشقة وعناء الطيران، وتمنحهم قدرة كبيرة على الطيران لمسافات طويلة . وقائد السرب يتحمل العبء الأكبر في عملية التحليق، نظراً لتصديه لأكبر مقاومة من الهواء، لذلك عندما يتعب ينسحب إلى الصف الأخير ويتولى طائر آخر قيادة السرب، أما الطيور التي في المؤخرة فتتولى عملية الصياح لتشجيع الطيور التي في المقدمة على الصمود في وجه الرياح والطيران بتصميم أكبر .

الفراشات أيضاً تهاجر

ظاهرة الهجرة لا تقتصر فقط على الطيور بل تتعداها إلى الفراشات، فقد توصل علماء من جامعة اكستير البريطانية، إلى نتائج دراسة نشرت في مجلة #187;بروسيدنجز#171; التابعة للأكاديمية الملكية للعلوم في بريطانيا، إلى نوع من الفراشات الليلية المعروفة باسم #187;أوتوجرافا جاما#171; التي تحتاج في بقائها للهجرة سنوياً بين شمال الأرض وجنوبها . حيث تجاوز خلال هجرتها سلاسل جبال مرتفعة مثل سلسلة جبال الألب، وتبين للباحثين أنه يمكنها أن تقطع مسافة 800 كيلومتر للوصول لمنطقة مناسبة للعيش في البحر المتوسط .