في لقاء مع الدكتور نور الدين الصغير الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الشارقة، قال: يخطئ الدارسون اليوم في القول بأن دولة الإمارات وليدة التحوّلات الاستراتيجية الجيوسياسية التي مرّ بها الخليج العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد حصول دول المنطقة على استقلالها وقيام الاتحاد، وأنّ عمرها لا يتجاوز الأربعين سنة .

وأضاف: إن المتأمّل في المسيرة التاريخية لهذه الربوع يدرك من خلال الحفريات والدراسات التاريخية والأنتروبولوجية المعاصرة التي أجرتها فرق البحث والتنقيب للبعثات الفرنسية والألمانية والإنجليزية، إلى جانب مجموعة من الباحثين العرب، يقتنع من خلال تنقيباتهم في مستوطنات: مليحة وأم النار وجبل حفيت#171;، أن تاريخ هذه البلاد ضارب في أقدم عصور ماقبل التاريخ . وما تاريخ المواقع المنتشرة في كل إمارة من إمارات الدولة إلاّ دليلاً على عراقة الإنسان الذي كابد حياة الصحراء والجبال لينتهي به المطاف إلى البحر .

واستطرد: لنسأل جلفار والشارقة وخورفكان عن رموز الصمود زمن انتشار الإسلام وقدوم القوات الأوروبية الغازية بداية بالبرتغاليين، ومنهم الى الإنجليز والهولنديين والفرنسيين والروس والألمان، ولنستجوب واحات ليوا التي عرفت ميلاد حلف بني ياس زمن الهجرة إلى أبوظبي التي أفرزت أمجاد آل نهيان والبوفلاسة وسليلتها آل مكتوم .

لنسأل دبا عن ملحمة الخلود التي خاضها المسلمون ضدّ المرتدين .

لنسأل أيضاً رأس الخيمة، المدينة الشهيدة، التي دكّتها مدافع الإنجليز سنة 1820 بعد استماتة القواسم في الدفاع عن شرف الأمة وكيانها .

ولنسأل قبلها خورفكان عن شراسة البرتغاليين الذين لم يبقوا فيها لا أخضر ولا يابس زمن الزحف الوحشي الذي قاده (ألفنسو دي البوكيرك) .

ولنراجع الكتابات التاريخية التي حفلت بها مؤلّفات الرحالة الأوروبيين من فرنسيين وإيطاليين وإنجليز وهولنديين وبرتغاليين وهنود وصينيين، وما سجّله الرحالة والجغرافيون المسلمون .

وأوضح: كلّ هذا السجل التاريخي يقف شاهداً على حقيقة الوجود الفاعل للإنسان في هذه الربوع الحافلة بصناعة التاريخ الحديث والمعاصر، وما انتهت إليه طموحات سكان هذه المناطق .

لقد عانقت شعوب هذه المنطقة الخلود منذ انعتاقها من هيمنة الإنجليز وانطلاقها على درب المجد لتنسج خيوط المستقبل الآمل على صفحات البحر، إنها دبي مدينة اللاّمستحيل، وأبوظبي قطب الحداثة وأمل المستقبل، والشارقة قطب الأصالة والمعاصرة، التي تتعانق في أفقها خلجات الماضي ونفحات المستقبل .

قالوا عن دبي: إنّها معجزة القرن، وحكموا على أبوظبي بكونها مدينة التحديات، أما الشارقة فقد اختزلها أحد المفكرين الغربيين، بكونها مهد الحضارات وسجل ماضي الخليج .

فهل بعد هذا نبتغي شهادة ونطلب حجّة والبرهان أمام أعيننا .

لعلّ شبابنا اليوم يلاقي بعض الصعاب في بلوغ مآربه المعرفية التي تقنعه بأصالة هذا البلد والسبب يعود إلى قلة المساحة المعرفية المدرجة في الجامعات حول تاريخ المنطقة .

لقد صدق حكيم العرب، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في قوله: من لا ماضي له، لا حاضر له، ولا مستقبل، فالشباب أمانة بين أيدينا ولابدّ أن نعطيهم تكوينا تاريخياً نابعاً من عصارة فهمنا لفلسفة قادة هذا البلد ولإخلاص خيرة أبنائه، ونغرس فيهم التوق إلى حبّ الوطن والتعلّق بكل مكوّناته التاريخية والتراثية ليكونوا جيلاً يؤمن بالإرادة، وساعياً إلى تحقيق الخير والسعادة في زمن كثرت فيه الأحقاد والدّسائس .

تدريب

انطلاقاً من استراتيجية هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في الحفاظ على التراث والترويج للثقافة المحلية بين شرائح المجتمع كافة، قامت إدارة البيئة التاريخية في الهيئة بالتعاون مع جامعة الإمارات بتدريب (19) طالبة من طالبات قسم التاريخ والآثار بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية لشهرين، حيث زرن المنطقة الأثرية في موقع هيلي، والاطلاع على العصور الزمنية المختلفة التي تعاقبت، وكذلك التعرف إلى المستوطنات البشرية التي وجدت فيه، باعتبار أن الموقع جزء من حضارة أم النار .

من جهتها تقدم جامعة زايد مساقاً في علم الآثار يهدف إلى فهم المعرفة المتعلقة بالتراث والتاريخ والآثار الإماراتية، ويعتبر مثالياً لمن يريد أن يعمل ويطلع على حضارة الدولة . المساق يقوم على الدراسات الميدانية، حيث تتاح لهن فرصة التنقيب عن كنوز الآثار الإماراتية المخبوءة في فن الفخار القديم، وفي سياق هذه الدراسات نظمت رحلات للطالبات إلى مواقع أثرية في إمارة رأس الخيمة

كتاب

أصدرت هيئة أبوظبي للثقافة والتراث كتاباً بعنوان آثار حضارة جزيرة أم النار 19592009يلخص ويناقش الحالة الراهنة لمواقع جزيرة أم النار الأثرية للحضارات التي عاشت ثلاثة قرون على الأقل 23002600 قبل الميلاد#171;، تغطي حضارة أم النار التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد سبعة قرون 27002000 قبل الميلادويقدم الكتاب الذي أعده الدكتور وليد ياسين رئيس قسم الآثار بإدارة البيئة التاريخية في الهيئة استعراضاً منهجياً للجزيرة الصغيرة الواقعة جنوب شرق جزيرة أبوظبي التي تفوقها من حيث المساحة بكثير وهي واحدة من مئتي جزيرة على ساحل أبوظبي .