تقف بيوت البادية التقليدية في مدينة العريش المصرية على استحياء لتروي في مكانها القصي، قصصاً من أحداث تاريخية كبرى شهدتها سيناء، منذ أوائل القرن الماضي وحتى منتصف الثمانينات، قبل أن يبدأ زحف كتل الأسمنت على تلك الأرض البكر، لتتحول تلك البيوت التي طالما شهدت أيام عز القبائل إلى مجرد ذكرى، أو مجسمات تحكي قصصاً من التاريخ في متحف التراث .
طغت الطرز المعمارية الحديثة على مدينة العريش وعلى مدن شبه جزيرة سيناء، وأصبحت البنايات من الكتل الخرسانية والأسمنتية، ولم يتبق من البيت العرايشي سوى الأطلال، بعدما قام معظم الأهالي بهدمه وبناء العمارات السكنية الحديثة محله . ويتميز البيت العرايشي التقليدي بمساحته الكبيرة، إذ تبلغ مساحته في بعض الأحيان نحو ألف وخمسمئة متر، وهو يتميز بأسواره العالية التي تحيط به من جوانبه الأربعة، وهي الأسوار التي كان يلجأ الأهالي في الزمن الغابر إلى وضع الزجاج المهشم أعلاها، درءاً لتسلق اللصوص .
ويبلغ ارتفاع سور البيت العرايشي في بعض الأحيان نحو ستة أمتار، وهو يبنى غالبا مثل معظم البيوت التقليدية في الدلتا، من الطين اللبن الأبيض، المأخوذ من أعماق الرمال والصحراء، بخاصة من مخرات السيول، وبالقرب من قرية تدعى لحفن .
ويتكون البيت العرايشي التقليدي غالبا من ست إلى ثماني غرف أو أكثر، يتم بناؤها في صف واحد، أمامها صالة كبيرة يطلق عليها البرندة، وهي تواجه الفناء الكبير للدار، الذي يطلق عليه اسم الحوش، فضلاً عن غرفة للطعام تكون بعيدة عن غرف المعيشة ببضعة أمتار، وهي تشتهر بوجود المشنة، وهي الوعاء الخاص بحفظ الخبز، وتصنع من جريد النخل .
ولا يخلو البيت التقليدي في العريش من الحطب، وهي قطع الأخشاب الجافة التي يتم جمعها، واستخدامها في الطهي سواء لأهل البيت أو الضيوف، حيث يتم إشعال الخشب الجاف في الحوش، حتى إذا ما خمد الدخان المنبعث عنه، يتم إدخاله في المنقد إلى غرفة الطعام للطهي . وتضم غرفة الطعام طبلية كبيرة الحجم تستخدم كمنضدة، وهي تصنع من الأخشاب وتستخدم لتناول الطعام عليها، حيث يلتف حولها جميع أفراد البيت في وقت واحد في وجبات الطعام الثلاث .
وبعيداً عن غرفة الطعام يوجد بيت الراحة أو بيت الأدب، كما كان يطلق عليه مع اختلاف المسميات، وهو حمام ودورة مياه، وتتكون من مساحة غرفة صغيرة، وهي تضم زيراً من الفخار مخصصًا للاحتفاظ بالماء، إلى جانب قطعة من لحاء النخيل تستخدم للاستحمام . ولا تخلو أحواش البيوت التقليدية في العريش من الأفران البلدية التي تستخدم في صناعة الخبز وطهي الطعام، وهي أفران تبنى من الطين اللبِن، وتتكون من طابقين، الأول يستخدم لوضع الحطب فيه وإشعاله، والثاني لوضع الخبز النيئ فيه حتى يتم نضجه، مثلما لا يخلو بيت من الحاووز وهو خزان المياه الذي يقوم بتخزين مياه الأمطار، قبل استخدامها في أغراض الطهي والشرب وغسيل الملابس .
وحتى وقت قريب ظل البيت العرايشي يتميز بأبوابه الكبيرة والمرتفعة، سواء أبواب الغرف أو الباب الرئيسي الذي غالباً ما يكون أكبر بكثير من باب الغرف، ويتم إغلاقه بقطعة من الخشب الثقيل أو قطعة من الحديد أشبه بالمزلاج، أما شبابيك الغرف فكانت غالبا ما تصنع من الخشب، وتتكون من قطعتين وتكون أصغر حجماً من باب الغرفة، كما تكون قريبة من الأرض وأحيانا تكون مرتفعة أعلى الغرفة وتسمى الطاقة، وذلك لإدخال ضوء الشمس لإنارة المنزل نهاراً .
ويتم بناء البيت العرايشي من الطين الذي يتم جلبه على ظهور الحمير والجمال من مجرى الوادي، ثم توضع في مكان يتجمع فيه الماء وتترك حتى يتم تفتيتها، ثم يطرق عليها بالفأس أو أي آلة حديد ثقيلة حتى تتحول إلى كومة طرية ولينة، وتترك لعدة أيام وبعدها يوضع عليها بقايا مخلفات سنابل القمح والشعير التبن، والهدف من ذلك هو تماسكها وتلاحمها مع بعضها بعضاً وعدم تفككها بسهولة . ويوضع هذا المعجون في قالب من الخشب الذي يبلغ طوله نصف متر وعرضه ربع متر ويترك حتى يجف، ويتم إفراغه على أرض رملية ناعمة تلاشياً لالتصاقه بأي شيء بالأرض، وبعد يومين تقريباً يتم تجميع قوالب الطوب الطيني ووضعه بشكل رأسي حتى لا يتعرض للتهشيم، ثم يتم بناء المنزل به بعد حفر أساس لمسافة ثلاثة أمتار في باطن الأرض ورص الطوب الني فوق بعضه بعضاً بعد جفافه .