المبادرة التي كانت قد أطلقتها الهيئة العامة لسوق المال قبل ثلاث سنوات تحت اسم المسؤولية الاجتماعية يبدو أنها لم تجد آذاناً صاغية بالقدر المناسب والكافي من جانب أغلبية الشركات المساهمة العامة المدرجة للتداول في سوق مسقط للأوراق المالية، وهو ذات الشعار النبيل الذي رفعه رئيس غرفة تجارة وصناعة عمان قبل ست سنوات ضمن أجندة مجلس إدارتها لم يجد هو الآخر قبولاً بالقدر اللائق من جانب أكثرية مؤسسات وشركات القطاع الخاص، خاصة تلك التي لا يمكنها الإدعاء بأنها لا تحقق أرباحاً كافية للوفاء بمسؤولياتها تجاه مجتمعها ومواطنيها، الأمر الذي دفع بالهيئة إلى تجديد دعوتها إلى ضرورة تفعيل المبادرة من خلال تعميم إداري قبل أيام يقضي بضرورة إيجاد قنوات للتواصل مع المجتمع المدني بحيث تقوم الشركات بتضمين فقرة في تقريرها السنوي تتضمن آلية العمل التي تنتهجها في القضايا ذات الصلة بالمسؤولية الاجتماعية، وهو التعميم الذي يعد محاولة محمودة من جانبها لإعادة الروح إلى تلك المبادرة .
ورغم أن العديد من الشركات الوطنية الكبرى سبق لها إظهار الرغبة للمشاركة في الجوانب المتعلقة بمسؤولياتها تجاه المجتمع، إلا أن النوايا الحسنة ليست كافية وحدها للتعامل مع قضية باتت حيوية باعتبارها تمثل احياء لروح التكافل الذي كان سائداً في المجتمع العماني، حيث لم يعد مناسباً أن يتفضل البعض بالأعمال الخيرية والتطوعية على غرار التبرع بإنشاء مظلات لتلاميذ المدارس أو تقديم بعض الأجهزة التعويضية للمعاقين أو توزيع حقائب رمضانية تحوي بعض الأغذية على المحتاجين أو كسوة العيد، فقد تجاوز الواقع المجتمعي حدود الحاجة إلى صدقات جارية يقدمها طامعون في حصد الحسنات اللاتي يذهبن السيئات إلى آفاق أوسع وأكثر شمولا تتعلق بقضايا إنسانية وأخلاقية وبيئية وحقوق للعاملين، فضلاً عن الحاجة التي تتزايد يوماً بعد الآخر لمزيد من الاهتمام بالرعاية الصحية والتعليمية وتدريب المواطنين وتأهيلهم .
وإذا كان حديث السلطان قابوس في خطابه السنوي خلال افتتاحه مجلس عمان قبل أسبوعين شكل حافزا قويا لتحريك المبادرة النبيلة، إلا أن أغلب الظن أن الهدف هو أبعد وأعمق من مجرد الدعوة إلى توزيع صدقات، فالتزام القطاع الخاص بمسؤولياته تجاه مجتمعه ومواطنيه أصبح ضرورة لإزالة الانطباع السائد لدى بعض المواطنين بأنه يعتمد فقط على ما تقدمه الدولة وعدم اسهامه بدور فاعل في خدمة المجتمع ودعم مؤسساته وبرامجه الاجتماعية وأنه لا يهدف إلا إلى الربح فقط ولا يحاول أن يرقى إلى مستوى من العمل الجاد يخدم مجتمعه وبيئته ووطنه، بكل ما يعنيه ذلك من آثار سلبية لن تقف تداعياتها عند حدود الإضرار بهذا القطاع فقط، وإنما تمتد إلى خطط التنمية خاصة ما يتعلق منها بتنويع مصادر الدخل، وإن إزالة هذا الانطباع من الأذهان تتطلب اتخاذ خطوات عملية مدروسة وناجعة بزيادة إسهاماته في التنمية الاجتماعية مشاركاً للحكومة بهمة وعزم لتنفيذ سياساتها في هذا المجال والعمل مع مؤسسات المجتمع المدني التي تنشط في ميدان الخدمات الاجتماعية والإنسانية تعزيزاً لثقة المواطنين وتقديرهم لدوره وتحفيزاً للشباب العماني على العمل فيه والثبات في وظائفه وغرساً لبذور الانتماء لمؤسساته في نفوسهم بما ينعكس إيجاباً على أدائهم الوظيفي والتزامهم بواجباتهم وإخلاصهم لعملهم وارتفاع مستوى إنتاجيتهم وبذلهم وعطائهم، ما يؤدي في النهاية إلى جعله رديفاً حقيقياً لعمليات التشغيل ولخطط التنمية التي تعدها الجهات الحكومية .
المساعي الحميدة للهيئة العامة لسوق المال وتعميمها الإداري وفريقها المشكل للتواصل مع الشركات المساهمة العامة بحاجة إلى مساندة من جانب غرفة تجارة وصناعة عمان باعتبارها ممثلة لكل أطياف القطاع الخاص وجموع أصحاب وصاحبات الأعمال، وأن تستند في تحركاتها وحواراتها مع منتسبيها إلى حقيقة مهمة مفادها أن الالتزام بتفعيل المسؤولية الاجتماعية بمعناها الصحيح من شأنه أن يقود إلى تنمية مستدامة ينعم بخيراتها الجميع، وأن تتحول المبادرة النبيلة إلى قناعة ذاتية لدى أصحاب الشركات والمؤسسات الفردية والعائلية، فضلاً عن المساهمة العامة، يلتزمون بتفعيلها باعتبارها تحصيناً لكياناتهم وتأميناً لأعمالهم وتعزيزاً لانتمائهم .