العصر الحالي يشهد مغريات كثيرة تبعد الطالب عن استغلال وسائل التعلم الحديثة في التحصيل العلمي المطلوب، بينما الحصيلة العلمية عند طالب الأمس أفضل، رغم قلة وسائل الحصول على المعلومة، بهذه الكلمات وصف أحمد إبراهيم الخرجي، المستشار التربوي بمنطقة أم القيوين التعليمية، الفرق بين التحصيل العلمي بين طالب اليوم والأمس .
وأكد في حوار مع الخليج أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، كان صاحب نظرة طموحة لاتحاد الإمارات قبل قيام الدولة بسنوات، لافتاً إلى أن بعض معلمي اليوم نسوا رسالتهم الحقيقية فأساؤوا لأنفسهم أمام طلابهم والمجتمع، وفي ما يلي نص الحوار:
في البداية نود تعرف طبيعة التعليم أيام الطفولة؟
- لا شك في أن طبيعة الحياة الاقتصادية التي كانت مسيطرة على المنطقة هي التي حددت توجهات التعليم فيها، فبعد الحرب العالمية الثانية، ظهر اللؤلؤ الاصطناعي في اليابان، ما أثر في رواج اللؤلؤ المستخرج من الخليج، ومن ثم بدت المعيشة صعبة للغاية، واعتمد الناس في أرزاقهم وأقواتهم على الصيد والزراعة في الواحات، فنتج عن ذلك عزوف عن التعليم، حيث فضل الآباء أن يبقوا أبناءهم إلى جوارهم ليعاونوهم على كسب أقواتهم، فبات التعليم قليلاً جداً إلا من بعض من هم على دراية بالكتابة والقراءة، ويحفظون القرآن الكريم، وكان يعتمد على الكتاتيب التي يعلم فيها الشيخ المطوع مبادئ القراءة والكتابة والحساب، وحفظ أجزاء أو سور من القرآن الكريم، وكانت بعض الأسر تدفع بأبنائها إلى الكتاتيب لتعلم مبادئ الحساب حتى يستطيعوا تسجيل الإيراد اليومي من الأسماك، بعدها بدأت الكتاتيب تنتشر، وخصوصاً بالنسبة للبنات، ثم ظهرت بعد ذلك مدارس شبه نظامية للأولاد، ركزت على تحفيظ القرآن الكريم والكتابة والقراءة وبعض مبادئ اللغة العربية والحساب، وكنت من بين هؤلاء الأطفال الذين شهدوا أول مدرسة شبه نظامية .
كيف كانت الصورة الأولى للتعليم النظامي بإمارة أم القيوين؟
- في العام 1959 بنت دولة الكويت أول مدرسة نظامية في إمارة أم القيوين، باسم مدرسة الأمير، وفي هذه المدرسة تم تقسيمنا إلى 3 مراحل ابتدائي ومتوسط وثانوي، وكل مرحلة 4 صفوف 4 سنوات دراسية .
وقام المسؤولون بتوزيعنا على هذه المراحل الدراسية الثلاثة حسب درجة إجادة كل منا للقراءة والكتابة، وليس حسب السن، فكنت ممن التحق بالمرحلة المتوسطة .
وفي نهاية المرحلة المتوسطة عقدوا لنا امتحاناً على مستوى إمارات أم القيوين والشارقة ودبي وعجمان ورأس الخيمة ودولة الكويت، وتم تصحيح الامتحان في الكويت، فكانت هذه المرحلة بمثابة شهادة، وباجتيازنا الامتحان اختارت الكويت مجموعة منا، وكانت أعمارنا لا تتجاوز وقتها ال13 سنة، للدراسة بها إعداد معلم، رغبة منها في توطين التعليم في كل إمارة، فذهبت إلى هناك مع ثلاثة آخرين من الإمارة، هم عبد الرحمن سعيد غانم، وراشد إبراهيم سلطان، وعتيق عبد الرحمن عبد الله .
ومرحلة إعداد المعلم التي كانت تعادل المرحلة الثانوية، تشتمل على 4 تخصصات، أولها شعبة عامة، يدرس فيها الطالب كل مواد المرحلة الابتدائية، وقد التحقت بها، والثانية تربية رياضية، والثالثة تربية فنية، والرابعة تربية موسيقية .
وبعد إتمام الدراسة عدنا إلى أم القيوين، وقد تم تعييني مع عتيق عبد الرحمن في مدرسة بالرمس في إمارة رأس الخيمة، وقد اعترضنا لبعد المسافة وندرة المواصلات، لكن مسؤول مكتب الكويت التعليمي أقنعنا بأننا جنود للوطن نخدمه في أي مكان، إلا أننا لم نتسلم العمل، لأنه في نفس الوقت فتحت السعودية باب التقدم للتسجيل في بعثات خارجية بمصر والعراق لاستكمال الدراسة، فأسرعنا بالتسجيل، وتم قبولنا، وقبل أن نسافر فتحت أبو ظبي الحبيبة مكتباً للبعثات إلى الخارج، فتركنا بعثة السعودية للالتحاق ببعثة أبوظبي، وبالفعل تم قبولنا، وابتعثت أبوظبي مجموعة منا إلى مصر، وأخرى إلى العراق، وكنت من بينهم، وثالثة إلى بريطانيا .
وتوزع أفراد البعثة على التخصصات المختلفة، وتخصصت في دراسة التاريخ، ثم عدنا إلى أرض الوطن بعد إنهاء الدراسة، في العام ،1974 وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان نجح وإخوانه حكام الإمارات في بناء الاتحاد، والانتقال بالإمارات من الإمارات المتصالحة إلى الإمارات العربية المتحدة
أنتم أول من ابتعث للتعلم بالخارج، وقد عدتم بعد ميلاد اتحاد الإمارات، فما المواقع التي شغلتموها بالدولة؟
- عندما عدنا من البعثات سنة 1974 بعد قيام الاتحاد، كانت الدولة في بداية النشأة، لذلك كانت متلهفة لأن يكون بإدارتها أبناؤها المتعلمون، ومن ثم تم تعييني سكرتيراً ثالثاً بوزارة الخارجية، وكان وزيرها في ذلك الوقت أحمد خليفة السويدي، ثم انتقلت بعد ذلك إلى وزارة الشباب والرياضة .
كيف انتقلت من وزارة الشباب إلى الميدان التربوي؟
- بعد فترة تم دمج وزارتي الشباب والرياضة والتربية والتعليم، فصارتا وزارة واحدة التربية والتعليم والشباب، وعملت بالوزارة الجديدة مسؤولاً عن البعثات الطلابية، حيث لم تظهر الجامعات ولا وزارة التعليم العالي بعد، لذلك كنا نبتعث أعداداً كبيرة من الطلبة المواطنين لاستكمال دراستهم الجامعية بالخارج .
بعدها عينت من قبل حاكم إمارة أم القيوين، عضواً في المجلس الوطني الاتحادي، مدة سنتين دورة برلمانية، ثم تقاعدت حتى تم تعييني مرة أخرى مديراً لمنطقة أم القيوين التعليمية، عندما تولى الدكتور علي عبدالعزيز الشرهان حقيبة التربية والتعليم، ثم عينت بعدها مستشاراً تربوياً بالمنطقة إلى الآن .
ما الفرق بين التعليم خلال فترة إدارتك لمنطقة أم القيوين التعليمية والآن؟
الطالب قبل ذلك يتعلم ما يتم تدريسه داخل الفصل، لذلك كان أكثر التزاماً لكي يستفيد مما يشرحه المعلم خلال الحصة، لكن الطالب الآن يعيش في مكتبة مفتوحة، سواء مكتبة مؤسسة أو إنترنت، يستطيع تعرف معلومات كثيرة غير التي تعطى له في الفصل، إلا أن طالب اليوم أقل استفادة من الوقت والوسائل المتاحة للمعرفة، لوجود وسائل جذب ومغريات كثيرة في محيطه، تدفعه إلى إهدار الوقت .
هل معنى ذلك أن المنتج التعليمي الآن أضعف؟
- الأمر ليس كذلك، لأنه حسب الوقت المتوافر، فإن الطالب في السابق أكثر استغلالاً له من طالب اليوم، أما حسب كم المعلومات المتوافر فطالب اليوم أوفر حظاً من سابقه، ولذلك نستطيع القول: إن طالب الأمس أفضل من ناحية المادة التحصيلية، أما الطالب الآن فهو الأفضل من ناحية المعلومات المتوافرة خارج المناهج المقررة .
كيف ترى المعلم في ظل التطور الهائل في كل مجالات الحياة ومنها التعليم؟
- كثير من المعلمين صورهم غير مرضية، حيث أهملوا تطوير أنفسهم، حتى بدوا أضعف من طلابهم، ومن ثم لابد من الاهتمام بالمعلم على شقين، أولهما الاهتمام الذاتي، بحيث يعمل على تطوير نفسه بدافع شخصي، وثانيهما أن تضع الوزارة برامج لتطوير المعلم حتى يواكب التطور في العملية التعليمية .
هل غاب مبدأ الرسالة عند المعلم في سبيل الوظيفة؟
- البعض منهم ينسى أنه صاحب رسالة، فتبدلت صورهم أمام طلابهم والميدان التربوي، والمجتمع بأسره، لذلك من الضروري أن يؤمن المعلم برسالته، وأن يعرف فحواها وأسرارها، ويطور نفسه بتطورها .