تلألؤ النجوم وتوهج أشعة الشمس وانبعاث ضوء القمر الحالم وتناثر الكواكب في الفضاء الكوني كلها تصورات وضعت هواة الرصد الفلكي أمام هواية من نوع خاص تختلف عن أي هواية أخرى في حساباتها وأدواتها، والتأثيرات النفسية في من يدخل هذا العالم الغامض الذي لا ينتهي البحث فيه والاستكشاف .
في هذا التحقيق تحدث هواة الرصد الفكي عن دورهم في رصد الظواهر الفلكية وطرقهم في مواكبة الأحداث والمشاهدات المهمة، والأدوات التي تستخدم، إلى جانب أهم الانعكاسات والتأثيرات النفسية والحياتية .
تطور اهتمام المهندس محمد شوكت عودة، مقرر الأنشطة في جمعية الإمارات للفلك، ومدير المركز الفلكي الدولي بأبوظبي، بعالم الفلك حتى وصل شغفه إلى مستوى البحث والدراسة، ولا يرى عنصراً جاذباً لهذا العالم بعيداً عن الاستكشاف الذي لازمه منذ الصغر، ويقول: كان عمري 13 عاماً عندما حضرت بالمصادفة أول محاضرة فلكية في جمعية الفلك الأردنية، رأيت فيها للمرة الأولى صور الأجرام السماوية وعناقيد النجوم المتجمعة والغازات الكونية الكثيفة في الفضاء، والتي تسمى السديم وبقي حب الاستكشاف يلاحقني إلى أن بدأت أشارك في فعاليات ونشاطات ورحلات فلكية تتطلب الذهاب إلى الصحراء، ومشاهدة النجوم والكواكب عبر التلسكوب الفلكي، وأثارت هذه المشاهدات في نفسي مشاعر روحانية قادتني إلى التأمل في هذا الكون العجيب، ومع مرور الوقت ازداد اهتمامي بعالم الفلك الذي علمني الدقة والانضباط وأهمية الوقت وانعكس هذا على حياتي وتعاملاتي مع الآخرين .
رصد الأهلة
تحولت هواية محمد عودة إلى تخصص عميق في دنيا الفلك كان أولها كيفية ضبط علاقة الفلك بأوقات الصلاة عن طريق الحسابات الفلكية، الأمر الذي جعله يبتكر برنامجاً خاصاً يحسب مواعيد الصلوات، ولأن هذا العالم يجمع الغموض والإثارة لم تنته تساؤلات عودة عن تغيرات شكل القمر،إلى أن أعد فكرة إنشاء المشروع الإسلامي لرصد الأهلة .
تلسكوب شمسي
ويتحدث عودة عن دور جمعية الإمارات للفلك في رصد الشمس من خلال استخدام تلسكوب شمسي متخصص لهذا النوع من الرصد
فقط، حيث يقوم هذا التلسكوب برصدها بالأشعة غير المرئية وهي Hydrogen-Alpha، وباستخدام هذه التقنية يمكن رؤية كثير من الظواهر الفلكية التي لا يمكن رؤيتها بالأشعة المرئية، ويأتي هذا الاهتمام من قبل الجمعية مع اقتراب ذروة النشاط الشمسي المتوقع أن يكون في عام ،2013 حيث تتميز الشمس بوجود دورة لنشاطها الشمسي تحدث كل 11 سنة تقريباً .
فضول كبير
متابعة الأفلام الوثائقية التي تحكي عن الفضاء والكواكب والنجوم هي التي قادت غسان محمد الرفاتي، مهندس كمبيوتر في شركة مورفو سافران بأبوظبي، ومسؤول عن فريق عمل بصمة العين بدبي والإمارات الشمالية، إلى السفر خارج حدود الزمن من خلال هواية الرصد الفلكي التي بدأت معه منذ الصغر وعن تجربته في هذا الخصوص يقول: حادثة كسوف الشمس التي وقعت عام 1995 أثارت في نفسي فضولاً كبيراً تجاه هذا العالم، وفي كل مرة أرصد فيها الكواكب والنجوم والحفر الموجودة على سطح القمر تنتابني الدهشة الكبيرة وأتخيل منظر النيازك التي ضربت سطح القمر وخلفت هذه الفوهات الغائرة فالمشهد الذي أراه يترجم نفسه بنفسه، وتقتصر نشاطاتي الآن في خضم مشاغل الدنيا على رصد هلالي رمضان وشوال إضافة لهلال ذي الحجة، لما فيهما من أهمية كبيرة عند المسلمين وتتعلق بشعائر وعبادات عظيمة، كما أتابع أهم الأحداث كالكسوف والخسوف والعبور والزخات الشهابية والأحداث الفريدة، وهذه الهواية تكسبني صفات كثيرة مثل الصبر وتوقع المفاجآت والتأمل، كما تصقل مواهب كثيرة مثل كتابة الخواطر والأشعار ومخاطبة الآخرين .
اهتمام محلي
تشكل الإمارات مثالاً يحتذى في تبني خطط تنموية ومستقبلية في تطوير علم الفلك، كما يشير غسان الرفاتي إلى مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة إيسات التي أنشئت في الإمارات وعن إنجازاتها يقول: تم إطلاق القمر دبي سات 1 بنجاح عام 2009 ويتوقع إطلاق دبي سات 2 في النصف الأول من عام 2013 ، كما أن حكومة أبوظبي بالتعاون مع شركة الياه سات أطلقت أول قمر صناعي للإمارة في إبريل/نيسان 2011 ، كما أسعد قلوبنا تبني صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مؤتمر الشارقة الدولي الأول لتاريخ العلوم عند العرب والمسلمين عام ،2008 لكن ما يحزنني أن علم الفلك في مجتمعاتنا العربية بشكل عام لا يزال يعاني التهميش وينظر إلى هواة الفلك بأنهم واهمون، في الوقت الذي تصرف ميزانيات ضخمة في الغرب من أجل البحث العلمي وغزو الفضاء وهذا يعد من أهم الأسباب التي جعلت الغرب يتفوق علينا ومن ثم حدوث ثورة كبيرة في عالمي الاتصالات والتكنولوجيا .
الكون الجميل
ويتابع الرفاتي حديثه عن أسلوب هواة الفلك في الرصد الفلكي باستخدام أدوات عدة ويقول: المنظار في الفترة الأولى يصلح لمشاهدة وتتبع الأجرام المعروفة، والمشهورة، ثم يستخدم التلسكوب العاكس والذي ننصح أن يرصد الفلكي منظر القمر وفوهاته وبحوره العشرين وأشهرها بحر العواصف وبحر الأمطار وبحر الهدوء وبحر الصفاء، كما أن فوهاته الظاهرة نتيجة ضرب النيازك لسطحه معروفة بأسماء العلماء الذين قدموا للعالم علومهم سواء كانوا عرباً أو أجانب منها مثلاً فوهة ريكيولي، وكبلر، وأرخميدس، والصوفي، وثابت بن قرة، وابن الهيثم، ويذكر أن هناك 17 فوهة قمرية سميت بأسماء العرب والمسلمين، وبعون الله سيصدر أول كتاب فلكي من إعدادي قريباً يحمل عنوان الكون الجميل وهو أول إصدارات مجموعة دبي للفلك .
اجتهاد علمي
منظر النجوم وتناثرها في عرض السماء كان مشهداً يداعب مخيلة الناشط والباحث الفلكي نزار سلام، رئيس مرصد الامارات الفلكي المتحرك، وعضو الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك منذ الصغر ويتحدث عن ظروف الرصد وأوقاته وتدرج اهتماماته الفلكية إلى درجة صنعه تلسكوباً راديوياً ويقول: من لعبة المنظار البلاستيكي التي كنت أجمع مصروفي المتواضع لأشتريها إلى أن صنعت تلسكوباً راديوياً من بقايا جهاز اتصال لاسلكي، وكان حبي لعالم الفضاء يفوق الوصف وذات مرة كنت مع عمي واستخدمت منظاره الذي يستخدمه في أعماله الزراعية وتحديد استواء الأرض، ومن خلاله رأيت تفاصيل مؤثرة جبال ووديان على سطح القمر، وكان حلمي أن أصبح رائد فضاء، وأخرج إلى عوالمه المثيرة ولهذا اجتهدت في علوم عدة مرتبطة بالفلك منها علم الجيولوجيا الذي تعرف من خلاله إلى تكوين الأرض وخصائص المعادن ومكونات الغلاف الجوي .
ابتكارات فلكية
ولم يتوقف شغف نزار سلام بالفلك والرصد فقد صمم أول موقع متخصص بهواة الرصد الفلكي يشمل معلومات قيمة عن الأجهزة الفلكية وخرائط السماء وكيفية التصوير الفلكي ومصطلحات تقنية وغيرها، وأنشأ مرصداً فلكياً متحركاً هو مركبة من نوع جيب تتنقل بالتلسكوب من منطقة إلى أخرى، وتوسعت الفكرة إلى مركبة من نوع فان كبيرة الحجم تتسع لغرفة عمليات متحركة وتلفاز وفيديو، ولأن حاجات الرصد الفلكي وأدواته كثيرة استقر أخيراً بعد حصوله على تصاريح من الشرطة على استخدام مقطورة متحركة لأغراض الرصد الفلكي فيها غرفة ومطبخ ومكان لبدء عمليات الرصد، وفيديو وأجهزة تلفزة خارجية مدمجة مع التلسكوب، وكاميرات تصوير، وقبة فلكية بقطر متر ونصف المتر تحمي التلسكوب الفلكي والمثبتة في المقطورة بقطر 14 بوصة .
طاقة خضراء
ومع أن الناشط الفلكي نزار سلام اجتهد وواصل الرصد في أشكال عدة فإنه واجه مشكلة في تجميع كل هذه الابتكارات فمن الصعوبة تتبع مركبة كبيرة عند السير من شارع إلى آخر خاصة في المناطق الضيقة، وفكر في تأسيس أول مشروع من نوعه وهو مرصد الإمارات الفلكي المتحرك الأخضر صديق للبيئة .
وعن تفاصيله يقول: هذا المرصد هو شاحنة بداخلها صندوق كبير فيه غرفة تحكم متكاملة لكافة أجهزة المرصد إضافة لتلفزيون مدمج على شكل شاشة مسطحة وتلفزيون بشاشة عرض 42 بوصة مرتبط مع التلسكوب، ولوحة تحكم خارجية ذات جودة عالية، ومواصفات خاصة للتحكم عن بعد بكل صغيرة وكبيرة في الشاحنة الفلكية من تصوير وتوجيه للتلسكوب، وعرض نتائج الصور الفلكية للجمهور بشكل مباشر، وموصلة بجهاز الكمبيوتر، إضافة إلى سماعات لاسلكية تعمل على تضخيم الصوت، واستخدمها عند إلقاء محاضرة فلكية .
صفحة السماء
الرصد الفلكي ونشر الثقافة الفلكية هو الدور الذي ينشط فيه حسن أحمد الحريري، رئيس مجموعة دبي للفلك، والذي قاده للتخصص في الكمبيوتر والالكترونيات والاتصالات، ولا مجال للتوقف أمام السيل المعرفي لعالم الفلك كما يوضح الحريري بقوله: أمارس هواية الرصد الفلكي منذ 20 عاماً وبما أن صفحة السماء تتغير من فترة إلى فترة على مدار السنة، كان لابد من تحديد الأحداث الفلكية وفق برامج وحسابات معينة توضح اقتراب الكواكب أو احتجابها وحادثة الكسوف والخسوف وغيرها، وبالتعاون مع المراكز الفلكية الأخرى في العالم تتسع دائرة المعرفة والتبادل الفكري في هذا المجال .
تأمل كوني
وعن الدوافع التي تحث هواة الرصد الفلكي على متابعة الأحداث الفلكية يضيف الحريري: هواة الفلك هم أشخاص لديهم رغبة وفضول علمي في قضية الرصد الفلكي سواء كان مستوى الرصد بالعين المجردة أو عبر الأدوات الفلكية الخاصة، وأهم ما يركز عليه الهواة هو دراسة الطيف والنجوم والأجرام السماوية، وهذه الهواية تولد في النفس أحاسيس استثنائية هي دعوة للتفكر والتأمل في بديع خلق الله والتمعن في هندسة الكون وتناثر النجوم والكواكب في الفضاء الرحب، ولأن الإنسان بطبعه محب للعلم واستكشاف أسرار الكون تبقى الإثارة تدور حول هذا العالم الذي برع العرب قديماً في استخدام السماء في ترحالهم ومعرفة المواقع وتحديد الزمن .
وصفات النجوم
إبراهيم الجروان هو المشرف العام للقبة السماوية في الشارقة، التي تعد مرصداً علمياً يتابع سير الأحداث الفلكية التي يرى بعضها بالعين المجردة كظاهرة الخسوف والكسوف وبعضها يحتاج إلى تلسكوب يوضح التفاصيل، وهناك خمسة كواكب نراها لامعة وهي الزهرة وعطارد والمريخ والمشتري وزحل، وألمعها كوكب المشتري خاصة عند الساعة العاشرة ليلاً في الفترة الحالية أما كوكب الزهرة فأفضل وقت لمشاهدته في الفجر، ويعد من الأجرام السماوية اللامعة بعد الشمس والقمر، ويجب على كل مهتم وهاوي فلك أن يكون لديه اطلاع ومعرفة عامة عن الأجرام السماوية، فالنجوم مثلاً هي شموس بعيدة معظمها دائري الشكل وهي أيضاً كرات نارية ملتهبة تختلف ألوانها وأحجامها بحسب كمية المادة الصلبة داخلها التي تشع حرارة، وكلما كان لونها مائل للأزرق تكون شديدة الحرارة وحديثة التشكل، أما إذا كان لونها أحمر فهي كبيرة الحجم وقديمة وتكون أقل برودة من النجوم الزرقاء، وهذا التباين في ألوان الكواكب والنجوم هو بسبب اختلاف الغازات والمكونات والعناصر الكيمائية فيها.