الإنسان المحطم
ألم . . . قهر . . . حزن . . . وجروح وغيرها، والناتج رماد إنسان .
حينما يلملم الإنسان ألم الحياة ويخزنها في بيت جوفه تتثاقل عليه أمور الحياة وتقلبات الدهر، وتتثاقل خطواته إلى الأمام بل يسهل تراجعه إلى الخلف . حينما يصبح فتات إنسان محطم لطمته الحياة، أصبح ضعيفاً لا سند له ولا ظل له، يتمركز في الخلف ويصاحبه ضعف الصمت وتنتابه موجة عملاقة من بحر الغموض فتسحبه إلى الخلف إلى أعماق ذاك البحر الغامض، يعيش هذا الإنسان في حالة غموض مستمرة واكتئاب قهري حتى تنعدم فيه معاني الحياة السامية، فيستنير دروبه بنور شمعة صغيرة ويغمض عينيه عن نور الشمس الساطعة، يتعثر من أخف صدمة له ويطول وقوفه أمام تلك الصدمة، فيعيش كحياة الوردة الذابلة التي تتساقط أوراقها رويداً رويداً ولا يبقى لها في الحياة سوى عبيرها معطر تلك البساتين . وعلى الجهة المقابلة يقف ذاك الإنسان المحطم، فعندما يحين رحيله لا يبقى خلفه إلا الرماد الذي تجره رياح الحياة خلفها .
عليا محمد
المدرسة الأكاديمية الدولية دبي
الجفاء الاسري
يحدث الجفاء الاسري في مجتمعات غلبت عليها المادة، لكن مجتمعات تغلب عليها الروحانية مثل مجتمعاتنا ترفض هذا . هنا أقول إننا إذا لم نلتفت إلى هذه الحقيقة المرة، ونواجه واقعنا بشجاعة وحنكة فسوف نخسر الكثير والكثير، ولن يبقى بعد ذلك شيء في حياتنا نخاف عليه بعد ضياع الحب الحقيقي بين أفراد الأسرة خاصة وأفراد المجتمع عامه، وهذا الكلام يهم جميع شرائح المجتمع ذكوراً وإناثاً . . صغاراً وكباراً . آباء وأمهات . . أبناء وبنات . . أزواجاً وزوجات . و إذا كان المقصود بالتواصل الأسري هو لغة التفاهم والتحاور بين أفراد الأسرة التي توثق بينهم أفكار كل منهم ومشاعره ورغباته واهتماماته وهمومه وتعزز روابطهم فإن مثل هذا الجو البارد اللاصحي في هذه الأسرة يفقدها مقوماً مهماً من مقومات وجودها . وتشمل هذه اللغة الكلام والحركات والتعبيرات والإرشادات والإيماءات وغيرها من الرموز اللفظية وغير اللفظية التي يقوم عليها التفاعل والتوافق بين أفراد الأسرة، وتجعلهم سعداء أو أشقياء بحياتهم الأسرية، فالتواصل الأسري الجيد مفتاح سحري لسعادة الأسرة يجعل التفاعل بين الأفراد إيجابياً، يجلب لهم الفرح والسرور، ويؤدي إلى تماسك الأسرة وترابطها ويجعلها كالجسد الواحد . أما التواصل الأسري الرديء فهو مفتاح الشقاء في الأسرة، لأنه يجعل التفاعل الأسري سلبياً ويجلب للأفراد الغضب والضيق والتوتر، ويجعل الأسرة مفككة وعرضة للعنف الأسري .
وهناك الكثير من الوسائل التي تجعل الإنسان يملك قلوب الآخرين، ويؤثر فيهم، وأولى هذه الخطوات الوقوف إلى جانب أفراد الأسرة وتحسس مشاعرهم، والنظر في التحديات التي تواجههم، وتقديم المشورة والنصح لهم والمحاولة الجادة لحل مشكلاتهم، كما أن تقديم اقتراح أو فكرة أو بذل الوقت مع الشخص المعني من أفراد الأسرة يعزز الروابط بين أفراد الأسرة، أما عكس ذلك فيقطع جميع الوشائج بين الأفراد، ويجعلهم في أحيان كثيرة متناحرين، وكذلك من الأمور التي تدفع إلى الهجر والخصام في الأسرة تسفيه العقول والأفكار والتركيز على الأخطاء، والمحاولة الدائمة للتقليل من قدرات هذا الفرد من أفراد الأسرة أو ذاك . ومن أبرز الوسائل التي تفتح قلوب من تتعامل معه خاصة يومياً عدم ممارسة الغضب معهم، وأن تتحلى دائما في علاقاتك معهم بكتم الغيظ عند تعرضك للأذى، وممارسة سياسة العفو والتسامح، فعلى الإنسان الذي يود أن يكسب القلوب وأن يكون سعيداً في أسرته، أن يمارس سياسة البشارة سواء بأقواله أم أفعاله، وأن يكون ميسراً لا معسراً .
رضوان خليل
مفاهيم مقلوبة
علمونا في صفوف المدارس الابتدائية عن حزمة العصي التي لا تتكسر وإن تفرقت تكسرت آحادا، كما تعلمنا الثيران الثلاثة عندما صر الثور الأسود: أكلت يوم أكل الثور الأبيض، وجميعها دروس تحض على الوحدة وعدم التفريط بالشقيق وشريك المواطنة وابن اللغة والجغرافيا والتاريخ المشترك .
ومع العلم بأن جميع الناطقين بلغة الضاد وأبناءها المبجلين يفهمون لغة بعضهم بعضاِ لأنها الحروف نفسها ولكن التطبيق العملي في الحياة معكوس بالكامل وأبوسليم المدرس والمدير والفراش في ضيعة صغيرة معزولة عدد سكانها عشرات العائلات، شعر بالملل من هذا الأمر وأحب التغيير وكان يدرس الصفوف الابتدائية إلى الصف الثالث الابتدائي، ويعلم طلابه الحروف فقرر بينه وبين نفسه أن يغير الأسلوب في التعليم لكي يكون مناسباً للواقع العملي فأصبح يعلم كل صف أحرف لغة الضاد بشكل مختلف عن الآخر ووصل الأمر إلى مدير التربية في المنطقة عن طريق المختار وعندما ذهب أبوسليم للمقابلة كانت إجابته لمدير التربية: لقد علمونا الأحرف المعاني نفسها منذ قرون ولكننا لانزال عاجزين عن التفاهم ولهذا يمكن أن يساعد انعدام التفاهم لغوياً على تجذير الانتماء للوطن لأننا وإن تفاهمنا لغوياً لن نتمكن من الاتفاق على أي شيء والشيء الوحيد الذي اتفقنا عليه هو ألا نتفق على أي شيء يخدم المصلحة العامة ولكن أوجدنا نماذج جيدة من الأحمر الأندلسي إلى البسوس والزير سالم وداحس والغبراء وهكذا ناول أبوسليم مدير التربية استقالته طالباً استبداله لأنه وصل إلى درجة الإحباط القصوى من الدجل وما يتعلمه الصغار من مثاليات يصطدمون بعكسها في التطبيق العملي على أرض الواقع الذي قلب حزمة العصي وقصة الثيران الثلاثة رأساً على عقب، وهنا وضع مدير التربية رأسه بين كفيه ونظر أمامه وهو مطأطئ الرأس وتناول ورقة كتب عليها استقالته إلى وزير التربية ليضمها إلى استقالة أبوسليم .
ماجد جاغوب
وردة في بئر سراب
بأحلام وردية تحدت جهالة القدر . وبأفكار اختارتها شعاراً لمستقبلها حولت براثن الأيام الى ليال من حرير دمشقي، ومن ظلم أيام حاكت البسمة، ومن كآبة بيئة صنعت في مخيلتها ألوان قوس قزح لفجر قد تعيشه بثقة يوما . . طفلة كانت عندما كان الآباء يأكلون الحصرم من دون أن يفهموا يوماً أن الأبناء سيضرسون . ببراءة كانت تحمل حقيبتها كل صباح الى المدرسة . . تمضي وذهنها كله في دروسها التي تحرص على مراجعتها وأداء واجباتها . . لا تلوي على شيء، وتستغرب نظرات تلتهم جسدها الصغير وتناظر عينيها الزرقاوين بكل استهزاء .
كبرت الطفلة لتصبح صبية يانعة ونضرة، ولم تفهم بعد من الحياة سوى أن الدروب تقود إلى مستقبل نرسمه بأيدينا، وسرعان ما تبددت الأحلام وسرعان ما أزيل الوشاح الأبيض من أمامها، فسجل قيد عائلي مطلوب لأوراق الانتساب في الجامعة كان الحد الفاصل بين الوعي واللاوعي بالنسبة اليها . . صار العلم خيارها، وأصبح الكتاب صديق دربها . عايشت حالات حزن لكنها تغلبت عليها بوعي . فتحت مقلتيها على دفتر وأغلقتهما على مجلدات من علم .
هي ابنة عائلة لوثتها الأيام . يقضي الوالد عقوبة بالسجن، والأم خرجت حديثا من شبهة قضية . ظلمها فيها المجتمع، وهناك من راهن على انهيارها أما هي فكونت قناعتها بتحد، واختارت الورد درباً لها، فمشت واثقة الخطى صوب النجاح . عانت لتحصل على حصانة الأيام . . شهادة حصلت عليها من جامعة معترف بها تؤهلها الى وظيفة محترمة . نفضت ما ورثته من ظلم وذل وسارت بنقاوة كصبية مصونة، وحلمت من جديد بما تحلم به الصبايا في عمرها . .حلمت بأن تصبح عروسا مكللة وبأن تكون أماً مصونة، وفي أحلامها حياة هانئة بعيداً عما عانته منذ طفولتها في غياب أب وراء القضبان، واضطرابات أم لديها من مشكلاتها ما يكفيها .
أرادت أن تبني عائلة بأساسات متينة، فصارت كلما ازدادت شوقاً لرؤياه ارتبكت . زهدت في كل ما حولها . ومن خوفها أرادت أن تبعده عن سواد ماض لم تختره يوماً . اعتبرت أنه يسكنها فقط ليزيد من ظمئها ومن وجعها . أرادته قمراً تغازله فقط في كتاباتها . رسمته شطآناً تقصد مراسيها كلما زادت بثقلها عليها الأيام . رأته طبيباً روحانياً يداوي نيران صمتها . رأته مهندساً بارعاً يرسم من عمرها خرائط فيها امتداد لأيامها، وخالته شرطياً يحمل على كتفيه نجوماً تشرق على أوراقها . شكّل ارتباكاتها وتناقضاتها . كان لابتهالاتها أمنيات قد تعيد ما ردمه الزمان . لكنها سرعان ما أسلمت أمرها إلى ما كتبه الله عز وجل على جبينها، فتواعدا على عمر لا يفصلهما . عرف تفاصيل حياتها ولم يتراجع بل طرق باب أهلها رجلا يحكي عن عروس للدار . عن زوجة تحمل اسم العائلة وتصبح في الغد القريب أما للأطفال . ابنة من؟ ما اسم عائلتها؟ من أبوها؟ إنه حق الوالدين في السؤال . أراد أن يبدأ بصفحة بيضاء فكان شفافاً في الإجابة . . منذ متى تنبت الوردة في بستان أشواك؟ وأجهشت الأم في البكاء . ومن جديد انكسرت أحلامها، ومن جديد أراد مجتمعنا لوردة أن تغرق في بئر سراب . ترى ذنب من ورثت؟ وأيام من عانق قدرها؟ بحكمة أي ظالم حدد مستقبلها؟ هي التي تفانت لتلبس الأبيض زاهياً . قررت الأفكار البالية أن تغطيها بألوان النار .
هالة شبلي - دبي
أفكار عقيمة
الكثير من عدم الملمين بأمور بالشريعة يتخذون من عاداتهم القديمة وأفكارهم العتيقة منبعاً لأحكامهم على المرأة، فهم متناقضون ولا يعجبهم رأي . على سبيل المثال إذا تأخر زواج الفتاة السبب من الأسباب الخارجة عن إرادتها، قالوا: عانس فاتها قطار الزواج رغم أن سيدتنا خديجة رضي الله عنها تزوجت النبي وهي فوق الأربعين، وإذا طُلقت قالوا: لو أن عندها بعد نظر وجميل خُلق لما فارقها زوجها الذي قد يكون طلقها عبثاً، وإذا رُزقت كثيراً من الأبناء والبنات قالوا: ملأت البيت بالعيال وشغلت الزوج بالأطفال، ومن جهة أخرى إذا لم ترزق ذرية لسبب ليس بيدها،قالوا: هذه امرأة عقيم لا يمسكها إلا لئيم، وإذا لم يكن عندها مال قالوا: كسيرة فقيرة شغلت زوجها بالطلبات، وإذا كان عندها مال وأرادت التجارة قالوا: تاجرة سافرة مسافرة ولا تمكث في الدار،عقت الأنوثة وتنكرت للأمومة رغم أن هند زوج سفيان رضي الله عنه جاءت إلى عمر بن الخطاب تبتغي مالاً من بيت المسلمين لتتاجر به، فأعطاها وعير الرجال الأصحاء الذين يقبعون بلا شغل ولا عمل .
وهناك من المغالين في نظرتهم السلبية إلى المرأة من يكتفي بالتلميح إليها ويتجنب ذكر اسمها إذا تطلب الأمر ذلك، مع ملاحظة أن التاريخ الاسلامي يحفظ أسماء الكثير من أمهات المؤمنين وحافظات العلم والقرآن والسنة والمحاربات، فضلاً عن أن القرآن الكريم كرم السيدة مريم العذراء بذكر اسمها مخلداً إلى يوم الدين .
يقال: كل رجل عظيم وراءه امرأة عظيمة، وكل مقدام خلفه أم حازمة، وكل ناجح معه زوجة مثابرة فآدم لم يسكن في الجنة حتى خلق الله له حواء، ورسولنا صلى الله عليه وسلم هو أبو البنات العفيفات الشريفات وتحفل سيرته النيرة بالكثير من المواقف المضيئة التي ذرف من أجلهن الدموع،ووقف لأجل عيونهن في الجموع، وسجل أعظم قصة من البر والإكرام والاحترام والتقدير للمرأة أماً وأختاً وزوجة وبنتاً .
المرأة هي المرأة منذ حواء حتى تنتهي الحياة على الأرض، هي زينتها وحياتها، ومن ثم فحياة البيت في أن تكون فيه زينته، وحياة المجتمع في أن تكون فيه أنثاه، وكل كلام غير هذا عبث، ترده طبيعة المرأة نفسها .
أسماء مراد البلوشي
الكلية الجامعية للأم والعلوم الأسرية
أساس الإنجاز
إذا وجه أحد نصيحة إلى صاحب مشروع فإنه يقول له: اتخذ الخطوة الأولى وستليها الخطوات الأخرى بشكل طبيعي، فكل منا يبحث عن ذاته وبقدر جده وصدقه مع نفسه ووضوح رؤيته يكون قد عرف هدفه وقدراته على تحقيقه أكثر . وعندما يوقن المرء بنجاح مشروعه تكون لديه الحماسة أكبر ويكون لديه الحافز أكبر نحو التطور . ولو أن الإنسان نظر حوله في حياته العملية لوجد في من سبقوه إلى خوض المشروعات نماذج تدل على صحة هذا التوجه، فكثير من رجال الأعمال الناجحين بدأوا صغاراً لأنهم ساروا على نحو واضح وسليم واجتازوا مرحلة البداية بقوة .
ولا شك في أن التفاؤل والتفكير الإيجابي هما من أهم جذور النجاح، وهنا لا بد من مراعاة قانون التركيز، وإذا فكر العقل البشري على نحو سلبي ظل في الاتجاه السلبي، وبالتالي إذا فكر على نحو إيجابي انعكس ذلك على عمله، وكان إنجازه واثقاً . المهم في الأمر هو التجربة، فمن يخش خوض التجربة يكن صاحب عقلية متراخية ويفتقد من الأساس الأمل في الإنجاز لأنه يفتقد عناصر النجاح .
أروى حسن
البحث عن الشموع
سحابه تحمل بين طياتها الكثير من الغبار الأسود . تمر على حاراتنا فى الليل متخفية فى صورة سحابة تحمل الندى . تنظر إلى الحارة في حسرة وتقول لا بد أن أمطر في بلادكم، بعد أن ساد البوار على أرضها . يفرح سكان حارتنا بالنعم الهابطة من السحابة، ولأنهم لا يعلمون ماذا تخبئ لهم في أحشائها، تمطر المفاجأه لحارتنا والحارات المجاورة .
تهطل الأبابيل . . تشق طريقها إلى الأرض، كأن جاذبية الناس هي ما تشدها وليست جاذبية الأرض . . فجأه تتحول الأبابيل من سلاح للحرق الى شموع جعلت أهل حارتنا يرون الدرب الصحيح الذي يجب أن يسلكوه . رأت السحابة هذا المشهد وتمنّت لو تستطيع أن تنزل أمطاراً حقيقية لكي تطفئ الشموع التي تنير الطريق . تمكنت السحابة من أن تجمع الكثير من السحب لكي تطفئ نور حارتنا، وعندما وقفت فوق الشموع وجاءت لترمي أمطارها، وجدت أهل الحارة مختلفين منقسمين بين من يريد إنارة الطريق ومن يريد إنارة البيوت . قال خادم الحارة القديم إننا لو أخذنا شموعاً لحرقنا بها أنفسنا . لكنني أقول إننا لو أخذنا شموعاً ومعها أناس عاشوا في طريق مضاء من قبل فلن نفهم معنى البحث عن الشموع .
وفي خضم البحث أنت ترى ما لا أراه . لديك حسابات ولدي حسابات . . وإن كنا ننطلق من إنسانيتنا فإننا سنصل إلى المكان نفسه . وكما قال نجيب محفوظ لابد للظلم من آخر, ولليل من نهار, ولنرين فى حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب .
عبدالرحمن الهندي - القاهرة