المد الأحمر من أقدم الظواهر البيئية التي عرفها الإنسان، إذ يعود تاريخها إلى ما يعرف بعصر الجوراسي، قبل مليون سنة حيث مرت الكرة الأرضية خلاله بالعديد من التغيرات الجيولوجية، التي أدت إلى زيادة كبيرة للهوائم والعوالق النباتية . بدأ ظهور المد الأحمر في اليابان قبل 300 سنة قبل الميلاد، وسجلت سواحل ولاية فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية ظهورها في عام ،1878 لتظهر بعد ذلك في الهند عام 1935 . وفي الدول المطلة على الخليج ظهرت أولاً في عُمان عام 1976 مسببة نفوق الأسماك والكائنات البحرية، وفي البحرين والسعودية عام 1987 مسببة نفوق الثدييات، والطيور، ونجم البحر . وعلى سواحل الكويت في ،1999 وإيران ،1996 والإمارات عام ،2000 مسببة نفوق أعداد كبيرة من الأسماك . حول أسباب الظاهرة، ومناطق ظهورها، وتأثيرها على البيئة البحرية، وحركة الصيد، وجهود الدولة في مكافحة ظهورها والحد من تكرارها، يدور هذا التحقيق .

يتسبب المد الأحمر وظهور الهوائم والعوالق النباتية بمنطقة كلباء، بحسب إبراهيم يوسف، رئيس جمعية صيادي كلباء، في نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، لاسيما تلك التي تعيش في الأعماق . إضافة إلى تسببه في رائحة كريهة تُنفر المترددين على بعض مناطق شواطئ الساحل الشرقي .

ويقول: في مثل هذا الوقت من السنة يلحظ الصيادون ظهور مواد لزجة تطفو على السطح، تتسبب في سد خياشيم الأسماك، وتمنعها من التنفس حتى تنفق .

وتظل العوالق اللزجة داخل المياه الهادئة والخيران، إلى أن تأخذها الرياح إلى داخل البحر مرة أخرى، وتتوجه كمية غير يسيرة منها إلى الشاطئ مع أعداد من الأسماك النافقة مسببة رائحة كريهة تدفع الصيادين للابتعاد لمسافات تزيد عن 20 ميلاً حتى يتمكنوا من الصيد .

ويضيف: تتراوح مدة تواجد تلك العوالق والهوائم البحرية بين عشرة إلى عشرين يوماً، تمتد فيه من سواحل كلباء إلى قرابة الحدود العمانية .

وحول تأثير المد الأحمر على حركة الصيد في خورفكان هذا العام، يقول صلاح يوسف الريسي، رئيس مجلس إدارة جمعية الصيادين بخورفكان: تلقينا عدداً من الملاحظات من بعض الصيادين، عن ظهور هوائم نباتية تطفو على السطح تنوعت ألوانها بين الأخضر والأحمر داخل المياه الإقليمية، ومنطقة الميناء . إلا أنها لم تؤثر بالسلب إلى الآن على الحركة اليومية لصيد الأسماك .

ويلفت الريسي إلى تعود الصيادين على تلك الظاهرة التي عرفوها بالزرعة، وأطلق عليها البعض السوكة، أوالحسرة، مشيراً إلى أن الظاهرة مازالت في بدايتها، وسبقها تحذير من وزارة البيئة بتجنب الصيد في البقع التي يظهر فيها اللون الأحمر .

يشير اللواء محمد سعيد المري، رئيس مجلس إدارة جمعية الصيادين بدبي، إلى تسبب المد الأحمر أو ما يعرف بالمحلية بالحيض، في نفوق أعداد كبيرة من الأسماك، بسبب نقص الأكسجين الذي تمتصه هوائم السطح والقاع .

ويلفت المري إلى أن أغلب الأسماك التي تستخرج بواسطة القراقير، تنفق لعدم وجود حيز تهرب إلى ه من المناطق قليله الأكسجين، كما أن أسماك السطح تنفق عندما تصعد هوائم القاع صباحاً إليه .

ويتابع: تعود الصيادون منذ عقود على ما سمى حديثاً بالمد الأحمر، وأقتصر ظهوره على موسم تزاوج الحيوانات البحرية، ووضع الأسماك لبيضها في رمال الشاطئ، لكنه شهد في السنوات الماضية تضاعفاً كبيراً في كمياته، وأصبح يعوق بشكل مؤقت حركة الصيد .

ويضيف: يلجاً الكثير من الصيادين عند ظهور بقع المد الأحمر إلى الصيد في الأماكن البعيدة عن الشاطئ بمسافة من 16 إلى 20 ميلاً، حتى تزول الظاهرة ويعود الهدوء إلى الشواطئ .

ويؤكد حسين الهاجري، رئيس مجلس إدارة جمعية الصيادين بأم القيوين، الجوانب السلبية والإيجابية لظاهرة المد الأحمر التي لم تعرفها شواطئ أم القيوين منذ خمس سنوات، موضحاً أن من إيجابياتها تجديد البنية التحتية لقاع البحر ونباتاته وشعابه المرجانية من خلال القضاء على السموم العالقة في القاع .

ومن السلبيات حسب الهاجري، أن الظاهرة تتسبب في نفوق بعض الأسماك الموجودة على أعماق متوسطة، نتيجة لامتصاص هوائم المد الأحمر لكميات الأكسجين . وأيضاً تتسبب مخلفات المد الأحمر في رائحة نفاذة حال تحللها على الشاطئ . وينوه، إلى قدم الظاهرة وقدرة الصيادين على التعامل والتأقلم معها عند وصولها، بالابتعاد عن الصيد بالقرب من البقع الحمراء، تجنباً للأضرار التي من الممكن أن تلحقها بالأسماك .

يؤكد د . إبراهيم الجمالي، مدير مركز الأبحاث البحرية التابع لوزارة البيئة والمياه، أن المد الأحمر من الظواهر الطبيعية التي تحدث في المياه البحرية نتيجة تزايد أعداد الخلايا المسببة له بالتكاثر والانقسام بأعداد كبيرة جداً في المياه، ثم تتجمع هذه الخلايا على شكل مستعمرات كبيرة جداً، يعيش جزء منها فتره حياتها كاملة بالمياه حتى تموت وتتحلل، أما الجزء الآخر فيستقر في القاع على هيئة حويصلات . ويوضح أنه عند توفر الظروف البيئية الملائمة من درجات الحرارة، والضوء، والأكسجين، والمغذيات الكافية، تعاود الخلايا للنمو مرة أخرى وتنقسم مكونة الآلاف من الخلايا . وتعرف الظاهرة محلياً باسم حيض البحر .

وعن أسباب الظاهرة يقول: لظهور المد الأحمر أسبابه العلمية، ومنها زيادة نسبة المغذيات، مثل الفوسفات، والنيتريت في مياه البحر، حيث تعتبر هذه المغذيات مواد أولية وأساسية لنموها، ومن المعروف أن منطقة بحر العرب من المناطق الغنية بالمغذيات الأولية عالية الإنتاج . وتساعد درجة حرارة المياه المناسبة في ظهور زيادة تلك الظاهرة، كذلك هدوء التيارات البحرية وسكونها، والإضاءة المناسبة، إضافة إلى عوامل بيئية أخرى .

وحول قابلية تكرار الظاهرة يضيف: يتكرر ظهورها عندما تحمل التيارات البحرية القادمة من المحيط بكميات كبيرة من المغذيات، كما هي الحال في السواحل الجنوبية للجزيرة العربية أو ما يسمى ببحر العرب، وذلك بسبب التغيرات الموسمية، وظاهرة الانبعاث القاعي التي تسببها تيارات المحيط الهندي .

ويضيف: إضافة إلى العوامل الطبيعية كتغير الطقس، الاحتباس الحراري وما يصاحبه من زيادة في حركة الرياح، والتيارات البحرية، هناك عوامل أخرى تساعد في تهيئة الظروف الملائمة لازدهار الهوائم المسببة لظاهرة المد الأحمر، أهمها وجود سلالات مستوطنة وجديدة من الهوائم، وتزايد كميات المغذيات نتيجة تلوث مياه البحر بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، إضافة إلى المخلفات البيئية والصناعية، ومخلفات المزارع السمكية، ومياه التوازن التي تحملها السفن والناقلات .

ويشير الجمالي إلى تأثير ظاهرة المد الأحمر في حال ظهورها بشكل كبير على سواحل الدولة، على عدة قطاعات مثل السياحة، ومحطات التحلية، ومجتمع الصيادين .

خطة وطنية

حول جهود وزارة البيئة والمياه للتصدي لظاهرة المد الأحمر والحد من تكرارها، يؤكد د . إبراهيم الجمالي مدير مركز الأبحاث البحرية، أنها وضعت خطة وطنية لإدارة الظاهرة داخل الدولة في إطار اهتمامها بالتخفيف من التأثيرات السلبية على البيئة البحرية وثرواتها، كذلك على صحة الإنسان، والأنشطة الاقتصادية الحيوية المقامة في البيئة البحرية، أو على المناطق الساحلية، وخاصة أنشطة محطات تحلية مياه البحر وأنشطة الصيد وتربية الأحياء المائية .

ويتابع: يتعذر تجنب حدوث ظاهرة المد الأحمر، أنها طبيعية ويصعب تحديد الأماكن التي تحل بها، لذلك فإن الخطة تركز على وضع البرامج للتخفيف من آثارها، وذلك من خلال مراقبة الأنشطة البشرية ذات الصلة بتزايد فرص حدوثها والسيطرة عليها، ومن خلال التوظيف الأمثل للتقنيات الحديثة كالنمذجة الرقمية، والاستشعار عن بعد في عمليات رصد هذه الظاهرة ومراقبة حركتها وترتكز هذه الخطة أيضاً على آليات محددة للاستجابة تتيح سرعة التدخل واتخاذ كافة الإجراءات الاحترازية لتفادي أضرار المد الأحمر، أو التقليل منها إلى الحد الأدنى الممكن خاصة بالنسبة للأنشطة الحيوية كتحلية المياه والصيد والاستزراع السمكي .

وتعتمد الخطة، بحسب الجمالي، إلى حد كبير على المشاركة الواسعة والفاعلة لكل الجهات المعنية في الدولة، والاستفادة الكاملة من الخبرات والإمكانيات المتاحة في الداخل وتطويرها . والتجارب السابقة من خلال المنظمات الإقليمية، والدولية ذات الصلة . وأولت الوزارة اهتماماً خاصاً بتدريب الكوادر البشرية وتأهيلها للتعامل مع هذه الظاهرة، ووضع برامج التوعية والإرشاد لمختلف شرائح المجتمع للتعريف بها وتأثيراتها .