افتتح إبراهيم سعيد بن بطي مدير النادي الثقافي العربي في الشارقة مساء أمس الأول في مقر النادي معرض حنّية الحنين للفنانة التشكيلية الفلسطينية رحاب صيدم، بحضور عدد من الفنانين والمهتمين بالفن .

اللافت في معرض صيدم أنها قدمت (فلسطين) أخرى أو فلسطين الحقيقية، فلسطين التاريخ والأرض الرافلة في ألوان الفرح، التي حاول الاحتلال طمسها على مدى العقود الماضية، وطمرتها الصورة التلفزيونية اليومية .

ولدت صيدم في الكويت وعاشت فيها طفولتها وشبابها ولم تزر فلسطين، ولم تشاهد على الأرض ذلك الجمال الكنعاني القديم إلا أنها استطاعت أن تتمثل ما حفظته من أوصاف وحكايات عن جدتها، وما رأته لدى عجائز أسرتها من أزياء تشع بألوان شفّافة جميلة متناسقة عبر 30 لوحة منفذة في أغلبها بألوان الأكريلك والألوان الزجاجية، واشتغلت من خلالها على ثيمة أساسية هي الفرح، وهو ما توحي به الكلمة العامية في العنوان حنية التي تعني المودة والقرب والفرحة بالآخرين، فالحنين عند صيدم ليس بكاء وسوداوية وانكساراً بسبب المآسي، لكنه نغمة أمل تستدر عالماً من الفرح انفصلت عنه قسراً بيد أنه يعيش في ذاتها أبد الدهر، وتتوسل باللون لإبرازه وإشاعته في الآخرين .

المرأة بأزيائها التقليدية المشعة بالأمل هي الأيقونة الحاضرة المتكررة في أغلب اللوحات، فنجدها على الشرفة واقفة تتلقى الحمام الزاجل الذي يحمل لها خبر الحبيب مزفوفاً في عبق البحر وشذى الزيتون ورائحة الطين، ونجدها ساهرة في الليل تناجي البدر المتلألئ تودعه حكايات أحبتها وتستوثق منه أن يحفظها ولا يضيعها، وفي وضع آخر نجدها تنفخ في الناي فيتجمع الحمام حولها من كل مكان، كأن غناءها يجذب الكون كله، وكما نصادفها تحتضن خريطة الوطن وتضمها إلى صدرها كأنها وليد لا تطيق أن يفارقها، ورمز الاحتضان يتكرر أيضاً مع الوليد في أوضاع عدة، فتارة ترضعه وتارة تقبله، وأخرى تضمه إلى صدرها، أوضاع كثيرة لهذه المرأة، فتاة الأرجوحة والحقل وجرة الماء وإبرة التطريز، وسيدة البيت، أخت الشجرة وصنوها الذي رضع معها من رحم الأرض فانغرسا فيها عميقاً .

الشجرة بدورها حاضرة في مشاهد الطبيعة المتعددة التي تقدم بجمالها مزيجاً من الخضرة والزرقة الصافية والبياض النقي، إنها فلسطين الجميلة كما استخلصها وجدان رحاب صيدم من حكايات الأهل، فنثرتها في تلك اللوحات التعبيرية البديعة حنيناً بلون الفرح .

في الجلسة الحوارية التي تلت افتتاح المعرض، قالت رحاب صيدم: إن فلسطين مقرونة في ذهني بالفرحة والجمال، هكذا عرفتها من أمي وجدتي، والحنين مرتبط في أذهان الناس بالحزن، لكنه في كثير من الأحيان يشكل استعادة للفرح واستحضاراً له، وهذا بالضبط ما تدل عليه كلمة حنّية، وقد أردت أن أقدم لوحات تعبيرية توحي بهذا المعنى من دون أن أدخل في التفاصيل لأن المهم عندي هو الإيحاء بالحالة، واقتناص لحظة البهجة والأمل .