لعل أبرز ما سجلته ظاهرة الفن التشكيلي المعاصر في السنوات الخمسين الماضية هو تحولها من فكرة المفهوم الشمولي للفن، نحو أفق أكثر اتساعاً ورحابة، أفق يخاطب الرؤى الجمالية والفنية فيما يطرح، لا سيما مع التغيرات التي أحدثتها الهزات العنيفة في الوجدان الإنساني والاجتماعي ما بعد الحرب العالمية الثانية .

وإذا كانت الفنون بوصفها تعبيراً عن جوهر علاقة الإنسان مع ما يحيط به من مؤثرات سياسية ومناخات فكرية واجتماعية، فقد سجلت محاولات التشكيل العربي المعاصر خصوصية ينبغي التوقف عندها ونحن نرصد تحولاتها في العمق ونقصد هنا الشكل والمضمون؟

لقد كتب كثير من النقاد عن التشكيل العربي المعاصر بوصفه يطرح أسئلة عدة ومنها قضية الاغتراب في الفن، قس على ذلك سؤال الهوية الذي انعقدت لأجله كثير من المؤتمرات منها ما نظمته دائرة الثقافة الإعلام في الشارقة في الإمارات تحت عنوان رئيس هو الهوية الراهنة للتشكيل العربي المعاصر، وقدمت فيه أبحاثاً عربية موثقة . والعنوان المشار إليه يشي بأزمة أو حيرة من نوع تماهي أو عدم تماهي التشكيل العربي المعاصر مع الآخر الثقافي، وهو ما تمت الإشارة إليه تحت عنوان رئيس هو الاغتراب الفني .

وقد نتجت عن الممارسة العملية لكثير من التجارب الفنية على خصوصياتها الكثيرة، سواء في العراق أو سوريا أو مصر وبلدان المغرب العربي جملة من الملاحظات التي تطرح ضمن سياق ثقافي يجعل في صدارة اهتماماته تجنب الاغتراب في الآخر الثقافي، مما حدا بأحد النقاد العرب وهو الدكتور عز الدين إبراهيم ليشخص المشكلة بقوله من أهم المشكلات التي نصادفها اليوم هي مشكلة تحديد موقفنا من التيارات الفنية العالمية، هل نأخذ بها أم نرفضها كليا، أم نتوسط فنأخذ منها بحرص ونرفض منها بحرص كذلك؟ .

مثل هذا السؤال الإشكالي تزامن مع إجماع النقاد على أن معظم الفنانين التشكيليين العرب، قد غلبت على أعمالهم الفنية النزعات الغربية من تأثيرية إلى رمزية إلى سريالية إلى تكعيبية إلى تجريدية إلى مفاهيمية، حتى كاد الإنسان لا يجد فرقاً بين إبداعاتهم وإبداعات غيرهم من الفنانين الغربيين .

لكن في المقابل قدمت تجارب عربية أخرى ومنها في دولة الإمارات العربية المتحدة بعض الخصوصيات التي يمكن تلمس آثارها لدى أكثر من تشكيلي، كما هي حال عبدالرحيم سالم، ود . نجاة مكي، ود . محمد يوسف، ومحمد القصاب، وحسن شريف، ومحمد كاظم، وخليل عبدالواحد، وليلى راشد، وابتسام عبدالعزيز، ولعل قراءة متأنية في هذه التجارب تكشف عن خصوصية أسلوبية ومضمونية في مستويات تصويرية عدة يمكن قراءتها في في السياقات التراثية والبيئية، كما قدمت معادلاً موضوعياً يستفيد من الحداثة الفنية لكنه يكتسب أصالة فنية وتصويرية ترتبط بمجتمعاتنا .