تلعب الأرصاد الجوية دوراً مهماً في مختلف الأنشطة اليومية لحياة الإنسان، ولما كانت على هذه الدرجة من الأهمية في تحديد مواقع المنشآت الحيوية والاقتصادية، مثل المصانع، والمطارات، والموانئ البحرية، وخطوط نقل الطاقة، والمواصلات، وإقامة المنشآت المائية، كالسدود وغيرها، كان لا بد من الاعتماد على معطياتها في توفير الشروط الملائمة والتخفيف من الآثار السلبية في البيئة .

وتهدف خدمات الأرصاد الجوية إلى تمكين الإنسان من استغلال الكثير من مصادر البيئة الطبيعية، وتجنيب الإنسان الكثير من الكوارث الناتجة عن الأحوال الجوية المتقلبة، كما تسهم في توليد الطاقة الكهربائية من عناصر الطقس كالرياح، والإشعاع الشمسي، لذا فإنها تتطلب فرقاً مدربة تستطيع تحليل المعلومات والتوقعات لحظة بلحظة . حول عمليات الرصد الجوي وأهميتها وفوائدها وطرقها يدور تحقيقنا الآتي:

عن عملية التنبؤ بحالة الجو والبحر يقول ماجد الشكيلي، رئيس قسم التنبؤات البحرية بالمركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل: إن التنبؤ الجوي مر بمراحل عدة عبر الأزمنة، فمنذ قرون ميز الملاحون والفلاحون التغيرات الجوية، وأنواع الغيوم، إضافة إلى ظواهر أخرى كانت تواجههم في المحيطات والبحار، لكن المصطلحات العلمية الفنية كالمقاييس السطحية، أو معلومات طبقات الجو العليا لم تعرف إلا قبل القرن ال،19 كما أن فكرة النمذجة العددية لمحاكاة الطقس بدأت بعد الحرب العالمية الأولى وتحققت في منتصف القرن العشرين .

ويضيف: منذ عام ،1922 وعلماء الأرصاد الجوية لايزالون يعملون على تحسين النمذجة العددية، التي تحاكي توقعات الطقس، كما تطور هذا العلم كثيراً حتى أصبحت معلومات طبقات الجو العليا تتمتع بدقة عالية، أما حديثاً فاستخدمت صور الأقمار الاصطناعية التي توضح موقع وكثافة الغيوم، لتبين موقع مركز المنخفضات والجبهات الجوية التي تساعد العامل في هذا المجال على أداء مهمته في ظل وجود الخرائط الجوية .

ويتابع: بعد تجميع معلومات الأرصاد الجوية الخاصة بالدولة ومناطقها المجاورة، يقوم المختصون بتحليلها بطريقة متعارف عليها دولياً على خرائط الطقس السطحية أو العلوية، بعدها يقومون بتحليل تلك الخرائط ودراستها، وإجراء مناقشات علمية بين المتنبئين المختصين والمنوبين لمعرفة حالة الطقس الحالية، ومقارنتها مع النماذج العددية لاختبار مدى قدرتها ودقتها على التوقع . ويشير الشكيلي إلى المقدمات والدلالات التي تشير إلى نتائج التنبؤ، مثل زيادة الرطوبة النسبية، وانخفاض الرؤية الأفقية عند توقع الضباب، وتكون السحب الركامية قبل سقوط الأمطار، وتسارع الرياح السطحية على البحر قبل اضطراب الموج، إضافة إلى زيادة سرعة الرياح، وانخفاض الرؤية الأفقية على البر قبل إثارة الرمال .

وحول نسب صدق توقعات الأرصاد الجوية يقول علي مسلم، رئيس قسم عمليات الاستمطار بالمركز: ليس هناك على المستوى العالمي دقة في التنبؤ تصل إلى نسبة 100%، لذا من المنطقي القول إن التنبؤات الصادرة عن المركز الوطني للأرصاد لن تحقق ذلك، وإن كانت في معظم الأحيان دقتها عاليه وقريبة من الواقع، خاصة تنبؤات اليوم الواحد حتى ثلاثة أيام .

وعن أسباب انحراف التوقعات يضيف: تقل دقة التنبؤ تدريجياً، كلما زادت الفترة على ثلاثة أيام، حيث إن الغلاف الجوي نظام مفتوح وخاضع لعدد كبير من المتغيرات الطبيعية، فقد يتغير مسار المنخفض الجوي المتوقع قدومه، أو تنحرف الكتل الهوائية المسببة للمتغيرات عن مسارها لسبب أو لآخر، ولكن التطور الكبير في أي مجال علمي رصدي يصاحبه ارتفاع في نسبة تحقق التنبؤ المقدم وانخفاض في نسبة الأخطاء، ومن الطبيعي أن هذا التطور مرهون بتقدم المعدات والأجهزة، ومهارات العاملين في هذا المجال، ومع ذلك يجب أن نتوقع نسبة الخطأ ونسلم بوجودها .

ويوضح المسلم أن فرقاً في المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل، تبقى على أتم استعداد في جميع الظروف الطارئة والمستقرة أيضاً، تحسباً لحدوث حالات جوية مهمة، حيث تخرج الفرق المختصة للوقوف على الحدث، ومتابعته بصورة مستمرة ودقيقة، ومن ثم تمرير المعلومات المستقاة بعد تحليلها إلى وسائل الإعلام المختلفة، وأصحاب القرار للتعامل معها بشكل مناسب .

تختلف فرق الرصد الجوي بحسب يوسف الكلباني، رئيس قسم التنبؤات العامة بحسب تخصصها والخدمات التي تقدمها، فقسم التنبؤات العامة يقوم بإصدار التنبؤات الجوية لوسائل الإعلام والجمهور، سواء كان التنبؤ قصير المدى يغطي ثماني عشرة ساعة، أو طويل المدى تصل مدته من يوم واحد إلى أسبوع، كما يصدر قسم التنبؤات البحرية توقعاته الآنية واليومية، والتحذيرات البحرية للجمهور، والقطاع العام، ويطلع المؤسسات الخاصة المعنية بالأنشطة البحرية، كشركات البترول، والموانئ البحرية على أحدث التوقعات بكل دقة .

أما قسم تنبؤات الطيران فيقوم بإصدار تنبؤاته للمطارات العاملة في الدولة، وتشكل توقعاته لقطاع الطيران أهمية بالغة لما تسهم به في سلامة وسلاسة الحركة الجوية .

ويضيف: يقدم قسم تطبيقات الاستمطار تقنية تلقيح السحب، التي تعتمد أحدث التقنيات المتوافرة على المستوى العالمي، وذلك باستخدام شبكة رادارات جوية متطورة، وطائرات خاصة مزودة بشعلات ملحية تم تصنيعها لتتلاءم مع طبيعة السحب التي تتكون في سماء الدولة من الناحية الفيزيائية والكيميائية . أما قسم المناخ فهو المسؤول عن تجميع معلومات الطقس وعناصره المختلفة وتحليلها، وأرشفتها، ودراستها للوقوف على مدى التغيرات الجوية، ورصد أهم الظواهر الجوية التي تؤثر في أجواء الدولة، مما يتيح إمكان الرجوع إليها، والاستفادة منها في دراسة التغيرات الجوية، كما يقدم القسم خدماته للشركات، والمعاهد والجامعات، والأشخاص الذين يقومون بعمل دراسات وأبحاث خاصة بالطقس .

يواجه الراصد الجوي العديد من الصعوبات خلال قيامه بمهامه، وعن ذلك يقول طارق الحوسني، راصد جوي بالمركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل: هناك صعوبات تواجه فريق الرصد أهمها العمل في ظروف جوية غير ملائمة، من عواصف رملية، ورعدية، وأخذ رصدات أثناء درجات الحرارة العالية، والرياح القوية، كما يواجه الراصد الجوي بعض المشكلات التي تطرأ على بعض أجهزة القياس، لكنها في النهاية أمور تعوّد الراصد على التغلب عليها . ويضيف: اعتدت وفريق الرصد على العمل في مختلف الظروف الجوية، ونمتلك من الخبرة ما يمكننا من أداء مهمتنا بدقة عالية في أحلك الظروف، مستخدمين أعلى تقنيات الرصد الجوي المكونة من رادارت الطقس، والأقمار الاصطناعية، ومحطات الطقس السطحية اليدوية والأوتوماتيكية، إضافة إلى محطات طبقات الجو العليا، والكاميرات .

عن القطاعات التي تعتمد على توقعات الأرصاد بشكل يومي يقول فيصل المهيري اختصاصي أرصاد جوية: هناك العديد من الجهات المستخدمة والمستفيدة من إصدارات المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل، سواء جهات رسمية أو خاصة أو شخصيات عامة، منها الجهات الأمنية مثل حرس السواحل، وغرف عمليات الشرطة، والهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، كذلك حرس الحدود، وحماية المنشآت، كما يستفيد من خدمات الأرصاد الجوية قطاع النقل الجوي، والبحري، والبري، وتعتمد على النشرات البحرية الموانئ، وشركات الشحن، والبترول، إضافة إلى المطارات في تسيير وتسهيل حركة الطيران .

وبحسب المهيري، فإن المركز الوطني هو الجهة الوحيدة في الدولة المسؤولة عن تقديم جميع خدمات الأرصاد باختلاف أنواعها، من رصد وإصدار التقارير والتنبؤات بالأحوال الجوية، كذلك التقارير المناخية الآنية، واليومية، والشهرية والسنوية، والدراسات المتعلقة بتغيرات الطقس والمناخ والتحذيرات الجوية، ولا يتم اعتماد أي معلومات من جهة محلية أو عالمية أخرى لها علاقة بمعلومات الطقس والمناخ .