تلعب الميكروبات دوراً كبيراً في التأثير في الكائنات الحية، ولم تعد مجرد أجسام طفيلية ليس لها جدوى، فقد اكتشف العلماء مؤخراً أن الميكروبات لها تأثير كبير على تحديد معدل خصوبة الكائن الحي ودرجة تكاثره واختياره لشريك الحياة، وذلك طبقاً لمجلة نيوساينتيت العلمية البريطانية .

أكد عالم الأحياء الأمريكي ريشارد جيفرسون عام 1980 أن البكتريا الموجودة داخل جسم الإنسان ليست مجرد ضيف تكافلي سلبي موجود داخله، فهي لها تأثير كبير في صحة الجسم وسعادة المرء، وأنها تلعب دوراً في التأثير في تطور نمو الجسم . وتوصل وقتها إلى نظرية الهوليجينوم للتطور والتي كانت أكبر إنجاز في التفكير العلمي على حد قوله، وتنص على أن الهدف من عملية الاختيار الطبيعي ليس التركيز على الكائنات الحية بمفردها، ولكن يجب أن يكون التركيز أيضاً على الميكروبات التي تعيش داخل هذه الكائنات .

وبعد عقدين توصل باحث آخر لنفس الفكرة، وكانت ملامح نظرية الهولوجينوم بدأت تتضح، وهي أن الميكروبات التكافلية تلعب دوراً كبيراً في عملية التطور، وطبقاً للأبحاث التي قام بها جيفرسون فإن الميكروبات تلعب دوراً في بعض العمليات الأساسية داخل الجسم، ومنها هرمون التستوستيرون الذكري حيث تتم 65% من دورة هذا الهرمون خلال الميكروبات الموجودة في الجسم .

وتبدو أهمية الميكروبات داخل جسم الإنسان في إنتاج جزيئات عطرية أروماتية تفرز الروائح الغريبة، التي تجعل لكل جسم رائحة مميزة عن غيره، ولا يفرز الجسم هذه الجزيئات مباشرة، ولكنه يفرز سلائف يطلق عليها أندروستين وهي نوع من البكتيريا التي تعيش على جلد الإنسان، وتتحول إلى مادة أندريستول طيارة، ولا يقتصر الدور الذي تلعبه الميكروبات على حياة الإنسان فقط، فهي مؤثرة أيضاً في بعض الحيوانات، فمعدل الخصوبة والإنجاب واختيار التزاوج تخضع لتأثير الميكروبات .

وعلى هذا الأساس، فإن نجاح عملية التكاثر، سواء للنباتات أو الحيوانات، يعتمد في جزءٍ منه على مجموعة محددة من الميكروبات التي تعيش على كل منها بشكل منفصل، وعلى الرغم من أن الطفيليات والأمراض لها تأثير سلبي في صحة الجسم إلا أنه طبقاً للأبحاث التي أجراها جيفرسون فإن الميكروبات تدعم قوة البنيان الجسمي، ولذلك لا يجب التفكير في كل نبات أو حيوان على حدة، ولكن لابد من التفكير بشكل أكثر شمولاً في الميكروبات الموجودة بداخله وعناصرها الجينية وطريقة أدائها وتفاعلها داخل الكائن الحي .

وفي عام ،2011 أكد جيفرسون من خلال التجربة أن الفئران تحتاج إلى الميكروبات الدقيقة الموجودة في معدتها لكي ينمو عقلها بصورة طبيعية . وفي دراسة أجريت بعدها، توصل عالم البيئة المتخصص في دراسة الميكروبات سيث بوردنشتاين، من جامعة فاندربيلت في مدينة ناشفيل بولاية تينيسي الأمريكية إلى أن حقيقيات النوى، مجموعة من الكائنات الحية ذات بنية خلوية معقدة تضم النباتات والحيوانات، هي كائنات عملاقة، ويجب التعامل معها من خلال دراسة جميع وظائفها الجينية، وعالج الفريق البحثي للعالم برودنشتاين بعلاج النمل الأبيض بالمضاد الحيوي الريفامبيسين للقضاء على بعض الميكروبات الموجودة فيه، ووجدوا أن مستعمرات النمل الأبيض التي عولجت بالمضاد الحيوي أنتجت نسلاً أقل من غيرها . وفسروا ذلك بأن محاولة القضاء على الميكروبات الموجودة في القناة الهضمية للنمل الأبيض قللت من قدرة الحشرات على استخراج المواد الغذائية من الطعام، مما أثر بالتالي في قدرتها الإنجابية .

وعلى الجانب الآخر، يرى عالم الأحياء أندي غاردنر، من جامعة أكسفورد بالولايات المتحدة، أن الخلايا الميكروبية تؤدي دوراً غير مرغوب فيه داخل الجسم .

وفي أوائل القرن التاسع عشر، أضاف العالم جين لامارك فكرة جديدة لنظرية التطور، وهي أن الكائنات الحية يمكنها أن تعيش على بعض الصفات التي تتأقلم معها أثناء حياتها مثل الزرافة التي تطورت رقبتها الطويلة لأنها كانت تعتاد على مدها باستمرار للحصول على الطعام من الشجر العالي، ولكن هذه الأفكار فقدت مصداقيتها مع تطور علم الوراثة الحديث، ومع ذلك فإن نظرية الهولوجينوم تنص على أن الكائنات الحية يمكنها أن تتطور من خلال وراثة بعض الخصائص المكتسبة .

وهناك ورقة بحثية أخرى تقدمت بها العالمة ديانا دوود من جامعة ييل الأمريكية التي اكتشفت أن تغيير الوجبة التي تتناولها ذبابة الفاكهة يمكنه أن يغير من اختيارات التزاوج عند الحشرة عقب جيلين فقط . ويرى أحد العلماء أن سبب هذا التغيير هو الميكروبات الموجودة داخل الحشرة، وهو ما أكده جيفرسون عندما توصل إلى وجود أنواع من البكتيريا لها أهمية كبيرة في زيادة نسبة الخصوبة واختيارات التزاوج، فعقب جيلين من تغذية ذبابة الفاكهة على دبس السكر أصبحت لا ترغب في التزاوج من الذبابة التي تتغذى على النشا، وأرجع العلماء ذلك لوجود أنواع من البكتيريا هي التي تتحكم في اختياراتها للتزاوج .

ويرى العلماء أن أي شيء يعرقل عملية التكاثر يمكنه أن يؤدي إلى نشوء أنواع جديدة، فقد أدى التغيير في وجبة ذبابة الفاكهة إلى حدوث تحولات في بكتريا القناة الهضمية للحشرة مما أثر بدوره في اختياراتها للتزاوج، ومن الممكن أن يؤدي إلى انقسام النوع الواحد إلى نوعين .

وتؤدي الميكروبات إلى ظهور أنواع جديدة من الكائنات بشكل مختلف، فعند عبور كائنات مختلفة من دبابير ناسونيا، ينفق عدد من النسل على شكل يرقات، ويحدث هذا النفوق لأن النسل يرث بكتريا غير متوافقة معه، ويعني ذلك أن الاختلاف في عائلة الميكروبات يمكنه أن يمنع التزاوج بين الحيوانات المتقاربة .

ويرى العالم دافيد سولان ويلسون من جامعة بينغامتون بنيويورك أن نشوء أنواع جديدة هو نتاج ثانوي للميكروب الذي يستخدم الضيف لفائدته الخاصة، وليس لمصلحة بقية الميكروبات والضيف من أجل تحقيق فائدة جماعية، وهو ما حدث مع عائلة الضبع، فظهور أنواع مختلفة من عائلات الضبع يرجع إلى وجود أنواع مختلفة من الميكروبات تعيش بداخلها، حيث ظهر نوعان من الضبع منهما المنقط والمخطط .

وبالنسبة للعالم جيفرسون، فإن الكائنات الحية يمكنها أن تتطور ببطء، لكن في ظل وجود تعاون مع الميكروبات التي تتطور سريعاً، فهي ربما تكتسب خصائص جديدة، تماماً مثل النمل الأبيض الذي اكتسب القدرة على النقر في الخشب وأصبح قادراً على صنع سماد نيتروجيني خاص به .

وهناك تشابه بين تطبيق ما يحدث في العلوم الحيوية مع العلوم المتقدمة، فعندما تقصر إحدى الشركات معرفتها وخبرتها التكنولوجية على نفسها، سيحدث تقدماً بشكل أبطأ عما إذا شاركت غيرها هذه المعرفة ولذلك يعد التعاون أمراً ضرورياً .