يرتبط كوكب المريخ ارتباطا وثيقا بالأرض، كونه قريبا جداً منها ولا يزال يتغير جيولوجياً مثلها، وأدى هذا الارتباط إلى اكتشاف العلاقة والسمات المشتركة بينهما من خلال الأبحاث العلمية في وكالة ناسا .
وبحسب العلماء، فإن كوكب المريخ يمكن أن يدعم الحياة البشرية عليه لاحتوائه على الثلج الذي يمكن أن يتحول إلى مياه، كما أنه يحتوي نسبيا على غلاف جوي ما يمكن الإنسان من الوجود به لفترة طويلة، ومن هنا راود العلماء فكرة إقامة مستعمرات معيشية فوق الكوكب الأحمر .
إيدوين ألدرين، ثاني رائد فضاء مشى على القمر ضمن فريق أبوللو ،11 يرى أنه يمكن الاستفادة من المريخ بدرجات كبيرة، فمن غير المعقول، من وجهة نظره أن تكون مهام المريخ خاطفة .
التقى ألدرين منذ أيام مجموعة من رواد الفضاء في مؤتمر بعنوان قمة الإنسان الى المريخ أو H2M، في واشنطن هدف من خلاله رواد الفضاء والباحثون وشركات الطيران الفضائي إلى رسم خريطة لرحلات المريخ بحلول 2030 . وتتجاوز خططهم مجرد زيارات إلى الكوكب الأحمر، على الرغم من صعوبة هذه الزيارات، بيد أنهم قالوا إن إنشاء مواقع دائمة على الكوكب فرصة البشرية الوحيدة للبقاء والاستمرارية على المدى البعيد .
بحسب مجلة نيوساينتست، يقول رائد الفضاء الأسبق جون جرنسفيلد الذي لا يزال يعمل في ناسا لا يمكن للكائنات وحيدة الكوكب أن تبقى على قيد الحياة إلي الأبد، ولايجب أن ننسى ما جرى للديناصور، لكننا لا نرغب في إثبات صحة ذلك .
ولما كان المريخ الكوكب الوحيد في نظامنا الشمسي الذي يمكننا الانتقال إليه، فسيكون الخطوة الأولى على طريق البحث عن حياة خارج نطاق الأرض، بيد أن اعتبار المريخ وجهة دائمة لساكني الأرض يتطلب لما هو أكثر من مجرد زيارات خاطفة إليه .
وكبداية، فمن يخططون لإنشاء مستعمرة فوق الكوكب الأحمر، يحتاجون بلا شك لإنشاء أحياء تصلح للعيش، لتحتضن أنظمة دعم الحياة والمؤن اللازمة، وتقلل من الآثار النفسية، بحسب ديفيد دينجز من جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا الذي أورد مؤخراً تقريراً حول سلوكيات المشاركين في مشروع Mars 500، (وهو عبارة عن تجربة نفسية أجرتها ما بين 2001 و2007 روسيا والصين ووكالة الفضاء الأوروبية، تجهيزاً لرحلات مستقبلية إلى المريخ، وعزل أثناءها ستة رجال لمدة 520 يوماً في مكان لم تتعد مساحته 6 .3 في 20 متراً) .
وعلى الرغم من المراقبة المستمرة والرعاية الدائمة، أصيب أربعة منهم بمشكلات كبيرة مثل الخمول، والأرق، وغيرها التي عزاها دينجز جزئياً إلى ضيق المكان، فكيف ستكون الحال إذا طالت المدة عن ذلك؟
وبناء أماكن متسعة يتطلب إعادة التفكير في وسائل النقل بين الكواكب، إذ إن إنزال أحمال ثقيلة على المريخ ليس بالأمر الهين، وتضيء محطة الفضاء الدولية التي بنيت على مراحل خلال سلسلة من الرحلات المتكررة إلى المريخ، شمعة أمل وتوحي بأشياء مفيدة وإن كانت محدودة، فأجزاء من الأساسات يمكن نقلها إلى المريخ بنفس الطريقة بإنزال الوحدات الإنشائية من خلال رحلات متسلسلة .
ويمكن بعد ذلك أن يقوم طاقم موجود على السطح بعملية البناء باستخدام روبوتات تتمركز في المدار، أو عن طريق طاقم من البنائين المتمركزين على أحد أقمار المريخ .
واقترح ألدرين في قمة H2M إرسال ثلاثة رجال لقضاء 18 شهراً فوق قمر فوبوس (واحد من قمري المريخ اكتشفا في ،1877 وكلاهما بطول 27 كيلومتراً وعرض 22 كيلومتراً)، حيث يمكنهم عن بعد تشييد قاعدة فوق المريخ . ويمكن لمن فوق فوبوس رؤية سطح المريخ بوضوح والهبوط عليه أسهل من الهبوط فوق المريخ بسبب عدم وجود غلاف جوي له وبذا لن تكون هناك حاجة لتقنيات مثل الدروع الواقية من الحرارة، والصواريخ الخلفية التي تتعدى سرعتها سرعة الصوت .
وإذا أتيحت إمكانية تشييد قاعدة ضخمة، سيكون التحدي التالي توفير مخزون غذائي هائل، وهنا يبرز اختيار مهم وهو زراعة الخضار، بيد أن النباتات فوق المريخ ستتعرض لكميات كبيرة من الإشعاع، وضغط الهواء المنخفض، والجاذبية المنخفضة . وإذا أقدم مزارعو المريخ على استخدام التربة المريخية، فلابد الإلمام أولاً بمعرفة آلية استجابة المحاصيل لمكونات التربة، فسوف تكون هناك حاجة للكبريتات وغيرها من الأملاح .
وللتغلب على أي عقبات، يمكن اللجوء إلى المحاصيل المعدلة وراثياً، بحسب روبرت فيرل، مدير مركز البحوث - التكنولوجيا الحيوية متعددة التخصصات في جامعة فلوريدا في غينسفيل الذي يقول: لدينا إلمام معرفي في العصر الحالي بما يحدث للكائنات على المستوى الجيني، فنعرف الأنماط الجينية المسؤولة عن التمثيل الغذائي للمواد المغذية الأساسية مثل الكبريتات، ما يمكننا من إضافة الجين الصحيح لمحاصيل المريخ، كما يحدث مع نباتات الأرض التي تزرع في مناطق قاسية الأجواء، إذا يتم تطويرها جينياً للتأقلم مع الأجواء القاسية .
ولتوفير وجبات غير تقليدية، تلقى أنجان كونتراكتور، كبير المهندسين الميكانيكيين في مؤسسة الأنظمة وأبحاث المواد في أوستن في ولاية تكساس، تمويلاً من ناسا لتطوير طابعة ثلاثية الأبعاد لطهي الغذاء الساخن أثناء رحلات الفضاء العميق، مسحوق هذا الغذاء سوف يعقم بالأشعة فوق البنفسجية، وسوف يدعم بالمواد المغذية، كما ستمتد صلاحية استخدامه لخمسة عشر عاماً على الأقل .
ونجح بالفعل فريق انجان في إنتاج معكرونة بالطابعة، وخبز تركي، ومعجون الريحان، والخبز، والكيك، ويؤجلون تذوق إنتاجهم حتى يتم تخصيص طابعة لإنتاج الطعام .
وربما تظهر تحديات أخرى في طريق إنشاء المستعمرة المريخية المستدامة، بحسب ريتشارد زوريك، أحد كبار علماء ناسا الذي يعمل في مختبر الدفع النفاث في باسادينا الذي يقول إن مثل هذه المستعمرة يمكنها البقاء إذا توفر مصدر أرضي تتبادل معه التجارة وكافة التعاملات الأخرى، ولن يحدث ذلك إلا إذا انخفضت تكاليف التنقل بين الكواكب بدرجة كبيرة .
ويقول ألدرين اهتمام الناس بهذا الأمر، وانطلاق رحلات الفضاء الخاصة يجعل من الوصول الى المريخ حلماً قريب المنال، وبتحقيق ما نسعى إليه من إنجازات على المريخ، يمكننا التوجه بعد ذلك إلى النظام الشمسي .