من يقرأ الكتب والمصنفات الموسوعية القديمة التي ألّفها فطاحل العلماء، وجهابذة البلغاء في اللغة والأدب والتاريخ والتراجم وسائر الفنون الأخرى على مر العصور والأزمان، يدرك البون الشاسع بين الأمس واليوم، وربما ينساق خلف المقولة القديمة التي تلوكها ألسنة كثير من الناس وهي: ماذا ترك الأول للآخر؟، للتعبير عن حجم العجز والقصور وعدم القدرة على محاكاة ذلك الأول والحذو حذوه في ما قدّم وكتب وأنتج .
إن هذه المقولة وإن دلّت دلالة قطعية على واقع سابق، مضى وانقضى، ويتم استحضاره بين الفينة والأخرى على وجه التمني، إلا أنها كذلك تفسّر حالة القصور والتقاعس والخمول والكسل الذي استشرى في واقعنا الراهن، ومع ذلك فهي ليست على إطلاقها بحال من الأحوال، فثمة ما ينسفها نسفاً ويفنّدها تفنيداً تاماً .
وإذا كان الأول قد نظم فرائد العلوم وغرائب اللغة وشواردها ونوادرها في مؤلف جامع مانع تناقلته الأجيال عبر الحقب والعصور، ولا يزال عمدةً في بابه، ونسج على منواله خلق كثير، نظماً للمنثور، وشرحاً للغامض، وتوضيحاً للمبهم، إلا أن الاحتفاء بنتاج الأول لا يزال يحظى بقسط وافر من العناية والاهتمام، ولعل مرد ذلك يعود إلى طبيعة ذلك النتاج، وما اشتمل عليه من معارف وفنون تعكس مدى موسوعية المؤلف، وإلمامه التام بتلك المعارف .
إن الثقافة الموسوعية التي اتسم بها العلماء وكبار الأدباء على مر تاريخ الثقافة العربية هي التي خلّدت ذكرهم، وجعلت بعضهم يتصدّر قائمة الرواد، ودفعتهم هذه الثقافة الموسوعية إلى وضع تآليف أصبحت تاجاً وعمدةً في اللغة والأدب، ومن بين هؤلاء أبوالعباس المبرد المتوفى 286ه صاحب كتاب الكامل، وإسماعيل بن حماد الجواهري المتوفى 393ه صاحب الصحاح، وابن منظور الإفريقي المتوفى 711ه صاحب لسان العرب، والفيروز آبادي المتوفى 817ه، صاحب القاموس المحيط، والعلامة المرتضى الزبيدي المتوفى 1205ه صاحب تاج العروس من جواهر القاموس، وغيرهم كثير .
المفارقة الغريبة أن تلك التآليف الموسوعية وضعت بجهد فردي حارت فيه الأفهام وتقاصرت في وصفه الأقلام،لم يحتج إلى دعم مؤسسة، ولا رعاية هيئة، بل قام على همّة المؤلف وإرادته ونبل مقصده، فكانت تآليفه عقوداً ثمينة على جيد الزمن، بيد أن هذه الحالة الفريدة لا نكاد نلمحها في واقعنا الراهن، الذي يشهد ركوداً واضحاً في جودة التأليف، ودقة التصنيف، بل ثمة عزوف بيّن عن التأليف الموسوعي، بل وعجز كبير في أغلب الأحوال، عن ورود حياضه، والغوص في أعماقه، لتواضع الزاد، وضيق الوقت، وتشعّب الاهتمام .
ما أحوجنا اليوم إلى مؤلفات موسوعية رصينة يمتح مؤلفوها من صخرة الماضين، ويفيضون من حيث أفاضوا، ويجمعون بين دفتيها بين القديم والجديدة، ويدعون للتجديد في سائر العلوم والفنون، إحياءً لهذا التقليد، وترسيخاً له في الواقع، فكم ترك الأول للآخر مما لم يعن بطرقه، ولم يسع إلى حصره .