في العصر الرقمي الجديد نقف مندهشين أمام غموض نعيش معه وفيه، إنه ليس كأي عصر من عصور البشرية، إذ إنه فرض هويات جديدة وحروب وثورات افتراضية، ولا ندري بعد ما سيجلبه لنا من الغرائب، التي تعيد رسم خارطة البشر والعالم .

يناقش هذا الكتاب قضايا عالمية معقدة مثل المواطنة، أصول الحكم، الخصوصية، والحرب، وشكل التحديات والحلول التي يقودها صعود الاتصال الرقمي الجديد . وهو من غير شك، ليس كتاباً عن الأدوات الإلكترونية، وتطبيقات الهواتف الذكية أو الذكاء الصناعي، بل عن التكنولوجيا وعلاقتها مع البشر، وكيفية تفاعلهم معها، ومدى استخدامهم التكنولوجيا في حياتهم اليومية .

نقف في هذا الكتاب أمام أسئلة مثل: من سيكون أكثر نفوذاً في المستقبل، المواطن أم الدولة؟ هل التكنولوجيا ستجعل تنفيذ الإرهاب أسهل أم أصعب؟ ما العلاقة بين الخصوصية والأمن؟ وكم يجب علينا أن نتنازل لنكون جزءاً من هذا العصر الرقمي الجديد؟ ماذا ينتظرنا في العقود المقبلة، وأين يتوجه عالمنا؟ وماذا يعني هذا العصر للبشر والدول وقطاع الأعمال؟

هذا العمل الغني من تأليف المفكرين العالميين البارزين إيريك شميديت، وهو أحد القادة الكبار لسيليكون فالي، الذي حلق بشركة غوغل الصغيرة إلى إحدى الشركات العالمية المؤثرة في العالم، والآخر جاريد كوهين مدير أفكار غوغل والمستشار السابق للوزيرتين الأمريكيين كوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون .

المستقبل سيكون من صنع الدول والمواطنين والشركات والمؤسسات

يعد الإنترنت من الأشياء القليلة التي ابتكرها البشر من دون التوصل إلى فهم عميق له في الحقيقة، (على صعيد المستخدمين بشكل عام)، حيث ما بدأ على شكل وسائل لنقل المعلومات في جهاز كمبيوتر بحجم غرفة تحول إلى منفذ متعدد الأوجه ومنتشر في كل مكان يستخدم في التعبير والطاقة البشرية . إنه يبدو على شكل حاجة معنوية، وفي حالة مستمرة من التغير، تتجه نحو التعقيد والنمو مع مرور كل ثانية على نحو كبير . إنه للبعض مصدر شر مخيف محتمل وهائل، خاصة أننا بدأنا للتو نشاهد تأثيره على المسرح العالمي .

الملاحظ يبدو أن الإنترنت أكبر تجربة بشرية تستحوذ عليها الفوضوية في التاريخ . إذ تجد مئات الملايين من الناس، في كل دقيقة، ينتجون ويستهلكون كمية لا متناهية من المحتوى الرقمي في عالم افتراضي، لا توجهه ولا تنطبق عليه القوانين الأرضية . لاشك أن هذه القدرة الجديدة على التعبير بحرية قد خلق المشهد الافتراضي الغني بالمعلومات الذي نعرفه اليوم .

ويقول عن ذلك الكاتبان: فكر في كل المواقع التي سبق أن زرتها من قبل، كل الإيميلات التي أرسلتها والقصص التي قرأتها على الإنترنت، كل الحقائق التي تعلمتها، والروايات التي صادفتها وفضحتها . فكر بكل علاقة أسسستها، كل رحلة خططت لها، كل عمل وجدته، وكل حلم ولد وترعرع وتحقق عبر هذه المنصة الافتراضية . فكر بما يسمح به نقص التحكم العكسي: الغش على الإنترنت، حملات البلطجة، وصفحات تشن حملات الكراهية، وغرف الدردشة الإرهابية . هذا هو الإنترنت، أكبر فضاء مفتوح في العالم .

ويضيفان: كلما أصبح هذا العالم أكبر، فإن فهمنا لكل طور من أطوار الحياة سوف يتغير تقريباً، بدءاً من تفاصيل الحياة اليومية إلى أسئلة صميمية تدور حول الهوية، العلاقات، وأمننا الخاص . وتسقط عبر قوة التكنولوجيا العوائق القديمة مثل الجغرافيا، اللغة، والمعلومات المحدودة، وتصعد موجة جديدة من الإبداع الإنساني والطاقة .

يبين الكاتبان أثناء مقدمة الكتاب أن الإنترنت الجماعي يقود إحدى أكثر التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية في التاريخ، على خلاف فترات التغيير المبكرة، إذ إن التأثيرات تكون عالمية بالكامل هذه المرة . لم يسبق أن كان هناك في التاريخ هذا العدد الكبير من الناس، من أماكن مختلفة، يملكون هذه القوة في أطراف أصابعهم . ويقولان: بينما تكون هذه بالكاد الثورة التكنولوجية الأولى في تاريخنا، إلا أنها الأولى التي سوف تجعل من الممكن تقريباً لكل شخص أن يمتلك محتواه الخاص ويطوره وينشره من دون الاعتماد على وسطاء .

مشاهد من العراق

عن اللقاء الذي جمع الكاتبين ودفعهما إلى الشروع بهذا العمل يقولان: تقابلنا لأول مرة في خريف 2009 تحت ظروف دفعت إلى عقد علاقة بسهولة . فقد كنا في بغداد، وكنا نشاهد العراقيين ونطرح السؤال الحاسم: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تساعد على إعادة بناء مجتمع؟

يضيفان: عندما اتجهنا إلى المدينة للقاء وزراء الحكومة، القادة العسكريين، الدبلوماسيين، والمقاولين العراقيين، صادفنا أمة، كانت توقعاتها باستعادة عافيتها، والنجاح المستقبلي معلقاً بخيط . وفي الرد على السؤال الذي ساورهما يقولان: إن الجواب أصبح واضحاً على الفور، ففي كل مكان نظرنا إليه، شاهدنا أجهزة الهواتف، لقد أدهشنا ذلك . في ذلك الحين، كان العراق منطقة حرب لأكثر من ست سنوات، عقب سقوط صدام حسن، الذي كان قد حظر بحكمه الشمولي استعمال كل أجهزة الاتصال الحديثة . كانت الحرب قد حطمت البنية التحتية للعراق، وأغلب الناس كانت لديهم صعوبة في الوصول إلى الطعام والماء والكهرباء . حتى إن أغلب البضائع الأساسية كانت غالية بشكل كبير . في بعض الأماكن، كانت القمامة متراكمة منذ سنوات . فضلاً عن أن أمن السكان لم يكن محفوظاً، وبدا الهاتف النقال آخر ما يمكن أن يظهر في قائمة متطلبات البلاد، إلا أنه على الرغم من المشاكل الضاغطة في حياتهم، فضل العراقيون التكنولوجيا . والعراقيون رأوا إمكاناتها الكبيرة لتحسين حيواتهم ومصير بلادهم التي تعاني الحرب .

حسبما قرأنا في الكتاب فإنها كانت الرحلة الأولى لإيريك إلى منطقة حرب، على خلاف جاريد الذي ذهب مرات كثيرة، ومع ذلك خرجا بإحساس أن شيئاً ما عميقاً كان يتغير في العالم . ويقولان في دهشة حول أهمية الاتصال في حياة الشعوب: حتى لو أن العراقيين الذين أرهقتهم الحرب، لم يروا فقط إمكانات التكنولوجيا، لكن عرفوا ما يريدون أن يفعلوا بها، رغم أن أبسط أمور الحياة لم تكن متوفرة، إلا أنهم فضلوا أن يكون لديهم الاتصال .

ويشيران: كلما فكرنا بانتشار الاتصال حول العالم، وجدنا أنفسنا محاطين بأسئلة جراء هذا التقسيم: من سيكون أكثر نفوذاً في المستقبل، المواطن أم الدولة؟ كيف يمكن أن تتغير الحرب، الدبلوماسية، الثورات عندما يستخدم الجميع وسائل الاتصال؟ وكيف يمكن لنا أن نرجح التوازن بطريقة مفيدة؟ متى يتم إعادة بناء المجتمعات المهدمة، ماذا سيكون بمقدورهم أن يفعلوا مع التكنولوجيا؟

ويذكران: نؤمن أن منصات التكنولوجيا الحديثة مثل غوغل، فيسبوك، أمازون، آبل، أكثر قوة مما يعتقد كثير من الناس، ومستقبلنا سيكون مرتبطاً بمدى تبني المجتمعات لها ونجاحها في استخدامه . وتشكل المنصات انتقال نموذج حقيقي، قريب لاختراع التلفاز، وما يعطيهم قوتهم هو قدرتهم على النمو، خاصة السرعة التي يقيسون بها .

ويضيفان: بالصدفة، عندما بدأنا نتقاسيم الأفكار فقط عن المستقبل، ظهرت سلسلة من الأحداث العالمية التي مثلت المبادئ والمشاكل ذاتها التي ناقشناها . أطلقت الحكومة الصينية هجمات فضائية متطورة على غوغل، والعديد من الشركات الأمريكية الأخرى، برزت ويكيليكس على المشهد، جعلت مئات الآلاف من السجلات المصنفة سهلة الوصول على المستوى العالمي، ودمرت الزلازل الكبيرة في اليابان وهايتي المدن، لكن ولدت استجابات إبداعية تقودها التكنولوجيا، وثورات الربيع العربي هزت العالم بسرعتها وقوتها وتأثيرات التبعية المعدية . كل تطور عاصف قدم زوايا جديدة وإمكانات نفكر فيها حول المستقبل .

انتشار هائل

إن تسليح تكنولوجيات الاتصالات يتقدم بسرعة لم يسبق لها مثيل في التاريخ . ففي العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ازداد عدد السكان المتصلين بالإنترنت في أنحاء العالم من 350 مليوناً إلى أكثر من ملياري . وفي الفترة نفسها، ارتفع عدد مشتركي الهواتف من 750 مليوناً إلى أكثر من خمسة مليارات (الآن هم أكثر من 6 مليارات) .

وبحسب الكتاب فإنه بحلول ،2025 سوف يحصل أغلبية سكان العالم على المعلومات عبر أداة بحجم راحة اليد من دون فلترة، وإذا ما استمر هذا التقدم الحالي من الابتكار التكنولوجي، سيصبح لأغلب سكان الأرض حساب على الإنترنت .

ويذكر الكاتبان أنه في كل مستوى من مستويات المجتمع، سوف يستمر الاتصال في تقدمه ليصبح رخيصاً ومتوفراً أكثر، وعملياً بطريقة مذهلة، حيث سيكون بمقدور الناس الاتصال بالشبكات الإنترنيتية اللاسلكية المنتشرة في كل مكان، التي ستصبح أرخص مما هي عليه الآن من دون أدنى شك . وستكون أكثر كفاءة، وإنتاجاً، وإبداعاً . وفي الدول النامية، سوف تعزز الشبكات الداخلية ذات السرعة العالية والنقاط الساخنة اللاسلكية العامة بعضها بعضاً، وستتوسع التجربة الإنترنيتية إلى أماكن لا يملك الناس فيها حتى هواتف أرضية، وبالتأكيد سوف تتقدم المجتمعات بخطوات واسعة وتجتاز جيلاً كاملاً من التكنولوجيا بحسب ما أشار الكاتبان .

ومع التوسع في تبني هذه الأدوات، سترتفع سرعتها وطاقة الحوسبة، وبحسب قانون مور كما نقرأه في الكتاب، فإن قاعدة الإصبع في صناعة التكنولوجيا تخبرنا أن رقائق المعالج البطاقات الإلكترونية الصغيرة التي تشكل العمود الفقري لكل أداة حوسبة أي مضاعفة في السرعة كل ثمانية عشر شهراً، وهذا يعني أن الكمبيوتر في عام 2025 سوف يكون أسرع بنسبة 64 مرة من الآن، وغيرها من القواعد الإلكترونية التي تشير إلى التقدم في هذا الجانب .

يقول الكاتبان: هذا هو مستقبلنا، وهذه الأشياء الرائعة بدأت بالتشكل من قبل، إن هذا ما يجعل العمل في صناعة التكنولوجيا مثيراً اليوم، ليس الأمر لأنه لدينا فرصة لاختراع وبناء أدوات جديدة مدهشة أو لأن نطاق التحديات الثقافية والتكنولوجية التي نحاول أن نجتازها، إنها بسبب ما ستعنيه هذه التطورات للعالم .

إنجازات

في الحقيقة، تمثل تقنيات الاتصالات فرصاً للإنجازات الثقافية الكبرى إضافة إلى التكنولوجية نفسها . ويتساءل الكاتبان: كيف نتفاعل مع الآخرين؟ وكيف ننظر إلى أنفسنا من عالم افتراضي يقودنا ونتأثر به؟

يجدان أن نزعتنا من أجل ذاكرة انتقائية تسمح لنا بتبني عادات جديدة ونسيان الأساليب التي كنا نقوم فيها بعمل أشياء من قبل . فمن وجهة نظرهما، يصعب، في هذه الأيام، تخيل الحياة من دون هواتف شخصية نقالة، إذ إنه في زمن الهواتف الذكية المنتشرة في كل مكان، أصبح الفرد عصياً على النسيان، وبات على اتصال مع عالم كامل من الأفكار، بعيداً عن الملل والفراغ، حيث دائماً هناك شيء يشغل بال المستخدمين .

وما يتوقعه الكاتبان هو أنه مع استمرار الاتصال العالمي في تقدمه اللامسبوق، سوف تتبنى أو تخاطر العديد من المؤسسات والسلطات الهرمية بأن تصبح ملغية لا علاقة لها بالمجتمع الحديث إذا لم تواكب التطور الرقمي، كما أن الصراعات التي نراها اليوم في العديد من الشركات، الكبيرة أو الصغيرة، هي أمثلة على التغير الدراماتيكي للمجتمع الذي يتقدم، وفي رأيهما سوف تستمر تقنيات الاتصال بتغيير مؤسساتنا، ويذكران: إننا سوف نتصل ونرتبط بشكل متزايد مع أناس بعيدين عن حدودنا ومجموعاتنا اللغوية، ونتقاسم معهم الأفكار، ونقوم بالتخطيط لمشاريع، وبناء علاقات أصيلة .

وعن انقسام الفرد بين عالمين يعلق الكاتبان: إن الأغلبية العظمى منا سوف ترى نفسها تعيش وتعمل وتجد نفسها محكومة بعالمين في نفس الوقت، افتراضي ومادي . في العالم الافتراضي سوف نختبر نوعاً من الاتصال أو الربط مع العالم، من خلال عدد من الأدوات والوسائل . وفي العالم المادي لايزال علينا أن نناضل في وجه الجغرافيا، وعشوائية الولادة (حيث بعضهم يولد كأشخاص أغنياء، والأغلبية تولد كفقراء في البلدان الفقيرة)، وأمور أخرى كالحظ السيئ، والجوانب الجيدة والسيئة من الطبيعة البشرية .

ما يبدو واضحاً في هذا العمل هو أن الكاتبين يهدفان حقاً إلى إظهار السبل التي يمكن أن نستخدم فيها العالم الافتراضي، بحيث يسهم في جعل العالم المادي أفضل حالاً مما هو عليه . خاصة نجد في بعض الأحيان أنهما يكبحان بعضها بعضاً، وأحياناً أخرى يتصادمان، ويضيقان على بعضهما .

يظهر اليوم على المسرح العالمي التأثير الأكثر أهمية لانتشار تقنيات الاتصال بالطريقة التي يساعدون على إعادة تخصيص تركيز القوة بعيداً عن الدول والمؤسسات وتحويلها إلى أفراد . ويقول الكاتبان: نجد أنه غالباً ما مكن ظهور معلومات جديدة أفواجاً ناجحة من الناس على حساب وسطاء القوة التقليديين، النخبة الحاكمة أو الملك وما شابههم، ثم كالآن، أي الوصول إلى معلومات، وإلى قنوات اتصال جديدة يعني فرص جديدة للمشاركة، لامتلاك القوة للمحاسبة وتوجيه حياة المرء مع قسم أكبر، أي أن عوامل القوة توزعت، ولم تعد تقتصر على جهات تقليدية بعينها .

تحولات

إن انتشار الاتصال، خاصة عبر الهواتف النقالة الموصولة بالإنترنت، هي تحديداً المثال الأكثر شيوعاً، وربما الأبرز لهذا التغير في القوة . ويعلق الكاتبان على ذلك: سيكون التمكين الرقمي، بالنسبة للبعض، التجربة الأولى من التمكين في حياتهم، إذ ستمكنهم من إيصال أصواتهم، وأخذها واعتمادها على نحو جدي، وكل ذلك بسبب أداة رخيصة يمكنهم أن يحملوها في جيوبهم .

وأمام هذا السيل الجارف من الأدوات الإلكترونية يجدان أن الحكومات الاستبدادية سوف تجد صعوبة أكثر في التحكم بسكانها المتصلين، أو ممارسة القمع تجاههم بالشكل التقليدي، أما الدول الديمقراطية ستجبر على تضمين العديد من أصوات أخرى أكثر مثل (الأفراد، المنظمات، الشركات) في شؤونهم . إلا أنهما في ذات الوقت يشيران إلى أن الحكومات تجد دائماً أساليب لاستخدام مستويات جديدة من الاتصال لمصلحتها . ويتساءلان: هل هذا التحول في القوة إلى يد المواطنين سيؤدي في النهاية إلى عالم أكثر أماناً، أم أكثر خطورة؟

يشيران إلى أن المستقبل سيكون من صنيع الجميع: الدول، المواطنين، الشركات، المؤسسات، حيث كل منهم سيضطلع بمسؤولياته الجديدة الملقاة على عاتقه .

بالرجوع إلى الماضي، الذي ناقش فيه منظرو العلاقات الدولية طموحات الدول، حيث كان بعضهم يجد أن الدول تحتفظ بالسياسات المحلية والخارجية التي تهدف إلى تضخيم قوتها وأمنها، بينما يقترح الآخرون أن العوامل الإضافية مثل التجارة وتبادل المعلومات، سوف تؤثر أيضاً في سلوك الدولة . ويعلق الكاتبان: إن طموحات الدول لا تتغير، لكن أفكارها عن كيفية تحقيق تلك الطموحات سوف تتغير . سوف تمارس الدول نوعين من السياسات: إحداها خارجية والأخرى محلية، واحدة لأجل العالم الحقيقي المادي، والثانية لأجل العالم الافتراضي . ربما تظهر هذه السياسات متناقضة في أوقات معينة، ربما تهاجم الحكومات في عالم واحد، بينما تتراجع في أخرى . ويضيفان: إنها تذهب إلى الحرب في الفضاء الرقمي، لكنها تحتفظ بالسلام في العالم المادي . لكن يذكران أن الدول سوف تقوم بمحاولات كبيرة للتعامل مع التهديدات الجديدة وما يمكن أن يشكل تحدياً لسلطتهم .

يتطرق الكاتبان بالحديث عن مسألة الهوية الجديدة في هذا العالم الرقمي، حيث بالنسبة للأفراد يعني المجيء إلى الإنترنت أنهم باتوا يمتلكون هويات متعددة في كلا العالمين: الافتراضي والمادي . وستأتي هوياتهم الافتراضية بأشكال متعددة لتلغي الهويات الأخرى، حيث آثارهم ستبقى منقوشة في الفضاء الإنترنيتي على الدوام . وإن ما ننشره، ونرسله من إيميلات، ورسائل على الهاتف، وما نتشاركه مع الأصدقاء على صفحات التواصل الاجتماعي يشكل هويات الآخرين الافتراضية . إنها أشكال جديدة من المسؤولية الجمعية التي تدخل حيز التنفيذ بحسب ما يقول الكاتبان .

ويجدان أن المنظمات والشركات ستشهد فرصاً وتحديات مع الاتصال العالمي الصاعد، إذ سيبرز مستوى جديد من المحاسبة، يقوده الناس، وسوف تجبر هذه العوامل الشركات والمنظمات على إعادة التفكير في عملياتها القائمة وخططها المستقبلية، كما سيغيرون كيفية عمل الأشياء إضافة إلى كيفية تقديم نشاطاتهم إلى العامة، هذا ناهيك عن وجود منافسين جدد وفرص جديدة .

عالم أفضل

يرى الكاتبان في الفصل الأول بعنوان نفوسنا المستقبلية أن كل واحد على وجه الكرة الأرضية سيكون على اتصال مع الإنترنت، ومع انضمام المزيد من البشر إلى العالم الافتراضي، فإن الازدهار في الاتصال الرقمي سيجلب فوائد على الإنتاج، الصحة، التعليم، نوعية الحياة، ووسائل أخرى لا تعد ولا تحصى في العالم المادي، وهذا بالطبع سيكون متاحاً لكافة أفراد المجتمع البشري .

بحسب ما يطرحه الكاتبان سوف يشعر الناس أن وجودهم في العالم الافتراضي سيجعلهم يشعرون بدرجة أكبر من المساواة من ناحية الوصول إلى المنصات الأساسية نفسها، والمعلومات، والمصادر الإنترنيتية، لكن الاختلافات الأساسية ستستمر في العالم المادي .

كما يشيران إلى أن الاتصال لن يحل مشاكل عدم المساواة في الدخل، على الرغم من أنها سوف تخفف بعضاً من أسبابها الأكثر تصلباً مثل: نقص الفرص الاقتصادية والتعليمية . ويعلقان على ذلك: يجب علينا أن ندرك ونحتفل بالابتكار في سياقه، سوف يستفيد الجميع من الاتصال، لكن ليس على قدم المساواة، كما سنشهد كيف يمكن أن توضح هذه الاختلافات نفسها في حياة البشر اليومية .

يذكر الكاتبان أن إمكانية الوصول إلى هذه الأدوات الذكية الرخيصة، من ضمنها الهواتف والحواسيب اللوحية ستشكل تحولاً كبيراً في هذه البلدان، على سبيل المثال، الصيادات في كونغو، ظهر عليهن تأثير الهواتف النقالة، فبعد أن كن يجلبن الصيد، ويخزنه مجمداً، ويحرسنه، وكل ذلك كان يكلفهن مبلغاً وجهداً، أما الآن يكون الصيد بحسب الطلب عن طريق الهاتف، ولا يلجأن إلى التخزين أوإنفاق مزيد من التكاليف، ناهيك عن زيادة الربح وقلة التعب، والأهم أن السمك يبقى طازجاً، محافظاً على قيمته الغذائية .

لاشك أن ما جلبه الاتصال أثر في كافة قطاعات الحياة البشرية بشكل مباشر، ولايعني هذا أن التحديات لن تظهر مجدداً، فمع توسع العالم الافتراضي، وإدراج خمسة مليارات من العقول فيه، يعني أننا بصدد طرق جديدة في الحصول على معلومات، ومصادر متحركة لحل مشاكلنا، حتى إذا لم تكن الحلول كاملة .

إن تقدم الاتصال له تأثير يتجاوز المستوى الشخصي، والطرق التي يتعايش ويتعارض فيها العالم الافتراضي والمادي، ويكملان بعضهما بعضاً، سوف يؤثر بشكل كبير في كيفية سلوك الأفراد والدول خلال العقود المقبلة .