يلعب الغرب، على رأسهم الولايات المتّحدة، دوراً كبيراً في تشويه صورة الصين في إفريقيا، ويصفها على أنّها شكل جديد من الاستعمار، يهدف إلى استغلال القارّة السوداء، ويأتي هذا التضخيم والترويع، ليس من باب الحرص على إفريقيا، بل تحسّباً للمستقبل والطمع في النفط الإفريقيّ، إذا ما نفد النفط في الشرق الأوسط، فسيكون أمراً بالغ القسوة على المستوى الاقتصاديّ والسياسيّ إذ ما وضعت الصين قبلهم يدها على مصادر الطاقة . يقدّم هذا الكتاب نظرة جديدة إلى حوافز بكين السياسيّة في إفريقيا، ويناقش المبادئ الأخلاقيّة التي تعتمدها الصين في علاقاتها مع الدول الإفريقيّة، خاصّة أمام قلّة الفهم للثقافة الصينيّة في إفريقيا، وهذا العمل في الحقيقة يتناقض مع طوفان من الكتابات الغربيّة حول الصين خلال العقد الأخير .
ويوضّح الكتاب أنّ الصين تعمل بأساليب مختلفة في الخفاء كي تلبّي مصالحها، ولا تلتزم دائماً بسياسة عدم التدخل التي تنتهجها منذ مؤتمر باندونغ عام 1955 في إندونيسيا .
كما يتناول جوانب من تاريخ الصين الحديث والنهضة الاقتصاديّة التي انتشلت الصينيّين من قاع النكبات والمجاعات التي عاشوها، وصعدت بهم إلى مصاف الاقتصادات الكبرى في العالم، كما يركّز على العلاقات الصينيّة -الإفريقيّة، ويستعرض وجهات النظر الصينيّة والإفريقيّة من خلال مناقشة القضايا التاريخيّة والثقافيّة والأساطير الصينيّة، ومدى تأثيرها في الأفارقة .
الكاتب هو أستاذ جامعيّ للعلاقات الدوليّة في مدرسة الدراسات الإفريقيّة والشرقيّة في جامعة لندن، وكان عضواً في الحوار الثلاثيّ حول الصين، إفريقيا، والولايات المتّحدة . الكتاب صادر عن دار زيد بوكس البريطانيّة في 154 صفحة، 2013 .
ينقسم الجزء الثاني من الكتاب بعنوان استجابات صينيّة إلى أربعة فصول، في الأوّل منه بعنوان العلاقات الثقافيّة الصينيّة الإفريقيّة: القوّة الناعمة، أصول الحكم الثقافيّ والحكم الثقافيّ الدوليّ يشير الباحث جيري سيزواي ليو إلى أنّه لشرح السلوك السياسيّ والاقتصاديّ والدبلوماسيّ الصينيّ في إفريقيا، من الضرورة بمكان طرح أسئلة حاسمة مرتبطة بالقديم والجديد، التاريخيّ والحديث، المثاليّ والحقيقيّ، مثل: هل يمكن أن نتحدّث عن نمط تفكير صينيّ يفصح عن العلاقات الدبلوماسيّة، وعن طريقة صينيّة في الإدارة السياسيّة في إفريقيا؟ وما مدى اختلافها عن النموذجين الأوروبيّ والأمريكيّ في الجوانب العمليّة والفلسفيّة؟ هل يمكن أن نحدّد سبباً جوهرياً فلسفيّاً أو ثقافيّاً متوافقاً يقف خلف اتّخاذ القرار الذي يشكّل الاستراتيجيّة الصينيّة في إفريقيا؟ أو، حتّى إذا لم يكن السبب الجوهريّ متوافقاً بالكامل، هل تنكشف الأخلاقيّات الصينيّة أو الطريقة الكونفوشيوسيّة لإدارة الدولة، التي نمطها يختلف بشكل فلسفيّ وبراغماتيّ عن النهج الحقيقيّ للغرب؟ وهل يسعى الصينيّون ببساطة إلى مصالحهم بطريقة عمليّة؟ .
أمّا في الفصل الثاني بعنوان من الثورة إلى الأعمال: محادثات الصين المتغيّرة حول إفريقيا للباحث كينغ كاو، فيشير إلى تصريحات رئيس الوزراء البريطانيّ كاميرون الذي تحدّث خلال زيارته إلى نيجيريا في عام ،2011 عن مشكلة الرأسماليّة الصينيّة المتزايدة في إفريقيا وقيمة الديمقراطيّة الليبراليّة لمستقبل إفريقيا، كما أشارت صحيفة ذا ديلي ميل البريطانيّة إلى أنّ الغرب لطالما كان مدركاً لزحف الصين نحو إفريقيا، وردّ النقاد الصينيون على هذا الأمر بالإشارة إلى دور الغرب في استغلال إفريقيا . ويشير الباحث إلى أنّه في خطوة تنسيقيّة، حذّرت وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة هيلاري كلينتون خلال زيارتها إلى زامبيا في ،2011 الدول الإفريقيّة من تهديد الكولونياليّة الجديدة على أيدٍ خارجيّة، في إشارة إلى الصين، وكانت الصين سريعة أيضاً في الردّ على هذا الأمر بالحديث عن إيرادات النفط الأمريكية من إفريقيا وهلعها من العلاقات الصينيّة مع الدول الإفريقيّة . ويشير الباحث إلى أنّ خلفيّة هذه المعركة الأخيرة كان زيادة الاندفاع في المشاريع الصينيّة في إفريقيا خلال العقد الأوّل من هذا القرن . ويذكر أنّه نما حجم التجارة بين الصين وإفريقيا من 10 مليارات دولار إلى 8 .114 مليار دولار في 2010 . وكانت الصين قد أصبحت من أكبر الشركاء التجاريّين في 2009 .
كما يشير كاو إلى الموقف الأخلاقيّ للصين الذي يتوضّح عبر عدد من الممارسات المختلفة، ناهيك عن إصرارها على مساعدة إفريقيا كصديق حقيقيّ عبر قروض ومساعدة غير مشروطة، ودورها المحسوس الذي يظهر بشكل بطوليّ في وجه الكولونياليّة . ويقول الكاتب: إنّ فكرة إفريقيا في الصين، في كلّ من الضمير الشعبيّ والحديث السياسيّ، ترتبط بصورة ضحايا الإمبرياليّة الغربيّة .
جوهر العلاقة
وفي الفصل الثالث بعنوان جوكيه ليانغ ومينغ هو: دلالة مجازيّة لأجل العلاقات الإفريقيّة الصينيّة؟ يتحدّث الباحث ل .إتش .إم لينغ عن القائدين السياسيين جوكيه ليانغ ومينغ هو في عصر الممالك الثلاث، إذ كانت لهما استراتيجيّة معيّنة في القيادة وفي العلاقات السياسيّة .
وبعنوان العودة إلى الأساسيّات يرى الباحث شياومينغ هوانغ من جانبه في الفصل الأخير من هذا الجزء أنّ جوهر النموذج الصينيّ هو أنّ الصين تتوجّه من غير نموذج، وأنّ الصين تخلّت منذ زمن طويل عن أحلام المفكّرين الأجانب المثاليّة التي تهدف إلى جعلها غنية وقوية، وتوقف الصينيّون عن استدعاء أجدادهم لمساعدتهم في التلويح بالعصا السحرية الروحيّة والثقافيّة التي تحوّل الحديد إلى ذهب .
ويرى هوانغ أنّ الحصول على الثروة والمقدرة يأتي من التأثيرات التراكميّة للنشاط والعمل المفيد والمؤثّر والقاسي، وهذا في رأيه هو جوهر الاتّصال الحقيقيّ والعلاقة بين الصين وإفريقيا .
مصالح متبادلة
يستعرض الكاتب في الجزء الثالث بعنوان آراء إفريقيّة وجهات نظر الكتّاب الأفارقة حول ما طرحه في ثلاثة مقالات، وفي الأولى بعنوان الصين وإفريقيا: وجهة نظر إفريقيّة يناقش باتريك مازيمهاكا، الذي جاءت خبرته من كونه كان مسؤولاً رسميّاً ضمن الاتّحاد الإفريقيّ، وكشخص تربّى في إفريقيا، وكان شاهداً على المساعدة الصينيّة القيّمة بشكل كبير لإفريقيا .
يبدأ مازيمهاكا بلمحة تاريخيّة عن الدور الصينيّ في إفريقيا، وارتباطاتها منذ العصور الوسطى، ويشير إلى أنّ التعاون السياسيّ برز في الساحة الدوليّة خلال العقود الستة الأخيرة، مرفقة بالمساعدات الصينيّة، وأعقبتها استثمارات وتجارة جدّيّة في العقدين الأخيرين .
كما يرى أنّ الموجة الحالية الواضحة في الارتباط الاقتصاديّ ينسجم بشكل متين مع الاقتصاد السياسيّ الحاليّ لكلّ من الصين وإفريقيا، وإفريقيا تقوم بعمل جيد للتعلّم من النمو الاقتصاديّ السريع من الصين على مدى السنوات الثلاثين الأخيرة بهدف تشكيل سياساتها التنموية الخاصّة بها، وهذا لايعني أنّ طريق النمو الصينيّ ينبغي أن يحاكي الدول الإفريقيّة، لكن هناك دروس لابدّ من التعلمّ منها، كما يجب الاستفادة من الاقتصادات الناجحة الأخرى للصينيّين والأمريكيين .
يرى مازيمهاكا أنّ التعاون الإفريقيّ الصينيّ له موطئ قدم قوي، إذ إنّ هناك توافقاً شديداً بين المصالح في النطاقين الاقتصاديّ والسياسيّ . وعلى الرغم من أنّ التودّد كان ثنائياً، فإنّ الصين كانت أوضح حول الشكل الذي أرادت أن تأخذه هذه العلاقة . وإفريقيا من ناحيتها نتيجة لطبيعتها، تجمع من الدول السيادية، تفتقد إلى التماسك الضروري للاستجابة إلى التحدّيّ بدرجة مناسبة من السرعة .
ويشير مازيمهاكا في ردّه على جان أنّه على الرغم من الضجّة الإعلاميّة في الأكاديميات والإعلام الإفريقيّ والغربيّ تبقى إفريقيا غير مهمّة في علاقات الصين التجاريّة مع العالم، فوفقاً لمنشور حديث لبنك التنمية الإفريقي، يظهر أنّ الشراكة التجارية الصينية الإفريقية الأكبر ليست مع الصين مقارنة مع الولايات المتحدة، وأوربا، وآسيا، وأمريكا اللاتينيّة .
كما يجيب عن السؤال الذي لا يتطرّق إليه أحد كما يرى وهو: بماذا يشعر الأفارقة تجاه الصين؟ وماذا تمثّل الصين بالنسبة إليهم؟ حيث تشعر بعض البلدان الإفريقية الغنية أنّ الصين تقوم باستغلالهم، رغم الروح الكونفوشيوسية التي تستخدمها في علاقاتها، إلا أنّه لا يمكن للدول الإفريقية الغنية أن تشبّه هذا الاستغلال بالاستغلال الغربيّ المتعالي . ومن وحي الحوار الثلاثي الذي حضره مازيمهاكا يشير إلى أنّ الأفارقة في المجمل ينظرون إلى علاقتهم مع الصين علاقة تقاطع مصالح لا أكثر .
وفي ختام كلامه يرى أنّ العلاقات الإفريقيّة مع الصين هي حاسمة، ويتأمل من القادة الأفارقة ألا يتخلّفوا عن الركب الاقتصاديّ الصينيّ السريع، وضرورة استغلاله لمصلحة شعوبهم، خاصّة أنّ الفرصة مواتية اليوم لإقامة تعاون اقتصاديّ يقوم على مبدأ الربح للطرفين، ويتوجّب على إفريقيا أن تستفيد منها .
التنافس أو الشراكة
أما في المقال الثاني بعنوان التنافس أو الشراكة؟ الصين، الولايات المتّحدة وإفريقيا - وجهة نظر إفريقيّة يشاطر الباحثون رأي باتريك مازيمهاكا الذي شاركهم بدوره في هذا المقال، وهم: لوبو دو ناسكيمونتو، ويليام لايكوروا، غريغ مايلس، جو مولو، سيدني موفامادي ومايكل سبايسر .
توضّح هذه المقالة جوانب التقارب والتباعد بين المصالح الإفريقيّة والدول العظمى، وتتناول ما يمكن لإفريقيا أن تقوم به لضمان نشاط القارّة المتصاعد لمصلحتها في الوقت الراهن .
ويشير الباحثون إلى أنّ مسيرة الصين الصاعدة في إفريقيا هي ربّما متعلّقة بالتنمية، التي تعدّ الأكثر أهمّيّة بالنسبة لإفريقيا منذ نهاية عصر الحرب الباردة . ولاشك أنّ هذا الاهتمام بإفريقيا أثار اهتماماً في إمكانية الصين الاقتصاديّة، وزاد من التركيز على إفريقيا في الشؤون الدوليّة، وبرزت صورتها أكثر بسبب النمو الاقتصاديّ الحالي لديها، وهذا بالتالي دفع إلى بذل المزيد من الجهود للتعامل مع الصراعات، وفرض نظام مؤسساتيّ على أنظمة الحكم في إفريقيا . ويشيرون إلى أنّ ارتباط الصين مع إفريقيا قد أنهى الرضى الأمريكيّ والأوروبيّ من أنّ إفريقيا كانت دائماً ضمن نطاق تأثيرهم .
كما يؤكّدون أنّه ما من قوّة عظمى تظهر هذا الاهتمام بالقارّة الإفريقيّة كالصين، وكان المنتدى حول التعاون الإفريقي الصينيّ في نوفمبر ،2006 الذي حضره أغلب الرؤساء الأفارقة، من أكبر اللقاءات الدبلوماسيّة، كما أنّ الرئيس الصينيّ هو جين تاو خلال زياراته إلى إفريقيا، كان يزور عدداً من الدول الإفريقيّة الغنيّة بالنفط وتساءل الباحثون: هل المستوى الاستثنائيّ من الاهتمام الصينيّ يعكس النضج الاقتصاديّ الصينيّ والإفريقيّ، أم هل يمثّل شيئاً مضرّاً، بمعنى محاولة حديثة لاستغلال مصادر إفريقيا الطبيعيّة؟ هل هي لمصلحة إفريقيا؟ وكيف يظهر التنافس الصاعد بين الصين والدول الأوروبية والولايات المتحدة حول المصادر الطبيعيّة الإفريقيّة؟ .
يشير الباحثون إلى أنّ التدخّل الصينيّ الجديد يأتي في مرحلة ديناميكيّة في تاريخ إفريقيا، إذ إنّه بعد سنوات من النظر إلى إفريقيا على أنّها قارة ميؤوس منها، تأتي لتتصدّر المشهد العالمي . وهذا أثّر في زيادة المساعدات السنويّة التي تصل إلى ما يقارب 50 مليار دولار سنويّاً، كما أنّ الاستثمارات الجديدة تدفّقت، خاصّة في قطاع الطاقة، إلا أنّهم يجدون أنّ هناك عوائق حاسمة للقاّرة الإفريقيّة، تتموضع بشكل أساس في انتشال 800 مليون إفريقيّ من براثن الفقر، والاستمتاع بالثمار التكنولوجيّة للعولمة إلى جانب تدفّقات التجارة ورأس المال .
وفي رأيهم ربما يكون من الضروري خلق مجموعة جديدة تعمل على وضع أساليب ومبادئ العمل والتعاون مع إفريقيا، ومثل هذه المبادئ يمكن أن تشتمل على أهمّيّة إعطاء الاختيار الديمقراطيّ الشعبيّ الإفريقيّ، إضافة إلى قضايا المصلحة المتبادلة المتعلّقة بمنع الصراعات، والتلاحم مع الاقتصاد العالميّ، والرعاية الصحيّة، والطاقة، والحكم الصالح، وبناء القدرة .
ويشدّدون في هذا المقال على ضرورة أن يكتب الأفارقة ويمتلكوا هذه المبادئ إذا ما أرادوا أن ينجحوا في القرن الواحد والعشرين . ويجدوا أنّ السير في هذا الطريق سوف يزيد من الحصّة الإفريقيّة في الاقتصاد العالمي .
عن الهند وإفريقيا
يتناول الباحث سوميت روي العلاقات الهندية الإفريقية في المقال الأخير من الكتاب وماذا عن الهند وإفريقيا؟، إذ يجد أنّ الهند أيضاً قوة اقتصادية صاعدة في عالم معولم، وكانت لها روابط قويّة مع إفريقيا .
يجد روي أنّ التبادل المتنامي في ما يخصّ التجارة والاستثمار بين الهند وإفريقيا مدفوعة بتغيّر في الاستراتيجيّة الدبلوماسيّة من السياسة إلى الاقتصاد، وهذا -في رأيه- يجابه بالتغيّر والتطوّر الهيكليّ الإفريقيّ ويغزو الجانب السياسيّ والثقافيّ، ويجد أنّه يتوجّب رؤية التفاعل على أنّه جانب من التداخل المعقّد لإفريقيا مع الدول والمؤسسات ضمن وماوراء إفريقيا، ويرى أنّه على الدول الإفريقية أن تسخّر جوانب القوة الداخلية لديها لتحقيق رؤيتها التنموية . ويشير إلى أنّ الروابط الإفريقيّة الهنديّة تظهر في إطار العولمة، التي تشكّل التحدّي الرئيس في القرن الواحد والعشرين .
يتحدّث روي عن العلاقة التاريخية التي تربط الهند بإفريقيا، التي ترجع إلى القرن الثامن عشر عن طريق التجارة والهجرة، ويشير إلى مهاتما غاندي عندما كان في جنوب إفريقيا ودافع عن حقوق الهنود هناك، وأكّد حينها أنّ العلاقة بين الهند وإفريقيا يجب ألا تكون على أساس الاستغلال والتجارة التقليديّة، كما في الفترة الاستعماريّة، بل على أساس التبادل الإنسانيّ قائلاً في ذلك: إنّ التجارة بين الهند وإفريقيا ستكون على صعيد الأفكار والخدمات .
ويشير روي إلى أنّ التفكير الهنديّ بإفريقيا خلال فترة الحرب الباردة كان على أساس خمسة جوانب أساسيّة: التعاون الاقتصاديّ، الارتباط مع أشخاص من أصول هنديّة، مكافحة الإرهاب ومنعه، الحرص على السلام، ومساعدة قوات الدفاع الإفريقية .
ويرى أنّه على الدول الإفريقيّة أن تبتكر استجابات قويّة في التبادل مع الهند لتمكينها على مواجهة التحديات الرئيسة الناشئة عن العولمة . وهذا يتجلّى في سياق ارتباطاتهم مع المنطقة والمؤسسات ضمن وماوراء إفريقيا من خلال السعي إلى حكم جيد . ويجد أنّ البتادل الإفريقيّ الهنديّ لابدّ أن يتمّ رؤيته ببساطة كوجه مهمّ من مرحلة ديناميكيّة، وعلى الدول الإفريقيّة وشعوبها أن تسخّرها لمصلحتها وتستفيد منها . ويقول في نهاية مقاله: يتوجّب تشكيل وتنفيذ استراتيجيّات من خلال المؤسسات الرئيسة على المستوى المحلي (بما فيها الحركات الاجتماعيّة والمدنيّة) والوطني والدولي . وعلى صنّاع السياسة أن يتنقّلوا بين استراتيجيات المساومة في وجه الهند والقوى الصاعدة الأخرى والدول المتطوّرة، وهذا ربّما يمكّن إفريقيا من التلاحم البنّاء في عالم متغيّر .
مستقبل الصين وإفريقيا
مرّت الصين بعدد من المراحل في إفريقيا، والكاتب بدوره يشير إلى أنّ العصر الحالي قد شهد ثلاث مراحل مختلفة من الارتباط الصينيّ في إفريقيا، والرابعة تبدأ للتوّ، ونشير إلى هذه المراحل:
* أولاً: كانت الفترة التي جاءت بعد مؤتمر باندونغ 1955 مرحلة من المثاليّة الأصليّة ترافقت مع ما أصبح عدم الانحياز، وبدايات السخاء تجاه إفريقيا .
* ثانياً: مرحلة الحرب الباردة، حيث كان دخولها في إفريقيا مشروطاً، على الأقل بشكل جزئيّ، وبشكل جدّيّ بعض الأحيان، من ناحية التنافس، ليس مع الغرب بل مع الاتّحاد السوفييتي . وكانت الصين وسط التناقضات التي أثيرت منغمسة بعمق رغم ذلك في نجاح أكثر من حركة تحرير .
* ثالثاً: وهي المرحلة التي سبّبت شكلاً من الهلع في الغرب، إذ تضمّنت المساعدة الصينيّة المبكّرة، خطوط السيولة، احتياط الهندسة المدنيّة الهائل، وذلك كبديل لوصول طويل الأمد إلى استخراج النفط والمعادن .
أمّا المرحلة الرابعة، التي بدأت الآن، فهي مرتبطة مع نمو السكان الصينيّين الشتات في إفريقيا . هؤلاء لديهم علاقات مباشرة مع الصين، لكنّها تتضمّن رقماً كبيراً من المقاولات الخاصّة ليس بالضرورة ضمن نطاق الدولة الصينيّة أو تحكّم الحزب الحاكم بشكل مباشر .
ويشير الكاتب إلى أنّ الطبقات والأجيال المختلفة من الصينيّين أنتجت مجتمعات التصقت مع بعضها ووضّحت انشقاقات عميقة وخطوط الصدع، كما تمّ تصدير الجريمة من الصين إلى هذه المجتمعات التي غالباً ما تشكّلت من خلال العلاقات الفاسدة مع المسؤولين الأفارقة . وستكون قضايا مثل العرق، الطبقة، والفساد الماليّ حاضرة في المرحلة الرابعة في رأيه . كما يجد أنّ القليل من العمل البحثيّ أجري حول هذا الموضوع إلى الآن .
ويجد في النهاية أنّ العالم قادم إلى إفريقيا، أو على أقل تقدير العالم قادم بأعداد أكبر وبقوّة أكبر إلى إفريقيا . ويشير إلى أنّ كلّ عهد يقدّم إمكانات ونقاط ضعف جديدة، وبرأيه تكمن المشكلة في الكثير من التحليلات الغربيّة بالنسبة للصين في إفريقيا عندما تأخذ غالباً ما يسمّونه المرحلة الثالثة كشيء جديد ومقوّض للمصالح الغربيّة .
ويشير الكاتب ستيفن جان في نهاية بحثه إلى أنّه رغم كلّ هذا الصخب حول الاستثمارات الصينيّة في إفريقيا، إلا أنّ الاختراق الصيني الاقتصاديّ لإفريقيا بالكاد ما يشكّل خصماً ثابتاً ومستمرّاً للاستثمارات الغربيّة وأحجام التجارة الكبيرة، ويؤكّد أنّ ما يجب أن تسعى إليه الحكومة الصينيّة هو أن تعرف نفسها وأن تفهمها أكثر، كي تدير اقتصاداً يقوم على نظام أخلاقيّ حقيقيّ في إفريقيا .