خلال اجتماع مغلق في أوائل العام ،2011 كان منظمو وول ستريت على وشك الاعتراف بهزيمتهم في قضية هي الأخطر التي كانت مطروحة أمامهم .

وأقر أعضاء هيئة الأوراق المالية والبورصة في نيويورك أنهم توصلوا إلى حل تلو الآخر خلال العامين الماضيين واستنتجوا أن مقاضاة الرؤساء التنفيذيين في بنك ليمان برازرز عمل غير مبرر قانونيا . وأقر أعضاء الهيئة بأن المدعين العامين و ال إف بي آي مكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي قد تخلوا نهائيا عن إدراج القضية على أنها جنائية وتوصلوا إلى اتفاق جماعي بإغلاق معظم التحقيقات المهمة الناجمة عن الأزمة المالية، وذلك طبقا لمسؤولين حضروا الاجتماع الذي لم يسبق أن نشرت تفاصيله .

لكن ماري تشابيرو رئيسة مجلس إدارة هيئة الأوراق المالية والبورصة تخالف هذا الرأي .فقد دفعت جورج كانيلوز، الذي كان يشرف على تحقيقات ليمان، باعتبارها رئيسة للهيئة، إلى إيضاح الطريقة التي أدار فيها الرؤساء التنفيذيون في ليمان عملية الإفلاس الأضخم في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وإلى إمكان نجاتهم وخلوهم من أية قضية مدنية واحدة تلصق بهم . وردت تشابيرو على تلك الإيضاحات بالقول: الأمر لا يزال غامضاً بالنسبة لي وجاء ردها خلال الحوار المتوتر الذي دار بينها وبين جانيلوز في مكتب المؤتمرات الخاص بها في واشنطن . كما جاء في تصريحات لأولئك المسؤولين الذين لم يفوضوا الإدلاء بأية تصريحات حول القضية .

وتساءلت تشابيرو: ماذا تعني أن القضية أسقطت؟ وواصلت حوارها وهي تحملق في عيني كانيلوز وهي توجه له النصائح بأن يواصل التحقيق تجاه قيام ليمان بتضليل المستثمرين في البنك مشيرة إلى أن العالم لن يفهم ما آلت إليه القضية .

لقد كانت تشابيرو على صواب فبعد خمس سنوات من انهيار ليمان الذي نجم عنه حالة من الذعر الاقتصادي في أنحاء العالم، تواجه الحكومة الأمريكية أسئلة بقيت عالقة حول قرار عدم مقاضاة الرؤساء التنفيذيين في البنك مثل ريتشارد إس فولد جيه آر الذي كان يدير ليمان على مدى 14 عاما حتى انهيار البنك . . والجدير أن أياً من الرؤساء التنفيذيين الكبار في بنك وول ستريت لم توجه إليهم تهما جنائية بعد تفجر الفقاعة المالية .

واللافت أيضاً أن الموعد النهائي الذي حددته الحكومة الأمريكية لرفع قضايا وتهم ضد أولئك الرؤساء التنفيذيين سينتهي أجله الشهر الحالي سبتمبر وهي الذكرى السنوية لانهيار ليمان التي تذكر بالقضية وبتداعياتها المشؤومة .

والواقع أن المدعين الفدراليين و هيئة الأوراق المالية والبورصة لم يعلنوا رسمياً عن قراراتهم بإغلاق التحقيقات حول قضية ليمان .

لكن قيام صحيفة نيويورك تايمز بفحص القضية واستناداً إلى مقابلات مع العشرات من المحامين والمسؤولين الذين فوضوا القيام بتحقيقات والقيام بعملية مراجعة لوثائق إشهار إفلاس البنك أسدلوا الستار على المشاورات الخاصة والمناوشات الفلسفية التي أحاطت بقرار عدم إثارة أية تهم ضد الرؤساء التنفيذيين في البنك . وتوصلت هيئة الأوراق المالية والبورصة بكل هدوء إلى القرار في العام 2012 بعد مشادات المسؤولين طوال أشهر حول ما إذا كان ليمان شطب معلومات مادية خلال الانكشاف على المستثمرين، وتعد تلك من العناصر القانونية المهمة . ورأى كانيلوز أن ذلك الشطب لم يكن ماديا . وأما أولئك، الذين أثاروا شكوكاً حول هذا القول، مثل تشابيرو وبعض المحاسبين والمسؤولين عن تطبيق القانون، فقد أذعنوا لفريق كانيلوز الذي اقترب جدا من التوصل إلى أدلة .

كما أثارت هيئة الأوراق المالية والبورصة مسألة إلقاء اللوم على الرؤساء التنفيذيين لبنك ليمان، ولكن فريق كانيلوز راوغوا وقالوا إن فلد لم يكن يعلم أن ليمان كان يستخدم وسائل التشكيك حول الحسابات على الرغم من شهادة مقدمة من رئيس تنفيذي آخر في ليمان الذي طرح شهادة مغايرة . ولم تستمزج تشابيرو أدلته رغم تحذير مسؤولين في الهيئة من أنه لا يجوز أخلاقيا بالنسبة لشخصية سياسية مثلها فعل ذلك .

كما أن كانيلوز كان يحصل على دعم معنوي من روبرت خزامي الذي كان يدير وحدة تطبيق القانون في الهيئة في ذلك الوقت .

ولكن خلال اجتماعات كبير المسؤولين في هيئة الأوراق المالية والبورصة لورين رايزنر، وكان الرقم 2 بين المسؤولين عن تطبيق القانون في الهيئة، اقترح تحضير مسودة اتهامات محتملة حتى يمكن أن يكون لدى الهيئة وثيقة دامغة يمكن مراجعتها، ولكن كانيلوز امتنع عن التصديق عليها، بحسب المسؤولين الذين حضروا الاجتماع في العام 2011 .

وقال المسؤولون إن كانيلوز بدلا من المسودة اقترح أن تنشر الهيئة تقريرا يوضح للناس القرار لتجنب إصدار اتهامات . ورفضت تشابيرو ومسؤولون آخرون في الهيئة هذا الرأي واقروا أن مسودة كانيلوز الأولى بدت أنها شديدة التعاطف مع بنك ليمان .

وبينما رفضت الهيئة التعليق على قضية ليمان بالتفصيل، قال ناطق باسم الهيئة: هناك نقاشات صحية ومناظرة حول القضايا الواقعية والقانونية على مستويات كثيرة للهيئة فيما يخص التحقيقات ذات الأهمية . ولكن في نهاية المطاف فإن القرارات تستند إلى الأدلة والقانون .

وجاء قرار الهيئة في تناقض صارخ مع التقرير الذي قدمه فاحص قضية إشهار الإفلاس في المحكمة المنوطة بهذا الإفلاس، وقد اتهم الرؤساء التنفيذيين باستغلال حيلة الحسابات للتلاعب بالميزانية .

وقال الفاحص انتون فالوكاس، المحقق الفدرالي السابق الذي يترأس حاليا شركة جينر أند بلوك، في مقابلة معه إن هناك الكثير من المناسبات كان لدى الهيئة معلومات ولكن لم تتخذ أي إجراء .

والواقع أن هناك اتفاقا عاما بأن ليمان فشل تحت تأثير الاستثمارات الخطرة في العقارات والعجز عن تمويل عملياته وسط حالة من الفوضى الاقتصادية في العام 2008 . ويتضح، بعد أن وزع فالوكاس تقريره، ما إذا كانت الحكومة قامت فعلا بمراجعة قضية انهيار البنك .

وبالفعل فإن الفحص الذي نشرته صحيفة تايمز يكشف تفاصيل جديدة حول حجم الجهود التي بذلتها الحكومة بأن مسؤولين في الهيئة راجعوا أكثر من 15 مليون وثيقة لبنك ليمان وأجروا لقاءات مع العشرات من الشهود . . وقال مسؤولون إن قرار عدم إثارة اتهامات جاء على الرغم من الآمال المبكرة بين المحققين الذين كان وضعهم الوظيفي يقوم على الاستفادة من التحقيق في هذه القضية المهمة .

ويذكر أن هيئة الأوراق والبورصة التي تتمتع بعبء أقل حول حل قضاياها من السلطات القضائية الجنائية، أقامت دعاوى قضائية مدنية ضد 66 مسؤولاً كبيراً في قضايا ذات صلة بالأزمة المالية .

ونجحت الهيئة في تسوية قضايا بالمليارات تخص بنوكا مثل غولدمان ساكس . وبحسب دراسة جديدة قامت بها جامعة ستانفورد فإن هيئة الأوراق المالية والبورصة رفضت توجيه التهم ضد أفراد من الموظفين في 7 في المئة من قضايا الاحتيال المالي .

وبالمجمل فإن استمرار غياب قضايا جنائية موازية ضد كبار الرؤساء التنفيذيين يعكس حجم التحدي الذي يواجه التحقيقات ضد الموظفين وفيها أن المدعين العامين يسعون بكل جهد لتحديد التعاملات الخطرة التي قد تؤدي إلى ارتكاب مخالفات قانونية . فعندما تكون الأدلة غامضة وتشوبها الضبابية فإن المدعين العامين أحياناً يترددون في توجيه أية اتهامات للرؤساء التنفيذيين الذين يمتلكون المال للمجابهة بدلاً من التسويات . وتعلق ريتا غلافين، المدعية العامة الاتحادية السابقة التي تتولى حاليا الدفاع عن شركة سيوارد أند كيسيل، على هذه المسألة بالقول : مثل هذه القضايا لا تشبه التحقيق في جريمة قتل حيث تتوفر لديك جثة الضحية، ويكون لديك علم بأن جريمة ارتكبت .

وبدت قضية ليمان كما لو أنها حالة استثنائية . والمعروف أن المدعين الاتحاديين في مانهاتن وبروكلين ونيوجيرسي تدفقوا على بنك ليمان في الأيام الأولى التي تلت الانهيار . وأوكل التحقيق إلى فريق من ثمانية أعضاء في هيئة الأوراق المالية والبورصة وتضمن الفريق محامين كبار ومحاسبين والعديد من الأشخاص الذين أوكل إليهم التحقيق في قضية ليمان على نحو خاص .

ويسلط المدعون العامون وهيئة الأوراق المالية والبورصة جل اهتمامهم حول ما إذا كان الرؤساء التنفيذيون في ليمان قد عمدوا إلى تضليل حملة الأسهم من خلال عرض تقويمات متفائلة على الوضع الصحي للبنك قبل خمسة أيام فقط من انهيار البنك .كما قامت السلطات بالتدقيق حول ما إذا كان الرؤساء التنفيذيون قد بالغوا في منح القيمة لمحفظة العقارات التجارية .

وبدلاً من ذلك ركز المحققون بشكل كثيف على ريبو 105 . واحتاجوا إلى الإقرار بأن الرؤساء التنفيذيين في ليمان استخدموا عن سبق إصرار ممارسات المحاسبة لتضليل المستثمرين أو أنهم لجؤوا إلى ذلك بتهور . ويعرف أن كالان كانت تشغل منصب المسؤولة المالية الأولى في البنك لمدة ستة أشهر فقط، واستنتجوا أن قدرتهم على الحصول على برهان ضعيفة .ورفضت كالان الرد على أية تعليقات خاصة بهذه المقالة . وكان دور فولد أكثر صعوبة في انتزاع أي اعتراف . وأبلغ بارت ماكديد، وهو رئيس تنفيذي آخر في ليمان، فالوكاس أن فولد كانت لديه معرفة بالمصطلح ريبو 105 وكان يعلم تماما حول المحاسبة . لكن فولد أبلغ هيئة الأوراق المالية والبورصة في نيويورك أنه لم يسمع قط بمصطلح ريبو 105 وهو ما أدى إلى إضعاف القضية . وقد رفض أحد محامي فولد التعليق .

خريطة الطريق

بدا تقرير فالوكاس الذي نشر في مارس/آذار العام 2010 أنه يوفر خريطة طريق للتحقيقات الاتحادية في قضية رؤساء ليمان التنفيذيين .

ولكن بعد مضي فترة قصيرة من نشر التقرير، فقد المدعون العامون ومكتب التحقيقات الفدرالي الرغبة في متابعة القضية . واكتشفوا أن ريبو 105 ليس لها أي شأن بانهيار ليمان وسمح للبنك تقنيا بالمقاضاة طبقا لقاعدة الحسابات الغامضة . وبينما صادق محامو لندن على ريبو 105، شعر المدعون العامون في مانهاتن أيضا بالقلق إزاء التردد في تأكيداتهم أن الرؤساء التنفيذيين عملوا على تضليل المستثمرين .

وفي خلال ذلك واصلت هيئة الأوراق المالية والبورصة تحقيقاتها . ولكن ما لبث فريق كانيلوز أن فقد مبادراته . واستبعدت مقاضاة ليمان نفسها لأن البنك كان أشهر إفلاسه . وقرر الفريق أيضا الإحجام عن مقاضاة فولد بسبب فشله في الإشراف ومراقبة عمليات التورط في ارتكاب مخاطر معتقدا بأن هيئة الأوراق المالية والبورصة ليس لديها أية سلطة للقيام بمثل هذه الإجراءات .

ملامح احتيال

ما لفت الأنظار أكثر هي ممارسات الحسابات لبنك ليمان .وتضمن تقرير فالوكاس، فاحص محكمة الإفلاس، حول فشل ليمان، انتقادات وتوبيخ حاد في نحو 2200 صفحة . وقد رسم التقرير ملامح احتيال المحاسبة التي سماها بالتلاعب في الميزانية .

وأتاح التلاعب ل ليمان الفرصة لتحويل أموال من الميزانية وعرضها على أنها ضمانات لمقرض خارجي وبدوره عرض على ليمان قرضا قصير الأجل . و تعاملليمان مع الصفقات على أنها مبيعات وليست دينا ويعني ذلك أن البنك بدا وكأن قروضه أقل مما هي عليه فعلا . وقال فالوكاس العجز عن العثور على مؤسسة قانونية في الولايات المتحدة للمصادقة على أية خطط أدت إلى قيام ليمان بتوكيل مؤسسة قانونية في لندن لمباركة تصرفاته .

وأعلن أحد الرؤساء التنفيذيين في ليمان، في رسالة الكترونية، أن هذا التصرف عبارة عن حقنة مخدرة تخدم مصلحة البنك .

والجدير أن ليمان طالما لجأ إلى ممارسة تعرف بريبو 105، في نهاية الفصول المالية للبنك قبل أن تنشر تقريرا بالنتائج . ففي نهاية الربع الأول من العام 2008 تحدث إجمالي ريبو 105 عن استخدامه ل 1 .49 مليار دولار وهو مبلغ ضخم أدى إلى تقليص نسبة الفعالية المالية ل ليمان .

وكان ليمان قد أشار إلى التخفيض في بيان خاص بالأرباح ولكنه لم يكشف أبدا عن أن المبلغ المشار إليه جاء جزئيا من ريبو 105 . وفي ضوء ذلك، وضع فالوكاس خطة ممكنة لرفع قضية مدنية ضد فولد والمسؤولين الماليين الكبار في البنك بمن فيهم إيرين كالان التي كانت تشغل منصب المسؤول المالي الأول خلال معظم فترة العام الذي انهار فيه ليمان . وقال فالوكاس إن فولد كان مهملا بصورة عظيمة لأنه سمح لليمان بإصدار بيانات مضللة ماديا حول صحة البنك .

الأدلة المادية

توصل فريق هيئة الأوراق أيضا إلى نتيجة مفادها أن ريبو 105 لم تكن تملك الأدلة المادية الخاصة بالمستثمرين لأن نسبة الفعالية المالية للبنك كانت تتجه نحو الانهيار بصرف النظر عن ريبو 105 .

وأطلقت تلك الخاتمة موجة من الخلافات في الرأي بين المحاسبين الكبار في الهيئة ورئيس وحدة الهيئة التي كانت تشرف على انكشافات البنك وأثارت تساؤلات كثيرة خاصة بالنتائج .

وحثت شابيرو كانيلوز لمواصلة التنقيب لاكتشاف حقائق جديدة . لكن كانيلوز المدعي الاتحادي السابق الذي يترأس وحدة تطبيق القانون في هيئة الأوراق المالية، لم يحرك ساكنا .

وعلى الرغم من الضغوطات السياسية، فقد أبلغ زملاءه في أحد الاجتماعات: إنكم لن تتمكنوا من إدانة الرؤساء التنفيذيين في ليمان، ما لم تكن لديكم أدلة صارخة . وقال: إن مهمتنا هي السعي لتحقيق العدالة .