في مطلع مجموعته القصصية دهشة لوميض باهت، وصف الروائي والقاص عبده خال نصوص المجموعة بأنها محاولات الوصول إلى الأصعب: قصص قصيرة جداً . وقد كرر الكاتب صفة المحاولات مرتين، مؤكداً صعوبة كتابة مثل هذا الجنس الأدبي، الأمر الذي يستدعي المهتم للتوقف عنده، ومن ثم محاولة رصد مثل هذا الجنس الأدبي الوليد وسماته وتقنياته .

لقد استخدمت تسميات عدة لمثل هذا النوع من الكتابة، منها القصة الومضة والقصة القصيرة جداً والأقصوصة واللوحة القصصية وكذلك المقطوعة القصصية، ولعل أشهرها، في الدراسات النقدية العربية الحديثة، هو القصة الومضة والقصة القصيرة جداً أما في الدراسات النقدية المكتوبة باللغة الإنجليزية، فإلى جانب التسميتين السابقتين نجد أيضاً مصطلح micro fiction، ويمكننا مقاربته عربياً بمسمى القصة المتناهية القصر أو المتناهية الدقة .

وباستعراض التسميات السابقة ونماذجها أجدني أكثر ميلاً إلى ما ذهب إليه عدد من النقاد العرب ومنهم د . جميل حمداوي ود . يوسف حطيني في اعتماد تسمية القصة القصيرة جداً لتأكيد أمرين أساسيين هما: القصر والطول، وهما سمتان أساسيتان لهذا الجنس تميزانه عن غيره . ومن أجل ابقاء هذا الجنس ضمن النوع، وهو السرد .

وأما الوصف بالقصيرة جداً وإن كان معياراً يرتبط بالحجم فإنه أحد العناصر المهمة للتمييز بين الأجناس المنضوية تحت هذا النوع، وعلاوة على ذلك نبقي العلاقة واضحة ودائمة بين القصة القصيرة جداً والقصة القصيرة، نظراً لما بينهما من تشابه وخاصة في معظم التقنيات الفنية، وأما التسميات الأخرى فتشير أحياناً إلى نوع من أنواع القصة القصيرة جداً أو تقنياتها .

إن التركيز على الحجم بالسؤال: كم طول النص؟ لا يراد منه اهمال العناصر الأخرى، وإنما ابراز إحدى السمات المهمة لهذا الجنس، لأنها ستؤثر في البناء اللغوي والتقنيات الفنية . وفي المقابل فإن كل نص قصير لا يعني أنه قصة قصيرة جداً، فلابد أن تتوافر فيه بعض العناصر القصصية مثل الشخصية والحدث والحبكة . وإذا كان الحجم يطرح للتمييز بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً فإنه أحد الأسئلة التي طرحت أيضاً عند تصنيف القصة القصيرة وتمييزها عن الرواية .

وإذا قسنا على ذلك فإن القصة القصيرة تصبح في وسط المسافة بين الرواية القصيرة والقصة القصيرة جداً . ولذلك فإن الحجم يعد عاملاً حاسماً في تحديد الجنس الأدبي . وإن كان عاملاً كمياً، ويقاس بالطول إلا أنه وسيلة أساسية للبدء في التصنيف بين الأجناس داخل النوع السردي، إضافة إلى أثره في النواحي الجمالية والبنائية .

وإذا كانت الدراسات النقدية العربية تشير إلى اختلاف التسمية لهذا الجنس فإن الدراسات النقدية المكتوبة باللغة الإنجليزية تميز بين هذه التسميات بالاعتماد على الحجم من حيث عدد الكلمات ليصنفها على هذا النحو:

- القصة الميكرو Micro fiction، وهي ما بين عشر كلمات إلى 300 كلمة .

- القصة القصيرة جداً Flash Story/Very Short Story وهي القصة التي يتراوح عدد كلماتها من 300 كلمة إلى 1000 كلمة وقد تصل إلى 2000 كلمة في بعض المصادر، بل، وعلى طريقة ادغار آلان بو في تعريف القصة القصيرة بكونها تلك التي تقرأ في جلسة واحدة، فقد ذهب بعض النقاد إلى اشتراط الا يقوم القارئ أثناء قراءة القصة القصيرة جداً إلى قلب الصفحة أكثر من مرة .

- القصة القصيرة Short Story وهي القصة التي يتراوح عدد كلماتها 3000 - 5000 كلمة .

ومما سبق يتضح أن الطول عنصر مهم في تحديد الاصطلاح الأنسب لمثل هذه الأنواع القصصية ومن ثم فإن القصص القصيرة جداً الناجحة هي تلك التي يصعب فيها حذف أية عبارة أو كلمة، لأن وجودها ضروري في بناء القصة، ويترتب على الحذف تغيير القصة أو فقدانها لأحد أهم عناصرها .

إن الحجم ليس معياراً كمياً فحسب، لكنه عامل أساسي أثر في بناء القصة القصيرة جداً من حيث المضمون والتقنيات، لأنه يتطلب من القاص الاعتماد على التكثيف بحذف كل ما هو زائد أو فائض على حاجة النص، ومثال ذلك حذف حروف العطف والكثير من الصفات، ومن ثم يعتمد على الأفعال أكثر من الأسماء، لأن هذا الحذف يمنح لحمة القصة ايقاعاً سريعاً من خلال تلاحق الأفعال، وتتابع الصور الحسية الغائرة بالأحاسيس المشتتة، إنها فوضى تكثف الجمل، وتشعرن اللغة، ومثال ذلك قصة عاشق عربي لسلطان العميمي:

طارت فتحول إلى سماء

مشت فتحول إلى أرض

سبحت فصار بحراً

تحولت إلى نغم، فغدا أغنية

تمنت أن تعيش في الريف، فتحول إلى أشجار وجدران طين وجداول مياه، وعندما دعته للارتباط بها عاد مواطناً عربياً يفرق بين الواقع والخيال .

إن حذف معظم الأحداث غير المؤثرة يمنح القصة تكثيفاً، لأن كلمة واحدة مثلاً قد تغني عن أحداث كثيرة، ويستطيع القارئ أن يتخيلها، وأما من ناحية البناء الفني فمعظم القصص ليس لها بداية، حتى أنها تبدأ من النهاية أو من الوسط، وغالباً ما تكون النهاية مفاجئة وصادمة . ويلعب العنوان دوراً مهماً، ففي قصة عبدة خال قرار:

انتظرت أي طائر ضال يقف بين جدائلها . وفي الأربعين من عمرها جاءها خاطب . وكلما حاولت ادخال محبس الخطوبة في خنصرها، ضاق وحت لحم أصبعها، فأبقت على حلمها من غير أنامل .

إن القصة القصيرة جداً لها فكرة مركزة، لكنها غنية بما تحمله من اشارات أو تناصات سواء أكانت تاريخية أم اجتماعية أم أدبية أم غيرها فإنها تحيلنا إلى نص سابق، يلقي بظلالها على النص . وأقف عند قصة هي والذئب لسلطان العميمي لنرى العلاقة بين النصين:

لم أكن ذئباً

ولم تكن ليلى طفلة وديعة

سألتني: لماذا كفاك كبيرتان؟

أجبتها: كي تريهما حين ألوح للفرح كلما ابتعدت عني

ولماذا ذراعاك طويلتان إلى هذا الحد؟

لكثرة ما تعلقت بأمل رؤيتك دون جدوى

ولماذا كتفاك عريضتان إلى هذا الحد؟

كي لا تعطيا الفرصة لسهامك الطائشة أن تخطئني

قلت هذا، ثم أكلتني ليلى

هنا يتناص سلطان العميمي مع حكاية ليلى والذئب المعروفة، غير أنه من بداية القصة ينفي كونه ذئباً، وينفي عن ليلى الوداعة، ومن ثم ينسف لدى القارئ حكاية ليلى والذئب المعروفة . والراوي هنا محب لليلى، ومتعلق بأمل رؤيتها، ليصدم القارئ بليلى التي تأكله، لتتحول ليلى الضحية في الحكاية المعروفة إلى قاتلة في قصته . فهو تناص مع الحكاية لكنه غير طبيعة العلاقات فيها .

والقاص حذف هنا ظروف هذه العلاقة وأسباب موقف ليلى منه، من أجل التركيز على ما فعلت به . وعلى المستوى الطباعي أو التشكيل البصري للقصة سنجد أن القاص قد عمد إلى ترك فراغ ما يعني أن هناك كلاماً محذوفاً لم يقله، وترك للقارئ مهمة إكماله . ومن ثم فإن قارئ القصة القصيرة جداً ليس مستهلكاً كسولاً ومنتفعاً بالنص فحسب، لكنه أيضاً مشارك نشط، فما يعطيه إياها القاص إنما هي مفاتيح للنص، وعلى كل قارئ أن يسهم بحصته في الفهم وإدراك المعنى كل حسب فهمه وثقافته ووعيه . إن الحذف والإيماء والتناص في القصة القصيرة جداً يتطلب قارئاً قادراً على إدراك المحذوف، وفهم المسكوت عنه، من أجل أن يملأ الفراغات التي تركها القاص الذي يتوقع قارئاً ضمنياً متميزاً، ومتلقياً حقيقياً متمكناً من فن السرد وتقنيات الكتابة القصصية .

يستطيع القاص استخدام معظم التقنيات الفنية، غير أن هناك أموراً لابد أن يراعيها حتى لا يخرج نصه السردي عن القصة القصيرة جداً، فلابد أن تكون هناك شخصية وحدث يتحرك ليصل إلى نهاية ما، لأن غيابهما قد يحيل عمله إلى خاطرة أو حكمة . وإضافة لذلك يفضل عدم استعمال الاسترجاع أي ومضات الماضي (فلاش باك) وينبغي أداء المعلومات حواراً وبمهارة، وليس ثمة متسع من الوقت لتزويقها بأحداث الماضي . والقاص المبدع يستطيع استحضار الزمن الماضي والمستقبل بمهارة وفي كلمات معدودة، إضافة إلى العلاقات الإنسانية المعقدة . ومن ذلك قصة نزهة لعبدة خال: شعر بالاختناق داخل غرفته الضيقة فراودته نفسه بالخروج إلى الفضاء الفسيح، كي يمد رئتيه بالهواء النقي ويبدد وحشته برؤية الناس، وعندما مد خطوته للشارع، واستنشق من هوائه مات .

إن القصة القصيرة جداً هي جنس أدبي حديث، يمتاز بقصر الحجم والايحاء المكثف، والنزعة القصصية الموجزة، والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة واهتم النقاد العرب بنشأتها في الأدب العربي المعاصر، وابراز أهم روادها، وأنواعها، ومدى التشابه بينها وبين بعض الأنواع الأدبية في التراث العربي، وأسباب انتشارها وخاصة في السنوات الأخيرة، وأبرز مواقف النقاد منها، وأفردوا لذلك نقاشاً مهماً في أبحاثهم وكتبهم .