حديث النفس هو ذلك الحوار أو الخطاب الداخلي الذي يحدث بين الشخص وذاته، وغالباً ما يكون نتيجة لتفكيره في أمر من الأمور التي تشغل ذهنه وتسيطر عليه، ولذلك يردد كلمات لا يمكن لأي شخص غيره أن يسمعها، ويطلق على هذا النوع من الحديث مصطلحات عدة فهو أحياناً يعرف بأنه الحديث الداخلي أو الصوت الداخلي أو الحوار أو المونولوج الداخلي أو التفكير الشفهي، وطبقاً لمجلة نيوساينتيت العلمية البريطانية، فإنه من الضروري فهم ماهية هذا الحديث النفسي ومدى تأثيره في مشاعر الشخص وقراراته .

معظم الدراسات الحديثة التي تناولت حديث النفس -الخطاب الداخلي- قامت على نظريات مهمة منذ زمن طويل لعالم النفس الروسي فيجوتسكي الذي عاصر السنوات الأولى للاتحاد السوفييتي، وبدأ يسرد نظرياته من خلال ملاحظته لأطفال يتحدثون إلى أنفسهم خلال اللعب، ومن وجهة نظره فإن هذا الحديث الداخلي الذي يحدثه الطفل ينتج بناء على حواره مع والديه أو أحد مقدمي الرعاية له، وهو يتطور بعد ذلك من خلال التفاعل الاجتماعي، ويمر بعدد من التحولات المهمة حتى يصبح داخلياً مثل أن يتم اختصاره أو إيجازه بالمقارنة بالحديث الخارجي .

وتقترح نظرية فيجوتسكي بعض الاحتمالات عن الطريقة التي يتشكل بها الخطاب الداخلي في المخ، فإذا كان الخطاب الداخلي مأخوذاً عن الخطاب الخارجي، فإنه من المتوقع أن يساعد الخطابان في تنشيط نفس الشبكات العصبية بالمخ، وربطت بعض الدراسات التي أجريت من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي للمخ بين الخطاب الداخلي ومنطقة التلفيف الجبهي السفلى اليساري التي تعرف أيضاً بمنطقة بروكا، وتم التوصل إلى أنها المسؤولة عن عملية إنتاج الخطاب .

وطبقاً لأحد الآراء فإن الخطاب الداخلي هو نفسه الخطاب الخارجي، ولكن من دون نطق الحوار، فالمخ يخطط للكلام ولكنه يتوقف عن دفع العضلات للقيام بعملية النطق، وبناءً على ذلك فإن الصوت الداخلي يردد الصدى بنفس خواص النغمة واللكنة وطابع الصوت مثل الخطاب الخارجي العادي .

وأيد بعض علماء النفس هذا الرأي، ففي معامل نوتنجهام في بريطانيا طلبوا من متطوعين قراءة قصائد فكاهية بشكل صامت في عقولهم، وكان بعض المتطوعين لديهم لكنات إنجليزية شمالية، بينما الآخرون كان لديهم لكنات جنوبية، وبتتبع حركات أعينهم، وجدوا أن القراءة العينية تقطعت في الكلمة الأخيرة في القصيدة التي لم تكن تتماشى مع الإيقاع النغمي للكنة أحد المتطوعين، مما يؤكد أن الخطاب الداخلي له لكنة، ومن المفترض أيضاً أن يكون له خواص مأخوذة عن صوت المتحدث .

ورأى فيجوتسكي أن الكلمات في الخطاب الداخلي تعمل كأدوات نفسية، تماماً مثل استخدام مفك لتفكيك شيء مجمع، فتفكيك الأفكار إلى كلمات يعطيها شكلاً ملموساً ويسهل استخدامها .

وتنبأ فيجوتسكي بأن الخطاب الداخلي الخاص يجعل الشخص يسيطر على تصرفاته، حيث يستخدم كلمات توجه أفعاله، وأن تعطيل عمل الأجهزة الموجودة داخل الجسم والمسؤولة عن الخطاب الداخلي يعيق أداء الشخص عن قيامه بمهام بعينها تتطلب التخطيط والتحكم، مما يفتح المجال للافتراضات .

وفي جامعة درم البريطانية تم إجراء تجربة من خلال النظر إلى أداء مجموعة من الأطفال من سن 7 إلى 10 سنوات عند تخطيطهم لعمل أطلق عليه برج لندن، وتضمن تحريكهم لكرات ملونة حول ثلاث عصي مختلفة الأطوال لتناسب النموذج الموجود أمامهم، واكتشف الباحثون أن الأطفال كان أداؤهم سيئاً عندما كانوا يكررون إحدى الكلمات بصوت عال، بالمقارنة بالمحاولات التي قاموا بها عندما كانوا يخبطون تكراراً بإحدى أرجلهم، وتم التوصل إلى نفس النتائج عندما تم إجراؤها على مجموعة من البالغين عندما طلب منهم الضغط على زر في اللحظة التي يرون فيها مربعاً أصفر يظهر على الشاشة، وألا يتحركون عندما يرون مربعاً بنفسجي اللون، ويعد ذلك من أفضل اختبارات السيطرة على الانفعالات، فالطلاب كان أداؤهم أقل جودة خلال عملية قمع النطق وهي تكرار الكلمة بصوت عال لإخماد أفكارهم الشفهية .

وبما أن الخطاب الداخلي له دور في عملية ضبط سلوك الشخص، فهل يلعب الدور نفسه في تحفيز سلوك معين .

أظهرت الأبحاث التي أجريت على الأطفال أن الحديث النفسي له نكهة عاطفية أو تحفيزية، وفي دراسة أجريت عن جودة الخطاب الداخلي، أكد ثلثا الطلاب ممن يستخدمون الخطاب الداخلي أنهم يستخدمونه إما لتقييم سلوك لديهم، وإما لتحفيزهم على عمل شيء معين .

والخطاب الداخلي يساعد الأشخاص كي يكونوا أكثر وعياً بذواتهم، ويرى الفلاسفة أن الوعي بالخطاب الداخلي ضروري ومهم لفهم الوظائف الإدراكية للأشخاص، التي يطلق عليها علماء النفس ما وراء المعرفة . فالأطفال لا يكونون على وعي تام بخطابهم الداخلي حتى سن الرابعة، ومع ذلك فلا يوجد ما يثبت أنه يعكس قدرتهم على التفكير في العمليات الذهنية .

واكتشف أحد علماء النفس أن الأشخاص الذين يستخدمون الخطاب النفسي يفهمون أنفسهم بطريقة أفضل، فالخطاب الداخلي يجعلهم يحللون عواطفهم ومثيراتهم وأفكارهم والأنماط السلوكية الخاصة بهم .

المصابون بالصم والتوحد لا يستخدمون لغة الخطاب الداخلي، ويرى العلماء أن الصوت الذي يدور داخل الرأس ضروري في عملية المعرفة، ولكن السؤال هنا: ماذا عن الأشخاص التي لا يحدث بداخلها هذا الحديث الذاتي؟

الشخص الأصم الذي يتواصل مع الآخرين من خلال لغة الإشارة، يتحدث مع نفسه بهذه اللغة أيضاً، والأشخاص الذين لديهم توحد ولديهم بالفعل مشكلات لغوية لا يستخدمون الخطاب الداخلي عند تخطيطهم لأمر ما، على الرغم من استخدامهم له في أغراض أخرى مثل الذاكرة قصيرة المدى، ويبدو أن السبب في ذلك هو وجود تلف في مناطق اللغة في المخ التي يمكنها أن تصمت الحديث الداخلي لبعض الأشخاص .

والخطاب الداخلي لا يكون بالضرورة مفيداً للشخص، فعندما تنتاب شخصاً ما حالة من القلق والتفكير فهو يعبّر عن ذلك بكلمات، ولكن الخطاب الداخلي -النفسي- يزيد في أحيان كثيرة من حالة الاكتئاب والقلق المسيطرة على الشخص حيث تظل الأفكار المقلقة بداخل رأسه ولا يتم التخلص منها .

ويرتبط الخطاب الداخلي بصور من الاضطراب العقلي، وأحياناً يرتبط بأشكال أخرى من صور الاضطراب العقلي، فالأشخاص المصابون بأعراض نفسية معينة مثل انفصام الشخصية، وآخرون غيرهم ممن ليس لديهم مرض عقلي أحياناً يتحدثون عن تجربتهم حول سماع أحد الأشخاص يتكلم مع نفسه في الوقت الذي لم يكن هناك أي شخص موجود في المكان نفسه، فسماع الأصوات أو الهلوسة السمعية هي ظاهرة غامضة لم يتم التوصل إلى فهمها حتى الآن، وأوضحت إحدى النظريات أنها تحدث، لأن الأفراد ينتجون كلاماً في الخطاب النفسي أو الداخلي ولا يعرفون أنه يخصهم، ويلصقونه لشخص آخر .

وفهم الخطاب الداخلي بشكل جيد سيساعد على عملية التفكير، وسيحل إحدى المشكلات الفلسفية طويلة الأمد عن كيفية عمل اللغة والمعرفة والوعي سوياً .