شهد تاريخ وثقافة الطعام في الإمارات تغيراً جوهرياً ومر بمراحل متعددة، وما نعرفه عن طعام أهل الإمارات في الأزمان الغابرة مستمد في معظمه من البحوث الأثرية التي تشير إلى أنهم كانوا يعيشون أساساً على امتداد الساحل ويأكلون السمك والمحار، وتشهد على ذلك أكوام النفايات الكبيرة من الأصداف التي كشفت عنها أعمال التنقيب الأثرية على طول ساحل الخليج .

وكان الرجال في الزمن الغابر يخرجون للصيد في عمق البراري الصحراوية سعياً وراء الغزلان والأرانب البرية والزواحف، كما كشفت أعمال تنقيب حديثة العهد في منطقة الصفوح 2 (داخل مدينة الإنترنت في دبي حالياً) آثار مذبح ضخم لأنواع مبكرة من الجمال إلى جانب الغزلان وأبقار الوحش .

كما كانت حبوب القمح والشعير والذرة طعاماً أساسياً لأهل المنطقة منذ 7 آلاف عام وعادة تلك الحبوب تجرش أو تطحن لخبزها، ولا بد أنهم كانوا يستخدمون الحبوب من نباتات برية لتحضير خبزهم، كما كشفت الحفريات في مواقع عديدة في الإمارات تعود إلى ما قبل التاريخ عن الكثير من التنانير (الأفران) التي تشبه تماماً التنور الذي لا يزال يستخدم حتى يومنا هذا .

وتتحدث المراجع عن أن العرب في شبه الجزيرة العربية يشربون القهوة منذ زمن بعيد، ولكن في الإمارات عثر على حبوب قهوة تعود إلى ألف عام خلت في موقع (كوش) قرب رأس الخيمة .

وشهد تاريخ وثقافة الطعام في الإمارات تغيراً جوهرياً منذ الفتح الإسلامي لأرض الدولة وتتوفر موروثات مخطوطة وشفهية عن ثقافة المأكل في المنطقة منذ ظهور الإسلام وحتى ستينات القرن الماضي حين اكتشاف النفط .

وفي الواقع قبل تحول المجتمع الإماراتي من مجتمعات القبيلة إلى مجتمع المدينة في النصف الأول من القرن الماضي لا يمكن الفصل بين نمط الطعام عند أهل البادية وأهل الساحل، لأن كثيراً من أبناء الإمارات عاش حياة البداوة، نظراً لطبيعة الأرض التي ولد فيها وعاش حياة البحر طلباً للرزق .

وللبحث في تاريخ الطعام والغذاء قبل ذلك التحول نجد أن الإبل لعبت دوراً حيوياً في حياة أهل الإمارات فهي مصدر للغذاء ووسيلة للنقل، واحتل الصيد جانباً مهماً من حياة الإماراتي، حيث استخدم الصقور المدربة تدريباً عالياً في اصطياد طائر الحبارى الذي يمثل وجبة دسمة في مائدة البدوي بينما يجدها ابن الساحل في قاع البحر او تحت ظلال النخيل .

وكان البحر والشاطئ الرملي بما فيه من تمور وإبل هو مفتاح الغذاء والطعام في الإمارات قبل قيام الاتحاد، ولذلك ليس هناك ما يحجب ابن الإمارات عن رؤية البحر على امتداد الأفق من ناحية وبحر الرمال على امتداد الأفق من ناحية ثانية .

واعتمد الإماراتي في تلك الفترة على ما تجود به الطبيعة لسد رمق الجوع .

وكانت معيشة البدو تعتمد على قطعانهم، والجمل كان الثروة الأغلى فهو وسيلة النقل ومنه الحليب والطعام والشرب واللحم والشعر والجلد .

وقبل الاتحاد بقليل تطور طعام وشراب أهل الإمارات مقارنة بالمراحل التي سبقتها إذ تحدث عدد من الرحالة الأجانب عن ولائم عامرة كانت قواعد الضيافة تدفع الناس لتقديم موائد كبيرة ومتميزة .

ويقول المواطن حميد الرزي (75 عاماً) من سكان المزهر في دبي الذي عاش حياة البداوة والحضر: اعتمدنا على الركاب (الإبل) في غذائنا نحلب الحليب في وعاء ونخضه في السقا ونأخذ منه الزبدة ثم نفوره على الضو (النار)، وعندما يجمد يوضع على سفرة ويصفى فيكون (جامي) أو يكور كور صغيرة فيصبح (يقط)، أما من كان لديه كمية تزيد على حاجته يقوم بتسويقها وبيعها لمن يحتاج إليها .

وبعد الاتحاد تغير حال الإماراتيين عندما سطع نجم المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وأسس دولة المؤسسات وكبرت الأسواق، وعرف الأهالي الغرف التجارية والدوائر الاقتصادية والموانئ التجارية، وزادت حركة الاستيراد والتصدير والشراء والبيع، ودخلت على الدولة بضائع ومنتجات غذائية كثيرة وجديدة، فتغير السلوك الغذائي والنمط الاستهلاكي للمواطن الإماراتي .

وفي الثمانينات اكتملت البنية التحتية للدولة، وافتتحت أكبر الفنادق والمنتجعات العالمية واستقطبت بدورها أرقى وأشهر مدارس الطبخ العالمية، ثم اتجهت الدولة لتنظيم أكبر معارض الأغذية في العالم . (وام)