عن دار فيرسو البريطانيّة للنشر صدر كتاب الأمم الأفقر: تاريخ محتمل لجنوب الكرة الأرضية في 292 صفحة، ،2013 للمؤلّف الهنديّ فيجاي براشاد، البروفيسور في الدراسات الدوليّة في كليّة ترينتي، في الولايات المتّحدة، ويحمل كرسي جورج ومارثا كلينر في تاريخ جنوب آسيا، وله 14 كتاباً، آخرها بعنوان الربيع العربيّ، والشتاء الليبي .
يتناول الكتاب الدول التي تقع في النصف الجنوبي من الكرة الأرضيّة، حيث يستعرض الأسباب التي جعلتها تعيش حالة من الفقر وسوء التنمية، مقارنة مع الدول في النصف الشمالي .
كما يتطرّق إلى الجهود السياسيّة للقادة في دول الجنوب بعد الحرب العالميّة الثانية من أجل العمل على تحسين التنمية الاجتماعيّة وتحسين مستويات المعيشة وإرساء قيم العدالة، إلا أنّ دول الشمال غالباً ما كانت تفرض عوائق أمام جهود من هذا النوع، وكان المشروع الأطلسي يقف بقوة أمام أيّ تكتّل جنوبيّ محتمل .
ويحلّل الكتاب أيضاً إخفاقات الليبراليّة، وصعود مجموعة بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا) التي تمتلك طموحات متواضعة ومحدودة، لا تلبّي احتياجات ومتطلبات دول النصف الجنوبي، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن مشاريع الليبرالية الجديدة المتقدّمة عسكرياً بدعم من الولايات المتّحدة وحلفائها، واقتصادياً عبر صندوق النقد والبنك الدوليين .
قدّم لهذا الكتاب الدبلوماسي المصريّ السابق والأمين العامّ السادس للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي، الذي أشاد بأهمية الكتاب، ووجد أنّه من الضروري تدريسه في جامعات النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، إذ يجد فيه الكثير من الغنى التاريخيّ، الذي يمكن أن يعبّد الطريق أمام مستقبل هذه الدول .
وفي المقدّمة المطوّلة لبراشاد، يشير إلى أنّ الموجة الهائلة من الحركات المعادية للاستعمار التي بدأت مع الثورة الهايتية في (1791-1804) كسرت شوكة الهيمنة الاستعماريّة، ولم يعد ممكناً القول من حينها إنّ القوّة الأوروبيّة هي التي تحدّد مصير شعوب الكون، وكان يصنّف سلوكها بأنّه غير أخلاقيّ، عند القيام بمغامرات استعماريّة .
في عام ،1928 اجتمع عدد من قادة العالم المعادين للاستعمار في بروكسل في اجتماع ضدّ الإمبرياليّة . كانت تلك المحاولة الأولى لخلق منصّة عالميّة لتوحيد رؤى الحركات المعادية للكولونياليّة من إفريقيا، آسيا، وأمريكا اللاتينيّة، إلا أنّ الحرب العالميّة الثانية منعت حدوث أيّ تقدّم في هذا الأمر حتّى انعقاد مؤتمر باندونغ في إندونيسيا ،1955 حيث اجتمع القادة من إفريقيا وآسيا للتشاور بشأن وضع أجندة كونيّة . لقد دشّن المؤتمر الديناميكيّ مشروع العالم الثالث، وكانت مجموعة من المطالب غير المتماسكة، تتطلّب العمل بحذر عليها من خلال الأمم المتّحدة، وأصبحت في عام 1961 حركة عدم الانحياز .
كان المبدأ الأساسي لهذه الدول الجديدة من آسيا وإفريقيا هو العالم الثالث، الذي لم يكن مكاناً بعينه، بل مشروعاً مدفوعاً بالحركات الجماهيريّة وبالإخفاقات في سوء التنمية الرأسماليّة . من الناحية السياسيّة، أرادت هذه الدول ديمقراطيّة كونيّة أكثر، ورفضت العبودية للدول الاستعمارية، بل لابدّ لهذه الشعوب أن تمتلك القوّة والقدرة على إيصال صوتها إلى المسرح العالميّ، وقد كان هذا الصوت يتحدّث عن ثلاثة موضوعات، نلخّصها بالتالي:
السلام
أصبح واضحاً منذ منتصف الخمسينات وأوائل الستينات أنّ الحرب الباردة بين مجموعتين من القوى العظمى كانت تخلّف نتائج كارثيّة على الكون، حيث كانت المصادر الاجتماعيّة تتعرّض للتلف في سباق التسلّح، الذي شوّه إمكانيّة التنمية الإنسانيّة .
في أوائل ،1950 كانت الولايات المتّحدة تنفق 10% من إنتاجها الإجمالي العامّ على قطاع الدفاع، وقد سبّب هذا التطوّر اللافت غضب الرئيس الأمريكيّ دوايت إيزنهاور الذي اشتكى في خطاب الوداع من تنامي قوّة المجمّع الصناعي العسكريّ، حيث هذا المجمّع لا ينتهي عند حدود الولايات المتّحدة فقط، بل يحاول أن يشمل الكون بأكمله، في رغبة جامحة لدى المجمّع المذكور لبيع الأسلحة إلى كلّ بلدان العالم، ولم يكن من المستغرب بعد تشكيل حركة عدم الانحياز في بلغراد إرسال رئيس الوزراء الهنديّ جواهر لال نهرو، والزعيم الغاني كوامي نكروما إلى موسكو، والرئيس الإندونيسيّ أحمد سوكارنو والرئيس الماليّ موديبو كيتا إلى واشنطن، لتوجيه نداء حركة عدم الانحياز من أجل السلام .
لقد أبقى مشروع العالم الثالث الإيمان على ما طرحه مؤتمر باندونغ الذي دعا إلى تنظيم، وتحديد، وتخفيض الأسلحة والقوات المسلحة والتحكّم فيها، من ضمنها حظر إنتاج، وتجريب واستعمال كلّ أسلحة الدمار الشامل، وإنشاء رقابة دوليّة مؤثّرة لهذا الغرض . وقد كان إنشاء وكالة الطاقة الذريّة الدولية في عام 1957 من صنيع باندونغ، وحجر زاوية لمشروع العالم الثالث .
الخبز
إنّ الدول الجديدة في إفريقيا وآسيا والأجندة الوطنيّة المتجدّدة لأمريكا اللاتينيّة، أدركت بشكل واضح أنّ البلدان التي حكمتها دول استعماريّة عانت الفقر . ويشير الكاتب إلى أنّ اقتصاديّاً مثل راؤول بريبيسغ من الأرجنتين، الذي أصبح المدير العامّ الأوّل لمؤتمر الأمم المتّحدة حول التجارة والتنمية، تحدّى المؤسسات الأطلنطيّة مثل الاتفاقية العامة حول التجارة واللوائح التنظيميّة وصندوق النقد الدولي، التي سماها بريسبيغ مؤامرة ضدّ قوانين السوق . عندما تسلّم بريسبيغ قيادة مؤتمر الأمم المتّحدة حول التجارة والتنمية، الذراع الاقتصاديّة لمشروع العالم الثالث، أعلن عن الحاجة لنظام جديد في الاقتصاد العالميّ، لكي يشتغل السوق بشكل صحيح، ليس فقط لأجل البلدان الكبيرة بل الدول النامية في علاقاتها مع الدول المتقدّمة . وخارج الإطار العام الذي جاهد فيه العالم الثالث في سبيل مراجعة أجندة التجارة الحرة، ولأجل الحصول على أسعار بضائع أفضل، ومن أجل كارتلات البضائع الأساسية (التي خرجت منها أوبك)، ولأجل سياسة كريمة أكثر لأجل تحويل الاستثمار والتكنولوجيا من الشمال إلى الجنوب . وفي كل مرحلة كانت القوى الأطلسية تقاوم، كان العالم الثالث يلجأ إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مع مسودّة النظام الاقتصاديّ الدوليّ الجديد، التي كانت النقطة الأبرز في المشروع العالميّ الثالث .
العدالة
نشأت حركة عدم الانحياز في عام ،1961 وكانت تعتبر أمانة لمشروع العالم الثالث، مع مجموعة ال77 (1964) لتتصرّف بالنيابة عن الأمم المتّحدة . مؤسسو حركة عدم الانحياز (نهرو، عبدالناصر، سوكارنو، تيتو) أدركوا أنّ القليل من أجندتهم سوف تكون قادرة على التقدّم من دون هيكل دوليّ ديمقراطيّ . وكانت الأمم المتّحدة مخطوفة من الدول الخمس الأعضاء الدائمين فيها . وسيطر على صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ القوى الأطلسية، وكانت الاتفاقية الدولية للتجارة والتعرفة الجمركية مصمّمة لإضعاف أيّ محاولة من قبل الدول الجديدة لمراجعة النظام الاقتصاديّ الدوليّ . كان المتأمّل أنّ حركة عدم الانحياز، ومجموعة ال،77 سوف تضغط على كلّ من الغرب والشرق لتقديم فضاء سياسيّ للدول الجديدة، لكنّها لم تفعل ذلك .
يشير الكاتب إلى أنّ وزير الخارجية النيجيري، جاجا واجوكو، ذهب إلى الأمم المتّحدة في سبتمبر/أيلول ،1963 وتحدّث عن المشكلة ببساطة: هل هذه المنظمة تريد أن تكون الدول الإفريقية أعضاء شفهيين فقط، من دون حق في التعبير عن آرائهم حول أيّ مسألة خاصّة بالأعضاء المهمّين في الأمم المتّحدة . هل نحن مستمرّون في كوننا أطفال الشرفة (متفرّجين)؟ .
أرض هشّة
يذكر الكاتب أنّ ذلك كان مشروع العالم الثالث: لأجل السلام، لأجل الخبز، لأجل العدالة، لكنّه وقف على أرض هشّة أمام المسرح العالميّ، حيث لم تكن الدول الجديدة منتظمة . وكان نقص الديمقراطيّة في عوالمها السياسيّة، مع سوء إدارة المصادر الاقتصاديّة تعيق تقدّمها وتطوّرها .
ويرى أنّ الطبقات الاجتماعيّة القديمة وقفت حائرة أمام الحركات الجماهيريّة المعادية للاستعمار، فاستعانت بالنخب القديمة من الجنرالات أو السياسيين من الجناح اليميني لمواجهة الجماهير . بالتالي أعيق هذا المشروع بهذه النتائج، وبتأثير المشروع الأطلسي .
ويستعرض الكاتب مقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في إشارة إلى النظرة إلى الجنوب: لا يمكن لشيء مهم أن يأتي من الجنوب . محور التاريخ يبدأ في موسكو، ويذهب إلى بون، ويعبر فوق واشنطن ثم يعود إلى طوكيو . ما يحدث في الجنوب ليس بذي أهمية .
في عام 1975 التقى سبعة قادة للدول الصناعيّة المتقدّمة في قلعة رامبوييه في فرنسا ليقرّروا مصير الكون، كانوا مجموعة السبعة: الولايات المتحدة، المملكة المتّحدة، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان وكندا . كان لقاء رامبوييه أول لقاء رسمي يجمعهم . وقد توقّف قادة مجموعة السبعة عند ثلاث حقائق، وهي:
أولاً: الأجندة الديمقراطيّة الاجتماعيّة التي أوضح العديد منها أنّ زيادة أضيفت على جوانب معينة، في ما يتعلق بالأجور الاجتماعيّة، وأجور العمال المتململين .
ثانياً: الأجندة الشيوعية، التي أصبحت ملبيّة أكثر، لكنّها لم تكن بعد قادرة على عرض بديل على أولئك العمال المتململين .
ثالثاً: مشروع العالم الثالث، وكان آخر تجسيداتها -سلاح النفط ،1973 مرفقاً بطلب لنظام اقتصادي دولي جديد- جاء كصدمة حقيقيّة .
منافسة شرسة
يفصح الكتاب في فصوله الأربعة عن مشروع العالم الثالث مع النظام الاقتصاديّ الدولي الجديد المطروح على الطاولة أمام دول الشمال . ويشير إلى أنّه لإحباط النظام الاقتصاديّ الدولي الجديد، شكّلت الدول الأطلسيّة الشماليّة مجموعة السبع، التي كانت السلطة التنفيذية لطموحات الشمال . ومن مجموعة الدول السبع، دحض سياسيّو الأطلسي الليبراليّة الأطلسية ورحّبوا بالديناميكيّة الجديدة أو ما يعرف بالليبراليّة الجديدة .
في الفصل الأوّل من الكتاب بعنوان فناء الليبراليّة الأطلسيّة الجديدة يتحدث الكاتب عن تقرير المستشار الألماني الأسبق ويلي برانت خلال ترؤسه لجنة مستقلة، كانت مهمتها إيجاد الفروق بين الشمال والجنوب، حيث أشار إلى أنّ فرقاً كبيراً يتجسّد في اختلاف معايير المعيشة، وتحوّل الموارد من الدول النامية إلى المتقدمة، ووجد أنّ دول الجنوب تشهد ازدهاراً بسبب نجاحها في تجارة البضائع المصنعة، أما دول الشمال فكانت تعاني الفقر نتيجة تجارتها في منتجات متوسطة الاستهلاك، وكانت مداخيل الصادرات منخفضة للغاية . ويبين كيف أنّ الانقسام بين الشمال والجنوب يأخذنا إلى أعلى نقطة في الليبرالية الجديدة، وكيف أنّ المنطق الواضح والمحرّك بعد انهيارها، إلى جانب مشروع العالم الثالث هو الليبرالية الجديدة التي حكمت منذ منتصف سنوات السبعينات إلى أوائل العقد الثاني من القرن الجاري .
ويذكر الكاتب اجتماع مجموعة من المفكرين السياسيين تحت قيادة الرئيس التانزاني جوليوس نيريري لتأسيس مفاهيم فكرية ومبادرات جديدة من شأنها تمكين الجنوب للنجاة مما بدا أنّه شكل من التذلّل، حيث توصلوا إلى أنّ الحلّ يكمن في التعاون والتنسيق الجنوبي الجنوبي، وكانت هذه الخطوة الفكريّة التي أنتجت في ما بعد مجموعة بريكس .
في الفصل الثاني بعنوان ألغاز الجنوب يتحدّث الكاتب عن الاحتمالات النظريّة للجنوب في ظرف من العبوديّة الاقتصاديّة والسياسيّة المنحطّة . وفي الفصل الثالث بعنوان قاطرات الجنوب يقدّم الكاتب تاريخاً موجزاً عن ظهور دول مجموعة بريكس، حيث يبين أنّ دول هذه المجموعة لا تعد بإجراء تحوّل ثوريّ في النظام العالميّ، بل هي متواضعة في طموحاتها، علاوة على ذلك تعدّ هذه المجموعة التشكيل الأوّل في ثلاثين سنة لتحدّي التشدّد المستقر للنصف الشمالي من الكرة الأرضية .
ويرى الكاتب أنّ ما قدّمته مجموعة بريكس هو مجرّد فتح فضاء بسيط، يسمح باختراق الهواء لإرسال الأوكسجين إلى ركود عالم الإمبرياليّة الجديدة، وتصرّح بريكس بأنّ لها التزاماتها الخاصّة تجاه السياسات الليبراليّة الجديدة، لكنّها لم تعد متحمّسة للانحناء أمام القوى الإمبرياليّة . ويجد الكاتب أنّه في هذه الفجوة بين السياسة الليبراليّة الجديدة والقوة الإمبرياليّة هناك فرصة تقدّم نفسها لكتلة الجنوب .
الحلّ من الجنوب
يجد الكاتب أنّ التحوّل لن يأتي عبر مبادرات الجنوب من الأعلى، بل في رأيه يكمن الأمل في مبادرات الجنوب من الأسفل، وهو ما يركّز عليه في الفصل الرابع بعنوان تاريخ من الحلم لنصف الكرة الجنوبيّ .
ويشير الكاتب إلى أنّه في عام 1989 خرجت المناطق المحيطة بالسفوح في كراكاس في فنزويلا في ثورة احتجاج على ارتفاع تعرفة الحافلات، على خلفية رفع أسعار الوقود . وكانت الانتفاضة من أكثر التظاهرات التي خلقت حالة من الدهشة لسلسلة احتجاجات من أجل الخبز في سنوات الثمانينات وأوائل التسعينات . رغم أنّها لم تكن مكرّرة في مكان آخر، بل مثلت شدّة حالة الغضب عبر دول جنوب الكرة الأرضية .
ويذكر الكاتب أنّه في أواخر ،1992 وجدت كلّ من منظمة الصحة العالميّة ومنظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتّحدة (فاو) أنّ أكثر من 780 مليون من الناس، بشكل خاصّ في إفريقيا، وجنوب آسيا، وأمريكا اللاتينيّة، ليس لديهم طعام كافٍ لتلبية الاحتياجات اليومية الأساسيّة لأجل الطاقة والبروتين . وما يدهش أكثر أنّ المنظمتين لاحظتا أنّ أكثر من مليارين يعيشان على الحمية الغذائيّة التي تفتقر إلى أبسط الفيتامينات والمعادن المطلوبة للنمو والتطور الطبيعي، ولمنع الموت وحالات العجز مثل العمى والتخلّف العقلي . وكان واضحاً حسب منظمة فاو أنّ أغلب القوى البارزة في تظاهرات كركاس أمّهات، حيث أغلبهن يتخلّين عن جزء كبير من غذائهنّ اليوميّ لأطفالهنّ وعائلاتهنّ .
كان عقد التسعينات مملوءاً بتحركات تلقائيّة احتجاجيّة عبر الكون، ويعزو الكاتب الكثير منها على الأقل إلى خمسة أسباب:
1- التقشف المجبر الذي هدّد حياة أعداد كبيرة من الناس، نتيجة السياسات الحكومية الفاشلة والفاسدة، التي لم تكن تلبّي ضرورات الحياة من ماء نظيف وغذاء، وقد أطلق الإعلام على الاحتجاجات التي خرجت اضطرابات صندوق النقد الدوليّ أو احتجاجات من أجل الخبز، التي كانت تطالب بالمواد الأساسية للحياة، حيث أصبح الحصول عليها أصعب بعد خطّة التعديل الهيكيلي لصندوق النقد الدوليّ .
2- البطالة المتزايدة الناتجة عن تحويل العمل من الناس إلى التكنولوجيا (في الصناعة تحديداً، لكن بشكل أكثر حدّة في الزراعة) .
3- استراتيجيّة الليبراليّة الجديدة في النمو كانت متقدّمة على قطاعات التمويل، الضمان، والعقار، بالإضافة إلى بيعها الأرصدة العامّة إلى الشركات الخاصّة .
4- في أواخر سنوات القرن الماضي، ارتفعت نسبة الجوع العالميّ إلى مايقارب مليار نسمة . حدث الأمر نتيجة نزوح أعداد كبيرة من الناس من المزارع العائليّة والعمل الزراعيّ .
5- الجوع، البطالة، الدمار الزراعيّ، وسرقة الأرصدة هي من الأمور السيئة بما فيه الكفاية، لكنّ درجة السوء تزداد إذا ما ازدادت إلى جانبها ضخامة أرصدة أقلية من السكان . وقد بدا أنّ هؤلاء المتحكّمين في العقارات والقوّة يستفيدون بشكل كبير في سنوات التسعينات .
ويشير الكاتب إلى أنّ عقداً من الصراعات الوطنية برزت على المسرح العالميّ بعد عام 1989 في بداية الألفيّة الثالثة، بدءاً من الاحتجاجات في مدريد (1994)، سياتل (1999)، واشنطن العاصمة (2000)، غينوا (2001)، غوتينبرغ (2001)، وبرشلونة (2002) . وقد قوبلت كلّ من هذه الاحتجاجات بمقاومة شديدة من قوات الأمن والشرطة . ويقف الكاتب على ديون الدول لصندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ، حيث أصبحت الدول مرتهنة لسياستها الاقتصادية، التي باتت توثّر في حياة الناس اليوميّة ومستلزماتهم الأساسيّة .
كما أشار في النهاية إلى أنّ المحتجين الذين يخرجون ضدّ سياسات الليبراليّة الجديدة يطالبون بتوزيع أعدل في الثروة، واستقلال ذاتي عن الرأسمال الخاصّ، والحق بالحياة، والعدالة الاجتماعيّة .
ختاماً، يساعدنا نهج هذا الكتاب وأسلوبه كقّراء ومتخصصين وأكاديميين على قراءة الآفاق المستقبلية من خلال تقديم تحليل تاريخيّ لسيرة عمل النصف الجنوبيّ، والصعوبات والنجاحات والإخفاقات التي واجهته، فضلاً عن وضع حركة المجتمع المدنيّ وبناء الدولة تحت المجهر، بغية بناء مستقبل منصف ومشرق لشعوب النصف الجنوبي من الكرة الأرضيّة .