مع تنامي وسائل المعرفة الحديثة واتساع رقعة البحث عن المراجع الأدبية والعلمية المختصة، باتت تواجه مناهج التعليم تحديات كثيرة تتطلب توطيد صلتها بهذه المعارف والوسائل، التي صار لزاماً على الموجهين والأكاديميين في الجامعات والمدارس العليا أن يتعرفوا إليها ويستفيدوا منها، لتوسيع رقعة التعلم والاستمتاع بمزاياها الكبيرة في توفير مساحة أكبر من تنمية الوعي، وقدرة هذه الوسائل على تحسين ظروف الاشتغال المهني والتطبيقي، وانعكاس منافع العملية التربوية والتثقيفية إيجاباً على متلقي العلم .

في الوطن العربي الذي تتوافر جامعاته على كليات عريقة في الآداب والعلوم الإنسانية، ونظرا لمكانة الأدب من شعر وقصة ورواية في هذه الكليات، تقوم هذه الكليات بتدريس مفهوم التذوق الأدبي حيث يعتبر بعضهم أن أول منهج في تاريخ النقد الأدبي يعتمد على الذوق، فالشاعر - على سبيل المثال- وهو يكتب قصيدته ينطلق من رؤية هي بمثابة ذوق أدبي، يحتم عليه أن يوظف خلال هذه القصيدة مهاراته اللغوية العالية، التي ترفع من شأن القصيدة وتقويها وتكسبها مهابة ورفعة .

ولكون مفهوم التذوق الأدبي يعد إحدى وسائل تنمية الحس لدى القارىء مرتبطاً باللغة وقراءة النص قبل الحكم عليه، والتدريب على الموضوعية في نقد النص والمقارنة بين النصوص، فإنه - أي التذوق الأدبي- أحد المجالات الأكثر تطبيقاً على الشعر الذي له علاقة وطيدة بالتخييل، ذلك أنه مفتاح تحليل الحركة النفسية للقصيدة، لإدراك مدى أهمية الكلمة فيها، بل لاستقراء الوحدة العضوية، وفهم مكونات الصورة الشعرية ومدى قدرتها على التعبير عن أحاسيس الشاعر .

وتتجلى أهمية هذا المفتاح الأدبي المهم، في مدى قدرة القارىء على استيعاب النص وتحليله، وفهم معانيه وتراكيبه وتحديد الصور البيانية، بما في ذلك اكتشاف عباراته الجديدة والتحليل الأسلوبي الذي ابتدعه الأديب وأيضا تمكين القارىء أو المتذوق هنا، من نقد عناصر التجربة الشعرية والقدرة على إصدار حكم نقدي منصف .

إن إدراك أثر كل جزئية من جزئيات النص ضمن الصياغة الأدبية: كلمة أو تركيباً أو صورة، يعد عاملاً مساعداً على فهم المناخ النفسي الذي يريد الأدب رسمه أو تناوله، بغرض معرفة مدى نجاح الشاعر أو الأديب في تناول المحسنات البديعية، والحس بالإيقاع الموسيقي في النص، ومدى ما فيه من اتساق أو تنافر .

ويأتي ضمن حدود التذوق أيضاً، الاستمتاع بمواطن الجمال في العمل الأدبي، والتعرف إلى جودة العمل ورداءته، حيث إن كل هذه الخصائص المتناولة ليست أكثر من مجرد مقاربات من عالم الذائقة الذي يعد أوسع، ومن هنا، فإنه ينبغي علينا كمعنيين أن نسهم في تشجيع الفهم النقدي لفكر وثقافات العالم، وفتح قنوات الحوار الثقافي مع الأمم والشعوب وتنمية البحوث النظرية والتطبيقية والمقارنة في مجالات اللغات الأخرى، بغية الاستفادة من عناصر الجمال في هذه اللغات وتنمية الحس النقدي على مصراعيه .

[email protected]