شهدت الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول ظاهرة جديدة تمثلت في انتقادات وجهها قادة دول أمريكا اللاتينية إلى سياسات الولايات المتحدة المتعلقة بمنطقتهم .
وعبّر هؤلاء القادة عن غضبهم خصوصاً إزء برامج التجسس الأمريكية، التي استهدفت حتى رؤساء دول في المنطقة . وقد ناقشت هذا الموضوع لورا كارلسن، الباحثة في مركز السياسة الدولية، وهو مركز أبحاث في الولايات المتحدة، لا يسعى للربح، ويحدد مهمته بأنها التشجيع على تبني سياسة خارجية أمريكية ترتكز على التعاون الدولي، ونزع الأسلحة، واحترام حقوق الإنسان . ونشرت كارلسن مقالاً في موقع فورين بوليسي إن فوكاس، قالت فيه:
لاشك في أن الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة ستبقى في الذاكرة نقطة تحول . إذ إن الدول الأعضاء توصلت إلى اتفاق حول نزع أسلحة كيماوية، ما أدى إلى تفادي اندلاع حرب كبرى في سوريا . كما أن المأزق القابل للانفجار حول البرنامج النووي الإيراني اقترب أكثر نحو الدبلوماسية .
ولكن ما لم يحتل العناوين الرئيسة في وسائل الإعلام يمكن أن يكون الأكثر أهمية: إنه تمرد أمريكا اللاتينية .
بالنسبة لقادة أمريكا اللاتينية، أصبح النقاش خلال دورة الجمعية العامة هذا العام منتدى للتعبير عن تطلعات واضحة لاستقلالية أكبر، وعن المعارضة، والاحتجاج والغضب إزاء سياسات الولايات المتحدة . وفي منطقة كانت تعد لزمن طويل منطقة النفوذ الرئيسة للولايات المتحدة، أصبحت علاقات واشنطن مع كثير من الدول الأمريكية اللاتينية تتحول من سيئ إلى أسوأ خلال إدارتي جورج بوش وباراك أوباما . وإذا حكمنا استناداً إلى الخطب التي ألقيت أمام الجمعية العامة، يبدو أن هذه العلاقات تقترب من أدنى مستوى عرفته يوماً .
وقد صعد قادة أمريكا اللاينية الواحد تلو الآخر إلى المنبر من أجل التنديد بالحكومة الأمريكية وسياساتها . وانصبّت معظم الانتقادات على برامج التجسس التي كشف عنها خبير الكمبيوتر، والموظف السابق لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية سي آي إيه ووكالة الأمن القومي الأمريكية إن إس إيه إداورد سنودين، وهي برامج استهدفت بالتجسس السياسي والصناعي دولاً صديقة للولايات المتحدة مثل المكسيك والبرازيل .
والموضوع الآخر الذي أثار حفيظة أمريكا اللاتينية هو أبرز برنامج للسياسة الأمنية الأمريكية في النصف الغربي للكرة: إنه الحرب على المخدرات، وحتى حلفاء كانوا في السابق متحمسين للولايات المتحدة، مثل غواتيمالا والمكسيك وكولومبيا، عبّروا عن معارضتهم الشديدة لحرب واشنطن على المخدرات، وطالبوا بسياسات بديلة .
ثمن التجسس
منذ اليوم الأول للمناقشات العامة في مقر الأم المتحدة في نيويورك، قادت الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف الهجوم على أنشطة المراقبة العالمية التي تمارسها الولايات المتحدة . والمعلومات التي تسربت من ملفات سنودين كشفت أن برنامج التجسس الأمريكي في البرازيل، استهدف الاتصالات الشخصية والحكومية للرئيسة روسيف، وكذلك أنشطة شركة النفط البرازيلية المملوكة للدولة بتروبراس .
وهذا بطبيعة الحال أغضب البرازيل، وهي دولة حليفة ليس لديها أي نيّات للتهجم على الولايات المتحدة . وحسب تسريبات سنودين التي نشرتها صحيفة اوغلوبو البرازيلية، فإن واشنطن كانت تتجسس على شركة بتروبراس ومصالح برازيلية أخرى من أجل إعطاء أفضلية للشركات الأمريكية التي تشارك في مناقصات تنافسية للفوز بعقود بترول .
وقد وصفت روسيف برنامج التجسس الأمريكي بأنه انتهاك للقانون الدولي وازدراء بالمبادئ التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين دول صديقة . وقالت إن البرنامج الأمريكي شكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان والحريات المدنية، واعتداء واستيلاء على معلومات خصوصية تتعلق بأنشطة شركات، كما شكل خصوصاً ازدراء بالسياة الوطنية للدول . وتعهدت روسيف باتخاذ إجراءات من أجل حماية البرازيل من التجسس الأمريكي في المستقبل .
وبعد روسيف، صعد إلى المنبر الرئيس البوليفي ايفو موراليس، الذي ذهب في انتقاداته إلى أبعد مما ذهبت إليه الرئيسة البرازيلية، إذ شكك في التزام الولايات المتحدة بالدبلوماسية والديمقراطية بينما هي تتجسس على حلفائها . وقال في كلمته: أي نوع من الديمقراطية هذا عندما تنتهك أجهزة استخبارات الولايات المتحدة خصوصية دول أخرى وأمنها، وتستخدم لهذه الغاية شركات خاصة . وقد تبين أنهم لا يتجسسون على حكومات ديمقراطية فقط، وإنما على حلفائهم أيضاً، وحتى على الأمم المتحدة ذاتها . أعتقد أن هذا يظهر الكثير في الغطرسة .
وكانت دول أمريكا اللاتينية قد التفّت حديثاً حول الرئيس موراليس، عندما منعت طائرته التي كانت عائدة به من زيارة إلى روسيا، من التحليق فوق أوروبا، والتي اضطرت للهبوط في النمسا، ويفترض أن ذلك تم بناء على أوامر في الولايات المتحدة لاشتباهها في أن سنودين ربما كان على متنها .
وبدورها، رددت الإكوادور أصداء الانتقادات لبرنامج التجسس الأمريكي، قائلة إن الثقة تزعزعت بصورة خطرة نتيجة ل أفعال الولايات المتحدة التي تجاوزت الحدود، من خلال تجسسها على اتصالات عالمية . وطالبت الإكوادور واشنطن بتقديم تفسيرات لبرامجها التجسسية .
وانتقادات بوليفيا والإكوادور للولايات المتحدة كانت قد أصبحت شائعة منذ أن وصلت أحزاب يسارية إلى الحكم في البلدين . ولكن حتى المكسيك - المنقادة عادة بسبب تبعيتها الشديدة الاقتصادية والجيو-سياسية للولايات المتحدة، منذ إقرار اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا نافتا - خصصت جزءاً في كلمتها أمام المجتمع الدولي، للتحذير من انتهاك حق الخصوصية . ولم يذكر وزير الخارجية المكسيكي خوسيه انطونيو ميدي الولايات المتحدة بالاسم، ولكنه دعا إلى إجراء تحقيق شامل، وشدد على ضرورة محاسبة الأطراف التي تتحمل المسؤولية والمكسيك كانت هادئة في انتقادها لبرامج التجسس الأمريكية، ولكنها سلمت الولايات المتحدة مذكرة احتجاج دبلوماسية، عندما كشفت التسريبات أن وكالة الأمن القومي الأمريكية كانت قد تجسست على الرئيس الحالي انريكي بينيا نيينو خلال حملته الانتخابية .
وقد أبقت وسائل الإعلام الأمريكية إدوارد سنودين الذي منحته روسيا لجوءاً مؤقتاً، خارج اهتمامات الرأي العام بقدر الإمكان . ولكن الكلمات التي ألقيت من على منبر الأمم المتحدة، أظهرت أن واشنطن تدفع ثمناً مرتفعاً لتجسسها على أصدقائها وجيرانها - وليس في النصف الغربي للكرة فقط .
مشكلة حرب المخدرات
إلى جانب مسألة التجسس، يتزايد استياء قادة أمريكا اللاتينية أيضاً من سياسات أمريكية معتمدة منذ وقت طويل . وقال الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس في كلمته: هنا في هذا المقر ذاته، قبل 52 سنة، أقرت الاتفاقية التي انطلقت على أساسها الحرب على المخدرات . واليوم، يجب علينا الاعتراف بأن هذه الحرب ليست ناجحة . وأشار سانتوس إلى أن بلده تكبد في هذه الحرب قتلى، وإراقة دماء وتضحيات أكثر من أي بلد آخر تقريباً .
وكرر سانتوس دعوته التي أطلقها في مناسبات عدة في السابق، إلى تغيير أساليب التعامل مع المشكلة، بدلاً من تكثيف الحرب على المخدرات . وأشار إلى أنه قاد مجهوداً في إطار منظمة الدول الأمريكية لدراسة سيناريوهات مختلفة (بمعنى بدائل لمقاربة حرب المخدرات)، وأمر بإجراء دراسات سوف تنشر لإطلاع الرأي العام، وتعرض على النقاش في جلسة خاصة تعقدها الجمعية العامة في 2016 .
ودول أمريكا الوسطى أيضاً كررت المطالبة بمقاربة جديدة . واستشهدت رئيسة كوستاريكا لورا شينشيّا باتفاقية إقليمية شاركت فيها المكسيك وغواتيمالا، لتطالب ب إعادة تقييم سياسات متفق بشأنها دولياً، من أجل البحث عن رد أكثر فاعلية على تجارة المخدرات، من منظور المحافظة على الصحة، وفي إطار احترام حقوق الإنسان، مع الحرص على تقليل الأذى والضرر .
وعرض الوزير المكسيكي أفكاراً مماثلة، وأعطى الأولوية للوقاية والحد من تدفق الأسلحة، ودعا إلى فتح نقاش عالمي . وأشار الرئيس البوليفي موراليس إلى أن دراسات الأمم المتحدة أظهرت أن بلده حقق تقدماً أفضل في مكافحة تهريب المخدرات بعد أن حررنا أنفسنا من إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، مشيراً بذلك إلى قراره بطرد هذه الوكالة الأمريكية من بوليفيا .
وهذا الهجوم على حرب المخدرات الأمريكية لم يلق استحساناً في واشنطن . ذلك أن إدارة أوباما كانت تحاول بنشاط وقف دعوات أمريكا اللاتينية إلى الحد من العمليات العسكرية لمكافحة المخدرات أو تلطيفها، وكانت مهتمة بتوسيع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، أكثر من اهتمامها بالقضاء على تجارة المخدرات، التي أظهر تقرير حديث العهد للمركز الدولي لدراسات سياسات المخدرات (مقره في فانكوفر بكندا) أنها لم تنحسر .
انتقادات إضافية
قضيتا التجسس وحرب المخدرات لم تكونا الوحيدتين اللتين أثارتا انتقادات . فالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ألغى مشاركه في دورة الجمعية العامة، بسبب ما وصفه بأنه استفزازات بحقه، ومخاوف على سلامته في حال ذهابه إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، ودعوته إلى نقل مقر الأمم المتحدة إلى خارج الولايات المتحدة كررها قادة أمريكيون لاتينيون آخرون .
والتوترات كانت حادة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، برغم وفاة العدو اللدود للولايات المتحدة هوغو شافيز . وقد طرد مادورو ثلاثة دبلوماسيين أمريكيين بزعم تشجيعهم أعمال تخريب استهدفت اقتصاد فنزويلا وشبكتها الكهربائية، خلال اجتماعات عقدوها مع مجموعات يمينية في مسألة الاحترار المناخي . وهاجم رئيس الأوروغواي خوسيه البيرتو موخيكا ثقافة الاستهلاك الأمريكية، قائلاً إذا ما أراد كل فرد في العالم أن يعيش مثل المواطن الأمريكي العادي، فسوف نحتاج إلى ثلاثة كواكب .
وبرغم كل خطابات قادة أمريكا اللاتينية، فإن كبريات وسائل الإعلام الأمريكية لم تعطها اهتماماً يذكر .
ولكن آن الأوان للإصغاء إلى ما يقولونه، إذ إن أمريكا اللاتينية تتحدث الآن بخطاب جديد وجريء وهذه الدول لا تطالب فقط باستعادة حقها في تبني وجهات نظر تختلف عن مواقف القوة العظمى العالمية، وترفض الانجرار وراء دبلوماسية واشنطن - وهذه خطوة إلى الأمام نحو حق تقرير المصير - بل هي تقف أيضاً دفاعاً عن حقوق يتعين علينا جميعاً أن ندافع عنها بقوة أكبر .
إن الغضب الواضح في كلمات رؤساء دول أمريكا اللاتينية يظهر إلى أي مدى تدهورت علاقات واشنطن مع المنطقة، وهو يثبت أيضاً الفجوة المتزايدة بين الخطاب والواقع، منذ أن وعد أوباما المنطقة في ولايته الأولى بعلاقات ترتكز على الاحترام المتبادل وحق تقرير المصير .