من المعروف أنّ اللوبي الصهيونيّ في أمريكا من بين أقوى اللوبيّات الصهيونيّة في العالم، وأكثرها تأثيراً في قرارات الإدارة الأمريكيّة، خاصّة المتعلّق منها بأمن إسرائيل ومصالحها . وكان دعم اليهود الأمريكيّين سواء من الليبراليّين أو المحافظين في السابق في أعلى مستوياته، إلا أنّ الأمر ربّما يبدو مختلفاً بعض الشيء الآن، مع اطّلاعهم (اليهود الليبراليين في أمريكا) على حقيقة الممارسات الصهيونيّة بحقّ الفلسطينيّين، التي لايمكن التغاضي عنها، من خلال تقارير المنظّمات الحقوقيّة مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدوليّة أمنيستي، وتقارير نشطاء حقوق الإنسان .

يأتي نورمان جي . فينكلستاين ليبيّن لنا في كتابه هذا كيف أنّ علاقة الحبّ بين اليهود الأمريكيّين، خاصّة الليبراليين منهم، تقترب من نهايتها، حيث يوضّح أنّ الارتباط العرقيّ، ليس بالأمر الكافي لهم، إذ إنّ ما تمارسه إسرائيل، وما تقوله لهم في إعلامها والإعلام الغربيّ، يناقض حقيقة ما يطّلعون عليه، بالتالي يحافظون على قيمهم الليبراليّة والديمقراطيّة، ويفصلون أنفسهم عن هذه الدولة اليهوديّة، لكن في المقابل، فإن دعم إسرائيل، يفتح بوابة الامتيازات والسلطة، وهذا ما يجعل جزءاً، على الجانب الآخر، يتحدّى هؤلاء، ويبالغون في دعمهم لها أيضاً .

الكتاب صادر عن دار أور بوكس في 472 صفحة من القطع المتوسط، والعنوان الأصلي هو معرفة الكثير (من الحقائق): لماذا تقترب العلاقة الرومانسيّة بين اليهود الأمريكيّين وإسرائيل من نهايتها؟ .

يتناول الكاتب نورمان جي . فينكلستاين التغيّر التدريجيّ في فهم الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، والتغير المعرفيّ من طور الخيال إلى الحقيقة، التي جعلت من دعم إسرائيل على قاعدة القيم الديمقراطيّة ضعيفاً بشكل كبير بين المجتمع اليهوديّ الأمريكيّ، وقد وجدت منظمة غالوب في استطلاع أجرته للرأي العام الأمريكيّ في 2011 أن الليبراليين هم أقلّ الناس دعماً لإسرائيل من أيّ مجموعة أخرى، على الرغم من أنّ 60% من الأمريكيين عبّروا عن تعاطفهم على نحو أكبر مع إسرائيل، لكن انخفضت النسبة إلى أقل من 50% عند الليبراليين .

كما أظهرت الاستطلاعات الأخيرة أنّ اليهود الأمريكيّين يبعدون أنفسهم عن إسرائيل، إلا أنّه في مطلق الأحوال، لا تكشف البيانات عاملاً عرضياً منفرداً لهذا الجفاء الحاصل برأي الكاتب، حيث يجد أنّ الحكم من خلال هذه الاستطلاعات، إضافة إلى السجل التاريخيّ، يوضّح لنا أنّ تفاعل نسبة من العوامل وهي: العرق، المواطنة، والإيديولوجيا، قد شكّلت مرتكزات وأسس العلاقة اليهوديّة الأمريكيّة مع إسرائيل .

يمكن للمرء أن يلاحظ هذه العوامل في نتائج استطلاعات الرأي اليهوديّ، عندما وجّهت إليه الأسئلة في استطلاع جي ستريت 2009 لتحديد السبب الأكبر الذي يدفعهم إلى دعم إسرائيل . كانت أكثر ردود اليهود الأمريكيين تكراراً مقسّمة في ثلاث قوائم: الانتماء العرقيّ (أنا يهوديّ وإسرائيل وطن يهوديّ)، الولاء الرسميّ الحكوميّ (إسرائيل حليف لأمريكا في الشرق الأوسط وتعزّز مصالح الأمن القوميّ الأمريكيّ)، الصلة الإيديولوجيّة (إسرائيل دولة ديمقراطيّة تقاسمني قيمي التي أؤمن بها)، وعندما سئلوا إذا ما انضمّ سياسيّ سيئ السمعة معادٍ للعرب إلى الحكومة الإسرائيليّة، هل سيؤثّر ذلك في مشاعرهم تجاه إسرائيل؟ وقد استجاب واحد من كلّ ثلاثة يهود أمريكيين بناء على الإيديولوجيا الديمقراطيّة التي يؤمنون بها .

ويذهب فينكلستاين إلى القول إنّه ليس دائماً من الواضح، على العموم، مدى فاعليّة أيّ من العوامل . كما تظهر الاستطلاعات المذكورة في الكتاب أنّ أغلبية حاسمة من اليهود الأمريكيين يعارضون توسّع الاستيطان الإسرائيليّ . لكن يبقى السؤال مطروحاً: هل هذا لأنّ الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة كانت في خصومة مع إسرائيل بشأن المستوطنات غير الشرعيّة أم لأنّ بناء المستوطنات ينتهك المبدأ الليبراليّ في احترام القانون الدوليّ وحلّ النزاعات بشكل سلميّ؟

يجد فينكلستاين في بحثه أنّ حجر الأساس في الرباط اليهوديّ الأمريكيّ مع إسرائيل هو صلة القرابة: أي ارتباط مجموعة عرقيّة في دولة أخرى مع دولتها العرقيّة . وعلى الرغم من أنّ دعمهم لا يأتي بشكل عفويّ من هذا الارتباط الرئيسيّ، إلا أنّه ببساطة لن يكون اليهود الأمريكيّون داعمين في غياب الرابط العرقيّ . إنّ النسبة الأعلى من التزاوج بين اليهود الأمريكيّين مع غيرهم في السنوات الأخيرة قد خفّف تأثير رابطة الدم التقليديّة، وهذا بالتالي خفّف ارتباط العديد من اليهود بإسرائيل .

دعم مدفوع الأجر

يشير الكاتب إلى أنّ منتقدي الرومانسيّة اليهوديّة الأمريكيّة مع إسرائيل والمحتفين بها يصوّرون العامل العرقيّ بشكل نموذجيّ على أنّه الفعّال الوحيد . ويدّعي المحافظون الجدد اليهود أنّهم تبنّوا مذهب المحافظين الجدد في جانب مهمّ، لأنّ دعمهم اللامشروط لإسرائيل كان جيّداً بالنسبة لليهود، في حين أن كلاً من جون جي . ميرشيمير وستيفن إم .والت في كتابهما الأكثر مبيعاً اللوبي الإسرائيليّ والسياسة الخارجيّة الأمريكيّة اعتبرا أنّ دعم إسرائيل من قبل المحافظين الجدد اليهود يعدّ بشكل كبير من البديهيات، وذلك لأنّهم يهود . ولأنّ اليهود الأمريكيين كانوا على قدم المساواة مع غيرهم من الأمريكيّين، وحقوقهم مصانة في ظلّ الجو الديمقراطيّ، والنجاح العلمانيّ المرافق في الولايات المتّحدة، فإنّ دعمهم لإسرائيل بالتالي كان متقلّباً يعتمد على حالة العلاقات الإسرائيليّة الأمريكيّة، كما أنّ الخوف من تهمة الولاء المزدوج التي لاحقت الشعب اليهوديّ على مرّ تاريخه، دفع اليهود الأمريكيّين إلى وضع إسرائيل على بعد منهم عندما كانت العلاقات الأمريكيّة تضعف مع إسرائيل، وكانوا يصبحون على مسافة أقرب إذا ما أصبحت العلاقات أمتن .

ويرى فينكلستاين أنّ المحافظين الجدد من اليهود مثال جيّد . أمّا المفكّرون اليهود الليبراليّون ممّن كانوا لا مبالين بإسرائيل في شبابهم، تغيّروا وأصبحوا عشّاقاً لصهيون، ليس من منطلق ولاء إيديولوجيّ للأقرباء، بل بسبب انتهازيّة وطمع في السلطة والامتيازات .

إنّ ملامح العلاقة اليهوديّة الأمريكيّة مع إسرائيل كانت مقولبة أيضاً بالإيديولوجيّة الليبراليّة، ويشير الكاتب إلى أنّ هناك شكلين من الولاءات يميّزان اليهود الأمريكيّين عن أقرانهم الأمريكيّين، وهما: دعمهم الكبير بدرجة كبيرة لليبراليّة من جهة، ولإسرائيل من جهة أخرى . في الحقيقة، هذان الالتزامان أوضحا بشكّل مؤثّر معنى أن تكون يهوديّاً في أمريكا . ولاحظ عالم الاجتماع الأمريكيّ ستيفن إم . كوهين في تشريحه الكلاسيكيّ للمشهد اليهوديّ المعاصر قائلاً: بالنسبة للعديد من اليهود الأمريكيّين، جاءت السياسة -بشكل خاصّ النشاط الليبراليّ والمناصر لإسرائيل- لتشكّل المبدأ الأساسيّ في تعريف اليهوديّة . ونلاحظ في الحقيقة أنّ التفاعل والتوتّر بين هذين الالتزامين هو ما يتناوله ويركّز عليه أغلب الكتاب .

ويشير الكاتب إلى أنّه لفترة طويلة النشاط الليبرالي والمناصر لإسرائيل ظهر متوافقاً بشكل مثاليّ . وقد كان الأمريكيّون يتصوّرون أنّ إسرائيل من نسل تجربتهم في بناء الأمّة، أي أنّه مكان حوّله المستوطنون من أرض مقفرة إلى واحة ديمقراطيّة . لكن في السنوات الأخيرة، أثبت على نحو كبير أنّه من الصعوبة توحيد الدعم لإسرائيل، إلى جانب القيم الليبراليّة، إذ إنّ متانة ليبراليّتهم أضعفت رباطهم مع إسرائيل .

ويجد الكاتب أنّ مجموعة كبيرة من الدراسات الحديثة وضّحت انفصال الدعم الليبراليّ الأوّلي بين اليهود الأمريكيّين لأجل إسرائيل . وقد أبرزت سلسلة من التطورات السياسيّة في إسرائيل مثل: قبول سلطة السياسيّين والأحزاب من الجناح اليميني، اجتياح لبنان ،1982 قمع الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى، مأزق عمليّة السلام، أنّ هناك شروخاً قد حدثت لدى الجالية اليهوديّة الأمريكيّة، وفصلت بشكل متزامن الرأي اليهوديّ الليبراليّ من إسرائيل .

الخوف الليبراليّ

في الفصل الأوّل بعنوان الخوف الليبراليّ يجد الكاتب أنّه في غضون ما يقارب قرن من الزمن، قدّم اليهود الأمريكيّون التزاماً دائماً بالقيم الليبراليّة . حتّى إنّه بعد تحقيقهم نجاحاً عالميّاً، قاوموا التأثير الجاذب للقطب المحافظ على المشهد السياسيّ العامّ .

ويشير إلى أنّه في السنوات الأخيرة، وضعت الأخلاقيّات الليبراليّة لليهود الأمريكيين تحت اختبار جديد . وتوضّح أنّه بعد حرب حزيران/يونيو ،1967 ظهرت الدولة اليهودية أنّها تجسّد الاهتمام الأعلى والأكبر في الحضارة الغربيّة: كانت النور على الأمم . لكن ما هو معروف أكثر الآن، ولم يعد مخفيّاً، حول حقوق الإنسان والسجل الدبلوماسيّ والتاريخيّ في إسرائيل يقدّم شيئاً مختلفاً، إذ إنّ هذا الملف الضخم الذي جمعته سلطات موثوقة، والعديد منهم إسرائيليون ويهود، يكشف أنّه لايمكن التصالح بأيّ حال من الأحوال مع ليبراليّة اليهود الأمريكيّين، وفي حال الإجبار على الاختيار بين إسرائيل، وصلة القرابة، والليبرالية، أو رابطة الإيديولوجيا، فإنّ العديد من اليهود الأمريكيّين بقوا مخلصين لنظام المعتقد الليبراليّ الذي جلب لهم العديد من النعم الأرضيّة، التي لم تقدّمها أغلب دول العالم- كما أمريكا - لشعوبها، وأبعدوا أنفسهم عن دولة أصبحت تشكّل حرجاً لهم، من خلال ممارساتها وانتهاكاتها اليوميّة بحقّ الفلسطينيّين .

ويتحدّث في الفصل الأول من هذا الجزء بعنوان أحبّني، أنا ليبراليّ عن تحقيق الصهاينة أهدافهم على أرض فلسطين قائلاً: تحقّق الهدف في سياق وتحت غطاء حرب 1948 على نحو كبير: أجبر حوالي 750 ألفاً على العيش في المنفى وسط المجاوز والفوضى الصهيونيّة المحسوبة، في حين بقي 150 ألفاً في مكانهم . وبعد الحرب، ارتكب جيل المؤسّسين جرائم وحشيّة لا تعدّ ولا تحصى بحق فلسطينيّين أغلبهم كانوا لاجئين مدنيّين سعوا للعودة إلى وطنهم . وفي مكان آخر يقول: بعد يونيو/حزيران 1967 قام جيل الصهاينة المؤسّسين بتعذيب ممنهج للمحتجزين الفلسطينيّين في الضفة الغربية وقطّاع غزة .

ويشير إلى أنّ اليهود الأمريكيّين منقسمون على أنفسهم تجاه الحروب العدوانيّة لإسرائيل: حرب 2006 على لبنان، و2008-2009 على غزة أكثر من اجتياح لبنان 1982 . ويستشهد بالمؤرّخ جوناثان سارنا الذي اشتكى قائلاً: تربّى جيلي من اليهود الأمريكيّين على رؤية المشروع الصهيونيّ من خلال كؤوس ملوّنة بالزهور . ويعلّق الكاتب: إذا ما وصلت رومانسيّة اليهود الأمريكيّين إلى نهاية، فذلك لأنّهم الآن يعرفون الكثير للغاية، أي تلك الحقائق على أرض الواقع، وليس فقط ما ينقله لهم الصهاينة عبر آلتهم الإعلاميّة .

تقاطع مصالح

يشير فينكلستاين في الفصل الثاني بعنوان إنّ الأمر ليس إمّا/أو إلى مرتكزات العلاقة اليهوديّة الأمريكيّة مع إسرائيل: العرقيّة، المواطنة، والإيديولوجيا، ويذكر أنّ الهبوط الملاحظ بشكل كبير في دعم إسرائيل بين اليهود الأمريكيين هو نتيجة صراع لايمكن تجنّبه، خاصّة عندما يأتي الأمر على اختبار المبادئ الليبراليّة في وجه تنامي الممارسات العنيفة لإسرائيل .

ويرى أنّه في الماضي، كانت المواطنة -إخلاص اليهود للبلاد التي يعيشون فيها- هي القوّة الدافعة . في البداية أبعد اليهود الأمريكيين أنفسهم عن الدولة اليهوديّة، التي هدّدت بإحياء عربة الولاء المزدوج التي أثّرت في المواطنة عند اليهود في الماضي . ويجد أنّ اليهود الأمريكيّين إذا ما احتضنوا إسرائيل بحرارة كبيرة، لكان من المحتمل أن يضعوا مكاسبهم التي نالوها في أمريكا تحت خطر كبير .

بعد حرب الأيام الستة في عام ،1967 عندما أصبحت إسرائيل رصيداً استراتيجيّاً، لم يعد دعم إسرائيل يهدّد اليهود الأمريكيّين، وأصبح الأمر آمناً بالنسبة إليهم ليكونوا داعمين، وأنتج ذلك لهم أرباحاً كبيرة، ومن حينها بدأت الرومانسيّة اليهوديّة الأمريكيّة لإسرائيل .

لكن ماذا عن الحاضر؟ يتساءل فينكلستاين، الذي يشير في الوقت عينه إلى أنّ إسرائيل لم تعد تشكّل رصيداً أمريكيّاً، وأصبحت في الحقيقة مسؤولية تثقل كاهلها، ويجد أنّه من المحتمل أنّ اليهود الأمريكيين سيصبحون مجدداً حذرين في دعمهم لإسرائيل، لكن من خلال نظرته إلى السجل الدبلوماسيّ يخلص إلى أنّ المصالح القوميّة لإسرائيل والولايات المتّحدة لاتزال في الغالب متقاطعة، حيث لاتزال مصالح واشنطن وتل أبيب متشعّبة فيما يتعلّق بالصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ، خاصّة أنّ الولايات المتحدة ليس لها حصة واضحة في الاستعمار الاسرائيليّ لأرض فلسطين، وإلحاق الأراضي الفلسطينيّة بها، وتكمن مصلحتها في فرض السيطرة على إسرائيل وحلّ الصراع بطريقة دبلوماسيّة . ويقول الكاتب: إذا ما أصبح دعم الاحتلال الإسرائيليّ عبئاً سياسياً لواشنطن، فإنّ شرخاً حقيقياً يمكن أن يحدث بين الولايات المتّحدة وإسرائيل . ومن ناحيتهم اليهود الأمريكيون سوف ينحازون تقريباً إلى البلاد التي يعيشون فقط فيها، بل حتّى إنّهم اختبروها أيضاً، كيهود، حيث وجدوها موطن الازدهار والتقدير الذي لا مثيل له .

تداخل مستمرّ

يرى الكاتب في الفصل الثالث بعنوان تحديث النزوح الجماعيّ أنّ اليهود الأمريكيّين لم يعودوا يصالحون ليبراليّتهم فيما يتعلّق بالصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، ويجد أنّه حتّى السنوات الأخيرة كان هناك تداخل شبه كامل بين الدراسات الأكثر شعبيّة من جهة، والدراسات الأكاديميّة من جهة أخرى، ويرى أنّه لايزال فيه الأدب الشعبيّ بشكل عام يختار إسرائيل كدولة تجسّد القيم الليبراليّة، أو على الأقلّ، في انسجام كبير معهم .

ويشير إلى أنّه ربّما أخيراً يتمّ طرح السؤال: إذا ما كان الأدب الشعبيّ يسيء فهم الجوانب الحاسمة من الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ بشكل منتظم، هل سيكون قادراً على كسب المديح في الإعلام المهيمن؟ الحقيقة هي أنّه في المجالات المسيّسة بشكل كبير، تميل وسائل الإعلام إلى الترويج - سواء عبر مراجعات الكتب، أو القصص الخبريّة أو برامج تلفزيونيّة ? للثقافة المزيّفة التي تخدم أجندة إيديولوجيّة معيّنة . ويجد أنّ القيود وآليات التسييس الإعلاميّة السائدة ربّما تكون مراوغة .

صورة طبق الأصل

أمّا في القسم الرابع بعنوان صورة طبق الأصل يشير إلى أنّه في الوقت الذي أصبح فيه اليهود الأمريكيّون ليبراليين، فقد أصبح المجتمع اليهوديّ في إسرائيل يتّجه نحو التحفّظ أكثر . ويذكر أنّه لطالما ظهر في السابق على الصعيد السياسيّ أنّ اليهود الإسرائيليّين هم صورة طبق الأصل عن اليهود الأمريكيّين، والنتيجة هي أنّ المثقفين الليبراليّين اليهود يسعون للتماشي مع التوجّه اليمينيّ لإسرائيل، الأمر الذي أجبرهم على التخلّي عن القيم الليبراليّة، وللدفاع عن سياسات لايمكن الدفاع عنها في السجل الواقعيّ، ولرفض ثقافتهم الماضية الخاصّة بهم .

ويركّز فينكلستاين على بيني موريس، الذي يعدّ من أكثر المؤرخين تأثيراً في تيار المؤرّخين الإسرائيليّين الجدد في تناول الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، حيث يكشف الجانب الخفيّ الذي تسعى إسرائيل إلى إخفائه، لما يحتوي على حقائق بشعة وجرائم ومجازر وحشية ارتكبها الصهاينة بحق الفلسطينين، إلا أنّ موريس أنكر في السنوات الأخيرة، خلال تصريح له مع صحيفة هآرتس، ما طرحه في بحثه الأصليّ، وذلك لكي يجمّل صورة إسرائيل في المشهد العالميّ، ويجد فينكلستاين أنّ موريس تخلّى عن القيم الديمقراطيّة كي يتشبّث بإسرائيل، أمّا اليهود الأمريكيّون فتشبّثوا بالقيم الديمقراطيّة وتخلّوا عن إسرائيل . ويجد أنّ العامل الحاسم في كلتا الحالتين هو المصلحة والمنفعة الذاتية، فقد استفاد اليهود الأمريكيّون كثيراً من الإيديولوجيّة الليبراليّة، ومن الحالة الليبراليّة، أمّا موريس فضّل الانضمام إلى صفوف دولة أصبحت بشكل حازم بعيدة عن الليبراليّة .

جفاء متزايد

ويشير فينكلستاين في خاتمته إلى أنّ الاختلافات تبقى مستمرّة في ما يتعلّق بإبعاد اليهود الأمريكيين أنفسهم عن إسرائيل في السنوات الأخيرة، وشعورهم أنّ هناك جفاء عميقاً، وأنّهم لم يعودوا قادرين على إيجاد شكل من المصالحة السياسة الإسرائيلية مع المبادئ الليبراليّة .

ويقول الكاتب: إننا اليوم نقف على مفترق طرق . ولايمكن إنكار الممارسات الإسرائيليّة البشعة بثقة كبيرة، والقليل من اليهود الأمريكيّين، خاصة الأجيال الفتية، متحمّسة لدعمهم علانيّة، ويمكن إيجاد السبب ببساطة، فأيّ يهوديّ شابّ يحمل القيم الليبراليّة والمثاليّة لايريد أن يدافع عن تدفق 4 ملايين من القنابل العنقوديّة على جنوب لبنان أو قنابل الفوسفور الأبيض التي تصل حرارتها إلى 1500 درجة على مستشفيات في غزة .

ويخلص إلى أنّ نهاية علاقة الحبّ اليهوديّة الأمريكيّة مع إسرائيل سوف تكون هدية ليس فقط للفلسطينيّين، بل لالإسرائيليّين أيضاً . ويجد أنّه أمام اليهود الأمريكيين فرصة لتصحيح خطأ مضاعف ارتكبوه بحقّ الفلسطينيين، وإذا تحفّز الضمير الليبراليّ أكثر عند اليهود الأمريكيين، وقاموا أخيراً، بالأمر الصائب، فإنّ النور ربّما يشرق على هذا الليل المظلم والطويل، الذي ملأ أحلام الفلسطينيّين وأيامهم بكوابيس بشريّة جاثمة على صدورهم منذ عقود .