تحل اليوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول الذكرى 36 لاستشهاد سيف سعيد غباش أول وزير دولة للشؤون الخارجية، الذي خدم الإمارات بإخلاص وتفان بعد قيام دولة الاتحاد، وحمل رسالتها إلى المحافل الدولية، وكان من المدافعين البارزين عن حقوق الأمة .
رجل كرّس حياته في المثابرة والكفاح، حتى وصفه السياسيون بأنه ملحمة من ملاحم الكفاح من أجل العلم والمعرفة، ونموذج رائع للتفاني والإخلاص في خدمة الوطن والأمة، حتى آخر لحظة في حياته حين استشهد برصاص الغدر في 25 أكتوبر عام 1977 .
تمتع، رحمه الله، بصفات مميزة أسهمت في دوره البنّاء في نجاح وصول السياسة الخارجية للإمارات إلى المحافل الدولية، فهو رجل يجيد العديد من اللغات، حيث أسهم إتقانه للغات ست في إدارة التفاوض والحوار مع وزراء خارجية بريطانيا وروسيا وألمانيا وإيطاليا بغير مترجم .
مراحل
ولد سيف سعيد بن غباش المري في 21 أكتوبر 1932 في حي المعيريض بإمارة رأس الخيمة، وتوفي والده سعيد بن غباش بن مصبح بن أحمد بن زايد بن صقر بن أحمد المري، عندما كان في ال12 من عمره، وتوفيت والدته بعد 3 أشهر من وفاة والده .
وعاش مع عمته في دبي لمدة 3 سنوات، حيث التحق بالمدرسة الأحمدية لفترة من الزمن وكان يدرس اللغة الإنجليزية في مدارس ليلية، ثم تعلم عام 1946 على يد الشيخ أحمد بن حجر، النحو والبديع والبيان والفقه الإسلامي وعلم الفرائض .
وتميز عن أقرانه بذكائه وسرعة حفظه للأبيات وحل مسائل الفرائض، وقام بتأدية فريضة الحج برفقة جدته وصحبة الشيخ سيف المدفع قاضي إمارة الشارقة آنذاك .
البحرين والعراق
في 1949 سافر إلى البحرين طلباً للعلم والمعرفة، وعلى الرغم من التحاقه بالدراسة في المدرسة الابتدائية الشرقية في المنامة قبل الامتحان النهائي للسنة الرابعة الابتدائية بعدة أشهر فقط، فإنه نجح بتفوق وامتياز وكان ترتيبه الأول على جميع طلبة البحرين .
غادر البحرين إلى العراق بعد تخرجه في الثانوية العامة عام ،1953 ليدرس الهندسة في جامعة بغداد، حيث اجتاز السنتين الأولى والثانية بنجاح لافت، لكن الظروف السياسية التي أعقبت العدوان الثلاثي على مصر حالت دون إتمامه السنة الثالثة، فاضطر إلى مغادرة العراق عام 1956 متوجهاً إلى مصر، وهناك حصل على بعثة من المؤتمر الإسلامي، لكن كلية الهندسة لم تعترف بدراسته في بغداد .
بعد ذلك، توجه إلى الكويت ليعمل بوظيفة مساعد مهندس في دائرة الأشغال الكويتية، وسط إصرار منه على متابعة القراءة والبحث العلمي إلى درجة تحولت فيها غرفته المتواضعة في أحد الأزقة الضيقة إلى محطة لزملائه المفكرين، يناقشون فيها أمور السياسة والثقافة والتاريخين العربي والعالمي .
ترك الكويت واتجه إلى أوروبا عام 1959 وتحديداً إلى النمسا، فأقام في مدينة كراتس التابعة للعاصمة فيينا، وعكف على دراسة اللغة الألمانية بشغف واهتمام لينمي ذاكرته بروائع الأدب الألماني مثل الشاعر غوته، إلا أن الظروف المادية وغلاء المعيشة حالت دون التحاقه بالجامعة لمتابعة دراسة الهندسة، فقرر الانتقال إلى ألمانيا وتحديداً إلى مدينة ديسلدورف .
عمل مساعد مهندس في شركة إنشاءات ألمانية، مصراً على جمع ما يكفي من المال لمتابعة دراسته، وانتقل بعدها إلى سويسرا متقدماً للعمل في شركة أخرى مساعد مهندس، فتمكن بذكائه وتفوقه من الحصول على الوظيفة .
زياراته المتعددة إلى إيطاليا أسهمت في إثراء ثقافته في حقل الآداب والفنون وقدر لا بأس به من اللغة، وفي عام 1963 انتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس لإتمام دراسته الجامعية في الهندسة، حيث حاول الحصول على منحة دراسية إلا أن الظروف لم تساعده على ذلك، فحوّل جهوده نحو تعلم اللغة الفرنسية ودراسة الأدب والفلسفة قارئاً لكبار المفكرين والأدباء .
في عام 1969 بعد نحو 20 عاماً من الغربة والترحال، عاد سيف غباش إلى مسقط رأسه في رأس الخيمة، وهو مملوء بالحماسة للعمل في خدمة وطنه وتأمين مستقبل آمن لعائلته، حيث رزق تباعاً بأبنائه الثلاثة عدنان وعمر وسعيد .
التحق بوظيفة رئيس قسم الهندسة في بلدية رأس الخيمة، ولعب دوراً كبيراً في تخطيط المناطق الزراعية والسكنية، وأسهم في وضع الخرائط وتقسيم الأراضي وتنظيم ملكيتها ومساحتها، إضافة إلى مشاريع حماية الشواطئ وشبكة المواصلات الحديثة .
كان يترجم كل ما تكتبه كبريات الصحف والمجلات العالمية عن الأحداث المهمة في العالم، ونشر أفكاره عن مشروع حماية شواطئ المعيريض الشمالية وشبكة المواصلات الحديثة للإمارة، داعماً مقالاته بالخرائط والرسوم الهندسية المبسطة .
خدمة الوطن
رافق سيف غباش المغفور له، بإذن الله، الشيخ صقر بن محمد القاسمي، طيب الله ثراه، إلى بعض العواصم العربية والأجنبية بين عامي 1969 و،1970 وشارك ضمن وفد رأس الخيمة في محادثات الاتحاد التي سبقت انسحاب بريطانيا من المنطقة وإعلان استقلال دول الخليج .
وفي عام 1971 كان من أوائل الإماراتيين الذين هبّوا للدفاع عن أرضهم ووطنهم، حيث ذهب ضمن وفد من الإمارة إلى القاهرة لعرض قضية احتلال إيران الجزر الثلاث على مجلس جامعة الدول العربية، مدافعاً عن عروبة الجزر، ومطالباً بإنهاء الاحتلال الإيراني .
وزارة الخارجية
تولى في 2 ديسمبر/ كانون الأول 1971 منصب وكيل وزارة الخارجية، حيث عمل جاهداً على تنظيم الوزارة، وتجهيز العناصر الجيدة من شباب الإمارات لإرسالهم إلى سفارات الدولة في الخارج .
وقام بتنظيم الإدارات التابعة للوزارة، ومنها الشؤون السياسية والشؤون القنصلية والمالية والإدارية والسكرتارية، ساعياً إلى تربية جيل جديد من الدبلوماسيين عبر دعوتهم الدائمة إلى تحكيم العقل والابتعاد عن الانفعال والعواطف، وانتهاج الموضوعية في الحكم على الأحداث التي تمر بها البلدان العربية والأجنبية .
وفي 25 ديسمبر/كانون الأول 1973 شكلت وزارة اتحادية جديدة وعُيِّن أول وزير دولة للشؤون الخارجية، ليصبح المتحدث الرسمي باسم الإمارات في المحافل الدولية، محاولاً بكل جهده إيصال صوت الإمارات إلى العالم ودعوتها إلى صداقة الشعوب واستتباب العدالة والسلام .
العمل العربي
عندما تولى، رحمه الله، الوزارة، كان من أشد المتحمسين للقضية الفلسطينية، حيث ذكّر الأمم المتحدة في خطابه أمام الجمعية العامة عام 1975 بقراراتها منح الشعب الفلسطيني حقوقه الثابتة واتخاذ قرارات لإجبار إسرائيل على الالتزام بميثاق المنظمة الدولية .
وكان داعياً إلى إقامة علاقات عربية أوروبية تنطلق من الجذور التاريخية، وفي عام 1976 شارك في مناقشة قضية الشرق الأوسط أمام مجلس الأمن، وألقى خطاباً بارزاً ندد فيه بالسلوك العدواني لإسرائيل، وكان خطابه الأبرز قبل يوم من استشهاده في 24 أكتوبر/ تشرين الأول ،1977 حيث أدهش المشاركين في اجتماع الأمم المتحدة بعرض عميق وواضح لمسيرة المنظمة الدولية .
يوم استشهاده
كان يوم استشهاده خبراً مفاجئاً لمعظم أصدقائه من الكتّاب والسياسيين الأجانب، ففي يوم الثلاثاء 25 أكتوبر/تشرين الأول 1977 الساعة الحادية عشرة صباحاً، كان يرافق عبدالحليم خدام وزير الخارجية السوري آنذاك، إلى مطار أبوظبي لوداعه، وعند دخول الوزيرين إلى الصالة الكبرى لمطار أبوظبي وفي طريقهما إلى قاعة الشرف، انطلقت رصاصات غادرة كانت تهدف إلى اغتيال خدام، لكنها أصابت الوزير غباش في كتفه وبطنه، حيث نقل إلى المستشفى وتوفي متأثراً بجروحه .
خبر استشهاده كان صداه عالمياً، ففي الأمم المتحدة أبدى كل من شارك في الجمعية العامة أسفه البالغ للخسارة الفادحة التي منيت بها الإمارات، وفي واشنطن توالت البرقيات والمكالمات الهاتفية على سفارة الدولة من رؤساء معاهد وجمعيات وبعض أعضاء مجلس الشيوخ .
أما في أوروبا فقد كانت اللجنة العامة للحوار العربي والأوروبي، مجتمعة حينما انتشر خبر وفاته، فما كان من المشاركين إلا أن قطعوا الاجتماع، ووقفوا دقيقة صمت على روحه .
قالوا عنه
كانت للفقيد معزة خاصة وثقة عميقة من قبل المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وقد علّق على وفاة غباش بكلمات يملؤها العطف والحنان والأسف على فقدانه، حيث وصفه، رحمه الله، بأنه مثال للرجل المسؤول في دولتنا، وواحد من خيرة شبابنا ممن جاهدوا وسعوا لخير العرب ووحدة كلمتهم وتضامنهم .
وقال الشيخ صقر بن محمد القاسمي، رحمه الله، إنه فلتة من فلتات الزمن، وقد عاد إلى بلاده في الوقت المناسب، وكانت المسؤولية تنتظره كثمرة حان قطافها .
وقال أحمد خليفة السويدي عنه: كان سيف، رحمه الله، دمث الخلق، لطيف المعشر، واسع الاطلاع، وكان شعلة من النشاط، وله دور كبير في تأسيس وزارة الخارجية .