جوزيف القصيفي

حقاً إن الموت نقادّ لا يتخيّر سوى الجياد، وقد تخيّر بالأمس القريب د . عبدالله عُمران، فترجّل عن صهوة الحياة طاويّاً صفحة العمر على مكرمات - منائر، تهادت إليه من سلف صالح عاش على هذه الأرض، جاهد الجهاد الحسن لتنهض دولة الإمارات يعربية العراقة إلى الحداثة، وتستنبت من جدب الصحراء واحات غنّاء مثقلة بالإبداع ومترعة بالأحلام المفتوحة على أمداء المستقبل، تستحضره . . ترفع له القباب المرصعّة . إن الموت حقّ، لكنه لا يهزم من كان مثل د . عبدالله: هامة بشموخ قمة، وراية على امتداد الكرامة الوطنية .
رجل . بل وأكثر . إنه مجموعة رجال في شخص فرد متفردّ بحميد الخصال وبيض الفعال . رجل عدل يفصل بين الحق والباطل، ويقسط بين الناس، وهو الذي أرسى قواعده وأعلى بنيانه عندما ساس وزارته، وكانت الإمارات حديثة العهد بالاستقلال . كان يؤمن بأن دولة القانون هي ميزان الشعب ومقاس رقيّه، ومعيار تقدمّه، وبوصلة تطورّه . حسبه أنه الماهد . ولم تقتصر ريادته على وزارة العدل، إذ كانت التربية مجالاً خاضه ناهلاً من معينه، فتولىّ حقيبتها ووطّد ركائزها، ونظّمها ونوّع في اختصاصاتها، وعمل على محو الأمية منطلقاً من القناعة بدفع الجهل بالعلم، وجبه التعصب بالتثقيف، ودحر الانغلاق بالانفتاح، وإبدال الأعراض بقبول الآخر المختلف . وقد فتح بذلك أبواباً مستغلقة سمحت لرياح التطور بالتسلل، وإعانة الإنسان الإماراتي على الانعتاق من المعوقات المكبلة لطموحه والكابحة لأحلامه . ولأنه كان ماهداً ورائداً فقد كان على قدر المهمة الجليلة . كيف لا، وهو الذي ترسمل بالعلم وتحصّن به، وسعى إليه من وطنه الأم فالكويت، فالقاهرة، قبل حصوله على الدكتوراه .
كانت الإمارات حبّه الأول والأخير، أعطاها بشغف وأغدق عليها ما اختزن من طاقات من أجل نمائها وإعمارها معطياً الأولوية للبشر على الحجر .
ولأنه كان رجل علم وثقافة، كان يتعاطى مع المناصب الرسمية التي يتولاها بمنطق الرسالة، والرغبة في الخدمة العامة والنافعة . لم تستهوه المناصب يوماً، ولا أغرته الألقاب .
لم يلق عبدالله عُمران سلاحه بعدما أدى قسطه في الوزارة، بل مضى إلى تحقيق حلمه بتأسيس صحيفة "الخليج" مع شقيقه المرحوم تريم التي أصبحت داراً استقطبت كبار الصحافيين والكتّاب والباحثين العرب، واحتضنت مطبوعات يومية، أسبوعية، وشهرية، كان لها الدور الكبير في اكتشاف المواهب، وإخصاب التجربة الديمقراطية، وثقافة الرأي والرأي الآخر . واستطاع من خلال إدارته "دار الخليج" بوحداتها المختلفة الإضاءة على القضايا العربية والخليجية، لاسيما في المؤتمرات المتخصصة التي كان يعقدها لهذا الغرض ويدعو إليها كبار الأخصائيين العرب والأجانب وأصحاب الخبرات في شؤون التنمية الإنسانية بكل أبعادها .
في الصحافة، شكّل د . عبدالله مع شقيقه الراحل تريم، رحمهما الله، حالة متفردّة، وحضوراً ضارباً في عمق الوجدان الوطني، وصوتاً صارخاً، هادراً . كان لا يخشى قول الحق في كل وقت . وهو لم يتخل يوماً عن القيم التي آمن بها منذ عهده بالشأن العام، وما قبل . كان نصيراً للقضية الفلسطينية، متوجساً من الأطماع "الإسرائيلية"، وفيّاً للعروبة، مناهضاً للتطرف، ومسلماً صحيحاً يبرز الوجه السمح للدين الحنيف الذي دعا إلى كلمة سواء، والمجادلة بالتي هي أحسن، ولرسالة محمد الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق .
سقط د . عبدالله عُمران وهو في أوج عطائه، وهوى كما النسر العتيق الطواّف بين الذرى العاليات، زاده التواضع، والخلق السوّي، على أنفة وتمرّد . هكذا هم الكبار يعيشون حياتهم بصخب، ويغادرونها بهدوء منسحبين كما النسائم المنعشة، والبنفسجة الحيّية التي غالباً ما يكون أريجها دليل الناس إليها . فارقد هنيئاً إلى جانب من تقدمك، وثق أن ذكرك سيبقى مؤبداً لأنك نبع عطاء لا ينضب، ولو أهيل عليك التراب . . يا تراباً فتّ مسكاً في التراب .

* أمين سر نقابة محرري الصحافة اللبنانية