حوار: زكية كردي

لم تكن ثمة آلة عود ولا حتى في الحلم، لكنه الشغف وحده يستطيع أن يرسم من أصوات أحلامه أوتاراً تمتد على علبة الصفيح لتعلن ولادة الموسيقى في شوارع دبي القديمة، حيث اجتمع 20 طفلاً ليشكلوا أول فرقة كورال إماراتية ولو بأبسط أشكال الفرق، كما استطاع بعدها أن يجمع 12 شاباً ليؤسسوا أول فرقة موسيقية إماراتية في نادي الشعلة الرياضي الثقافي، ويطلقوا شرارة الفن من هناك، على صدى صوت محمود حبيب الرضا، حيث كان يؤدي أغاني فريد الأطرش ويعزف على القانون ذكريات لن تنساها صفحات الفن الإماراتي يوماً .

* متى بدأت تشعر بالانجذاب نحو الموسيقى؟
- ولدت عام ،1943 ولم أكن أعرف شيئاً عنها في السنوات الأولى من حياتي حتى عام 1947 حيث سافرت برفقة إخوتي إلى كراتشي لغرض الدراسة وبقينا هناك أربع سنوات، ثم أضطررنا للعودة لعدم قدرة والدي على مرافقتنا حينها كونه طبيب الشيخ راشد، ومن أول أطباء الإمارات وكان محكوماً بالكثير من المسؤوليات، وهناك اطلعت على أنواع مختلفة وتعلمت الأناشيد والأغاني ربما في المدرسة فكنت أدندن طوال الوقت .

* ما أكثر ذكريات المدرسة التصاقاً بك فيما يخص هذا الجانب؟
- ذكريات المدرسة الأهلية التي تعود لعام ،1952 حيث كان المعلم حسن ميزر، وهو من المعلمين الأوائل في الإمارات، يطلب من التلاميذ في نهاية كل يوم دراسي أن يغلقوا كتبهم ليستمعوا إلي وأنا أردد النشيد أو ما شابه .

* ماذا كنت تغني في تلك الفترة؟
- كنت أردد بعض الأغاني الهندية التي حفظتها، أو أصدح بالأذان بصوت مرتفع في الحي، وأحياناً أشدو ببعض الأغاني العربية، ولم أكتف بالغناء حيث صنعت عوداً خاصاً بي .

* كيف قمت بصناعته؟
- لم أكن قد رأيت عوداً البتة في ذلك الحين، ولكني كنت أستمع إلى الأغاني من الراديو وأستطيع تمييز أصوات الآلات الموسيقية رغم أني لم أكن أعرفها، ولهذا قمت بإحضار علبة صفيح فارغة من محطة البترول لأقصها وأركبها بجانب خشبة طويلة، ومن ثم قمت بتركيب المسامير على الجانبين لتوصيل الأوتار بينها وأحصل على مايشبه العود، ومازلت أذكر آثار الزيت على فراشي دوماً من العود الذي كان يرافقني .

* كيف استوحيت صورة تشبه العود وأنت لم تره؟
- لا أذكر ما الذي جعلني أقترب إليه هكذا، ربما رأيت صورة للعود مسبقاً في مجلة ما، أو قد أكون تخيلته، ولكنني متأكد تماماً أني لم أكن رأيته حينها، ولشدة سعادتي بالأصوات التي كنت أبتكرها صنعت عوداً آخر ورحت أحمل واحداً على كتفي الأيمن وآخر على الأيسر وأجول الشوارع وأغني مع أبناء الحي، حيث جمعت حينها حوالي عشرين ولداً لنغني سوياً، وكانت هذه المجموعة بشكلها البسيط أول فرقة كورال محلية، جمعتنا الموهبة وحب الموسيقى، لنردد أغانينا في أرجاء الحي وفي الشوارع .

* متى حصلت على العود الحقيقي؟
- عندما أصبحت في الخامسة عشرة، لكن قبل ذلك كسرت يدي وأنا أحاول الحصول على عود المغني الذي أتى لإحياء السمرة في عرس أخي، فاستغللت فرصة نومه نهاراً لأصعد السلم محاولاً الوصول إلى العود الموضوع في الجريشة لألمسه عن قرب وأتلمس أوتاره .

* متى قمتم بتأسيس أول فرقة موسيقية ؟
- في عام 1960 وكانت تابعة لنادي الشعلة الذي كان يرعى النشاط الرياضي والثقافي حينها، فيدعم المسرح والموسيقى والرياضة، وكنت مهتماً بالجانب الموسيقي فقط، وبلغ عدد أفرادها حينها 12 شاباً منهم عبدالجبار الشيباني، وعقيل ومحمد العجماني .

* أين كان موقع النادي؟
- عند مكتب الحاكم في دبي، مقابل متحف دبي الآن .

* هل استمر أحد من أعضاء الفرقة في المجال الفني؟
- للأسف لم يستمر أحد منهم، كنا جميعاً من أبناء العائلات المحافظة والمعروفة في دبي، ولم تكن نظرة المجتمع إلى الفن تشجع الشباب على المتابعة، ما جعلنا نبتعد عن الموسيقى مع إغلاق النادي عام 1962 لينشغل كل منا بحياته العملية ويتخلى عن حلمه الموسيقي مرغماً .

* هل كنتم تقيمون حفلاتكم في النادي فقط؟
- في النادي وفي المدارس حينها .

* ما الآلات التي كنتم تعزفون عليها؟
- العود والكمان والطبلة والناي فقط، إلى أن أهداني أحدهم آلة القانون التي كنت أتوق للعزف عليها، فلم أطق صبراً حتى أتعلم أصول العزف عليها وأتدرب مع الفرقة، فأحببت أن أظهر وأنا أعزف القانون في الحفلة، وحتى لا أؤثر في عزف الفرقة قمت بنزع الأوتار واستبدالها بالخيوط لأتظاهر بالعزف، ولكن المشكلة أن الجمهور كانوا يوقفون الحفلة ليستمعوا إلى عزفي المنفرد، ولهذا اتفقت مع صديقي على إطفاء الأضواء في حال أصر الجمهور على أن أعزف لهم عزفاً منفرداً حتى يعفيني من الحرج، وهذا ما حصل بالفعل، لكنه لم يتجاوب معي على الفور، بل فضل أن يستمتع أولاً وهو يراقب شعوري بالارتباك وبالمقلب الذي قام بتنفيذه، من ثم سارع وفصل الكهرباء فانفضت الحفلة .

* ألم تكن هناك آلات موسيقية في الإمارات، أو فرق موسيقية مختصة بإقامة الحفلات أو الأعراس قبلكم؟
- بالطبع كان هناك الكثير من المواهب الفردية في الغناء أو العزف في تلك الفترة، ونستطيع القول إن الموسيقى كانت موجودة بصورتها البدائية، فالعيالة كانت موجودة منذ القدم والنوبان بآلتها البسيطة أيضاً، لكن مفهوم الفرقة الموسيقية لم يكن موجوداً في الإمارات بعد، على عكس الكويت والبحرين، وظهرت الكثير من المواهب في تلك الفترة التي بدأت فيها، ولكنني حصلت على نصيب أوفر من الشهرة .

* أين تعلمت العزف؟
- وحدي، فلم تكن هناك طريقة أخرى، وكنت أتمتع بمهارة في العزف، ولكن لم تكن لدي سعة الإدراك لأني لم أدرس النوتة، وهذا هو الفرق بين الموهبة والهواية، فالأولى عطاء من الله، حيث يمنحك القدرة على القيام بشيء بطريقة مبدعة من دون أن تتعلمه، أما الهواية فهي الاستمتاع بالقيام بهذا الشيء وفي تعلمه، ولهذا كنت أشعر أن الله منحني هذه الهواية والصوت الجميل لأسعد من حولي، وأشعر بأني في أحسن حالاتي عندما أقوم بالأداء الديني لأنه يشعرني بأني أكثر قرباً من الله الذي منحني هذه الموهبة .

* لمن كنت تغني عندما كنت في الفرقة؟
- لفريد الأطرش، حيث إن أدائي كان منسجماً مع أدائه وكان الجميع يطلبون مني على الدوام أن أسمعهم أغاني فريد الأطرش حيث كانت فترة نجوميته حينها .

* هل حاولتم ابتكار الموسيقى الخاصة بكم؟
- بالطبع حاولنا العمل على تقديم الأغاني الخاصة بنا، فالبعض كان يكتب وأنا كنت ألحن الأغاني وأؤديها، وكنت أحلم بأن أكتب ولو بيت شعر واحد لأؤلف أغنيتي بنفسي، لكنني كنت أعجز عن هذا حتى عدت إلى الموسيقى في عام 2000 بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثين عاماً، واستطعت أن أؤلف كلمات أغنيتي وأحاول استرجاع كلمات قصيدة غنائية كتبها أحد أصدقائي في ذلك الحين ولحنتها له بنفسي، حيث بقي اللحن يتردد في رأسي ومعه مطلع الأغنية وغابت عني بقية الكلمات، فاستبدلتها بكلماتي .

* ما الذي جعلك تعود إلى الموسيقى بعد كل هذا الانقطاع؟
- لم تفارقني يوماً وكنت أدندن وخاصة عندما يأتي الشتاء بكل برودته ورومانسيته ليوقظ بداخلي الحنين لذاك الحلم الذي كنت ألاحقه في الصغر، ولكنني تأثرت بموقف أبي الذي لم يشجعني على الاستمرار، فابتعدت وشغلت نفسي بالحياة العملية، إلى أن عادت لتخرج من داخلي فجأة وتستحوذ علي، حيث لم أستطع الاستمرار في هذه القطيعة وأنا أعاكس طبيعتي ورغباتي الداخلية، فرحت أعمل على تنفيذ بعض الأعمال، ولكن مازلت أفضل الابتعاد عن الأضواء ولا أحبذ عرض أعمالي للجميع، بل أقتصر على مجموعة من الأصدقاء المقربين والعائلة .

* هل مازلت تعزف بفطرتك بعيداً عن النوتة؟
- أجدت العزف على العديد من الآلات الموسيقية من دون تعلم، أو اعتماد على النوتة، لكن هذا لا ينفي ضرورتها، وهذا ماباشرت بفعله الآن مع آلة السنتور التي اخترتها حيث بدأت أتلقى الدروس لتعلم العزف على هذه الآلة التي تمتلك خصوصية بالنسبة لي، كونها غير موجودة في الموسيقى العربية، فهي من الآلات الأساسية في الفارسية، والتركية، وفي نوع من الغناء العراقي فقط، ولهذا رحت أحاول أن أدخلها في الأغاني الخليجية ووجدت أنها تحقق تغييراً جميلاً في بناء الأغنية .