أعلنت إحدى الدوائر الحكومية مؤخراً عن منع اصطحاب الأهالي لأبنائهم أثناء ذهابهم لإنجاز المعاملات الرسمية من دون أن تكون هناك حاجة لوجودهم، مشيرة إلى تسببهم بالكثير من الفوضى وعرقلة العمل . ومنع دخول الأطفال أماكن أو مناسبات بعينها ليس جديداً، فمعظم دعوات الأعراس تناشد الأهل عدم اصطحابهم، وهناك حدائق تسمح بدخول الصغار حتى سن محددة في الأيام المخصصة للنساء .
منع الأطفال من مرافقة آبائهم إلى جهات حكومية قد يكون مبرراً، لكن البعض لا يتقبل غيابهم مثلاً عن مناسبات اجتماعية، الذي يبرره البعض بالرغبة في تقليل الإزعاج .
بعض الدوائر الرسمية وضعت ملصقات على بواباتها ترمز إلى منع اصطحاب الأطفال أثناء تقديم المعاملات، ويؤكد أحمد المري مدير شعبة الدعم الفني قطاع الرقابة التجارية وحماية المستهلك بدائرة التنمية الاقتصادية بدبي أنه لا يرحب بوجود الأطفال في مكان العمل، كما أنه يستهجن فكرة اصطحابهم من قبل المراجعين، ويقول: "عانينا كثيراً من هذه الظاهرة ومازلنا رغم منعها، إلا أن المشكلة تكمن في أن عناصر الأمن في المؤسسات لا يتعاملون مع هذا الأمر بجدية بسبب الخجل، لكن الظاهرة غير صحية وتؤثر كثيراً في أجواء العمل، فالطفل لن يقدر خصوصية المكان الذي يدخله والحاجة إلى الهدوء، خاصة الأطفال الرضع الذين يشيعون الضجيج ببكائهم، كما أن الكثير منهم يتسببون بإتلاف الأشياء على سبيل المثال، وفي النهاية لا داعي للتذكير أنه لا ضرورة إلى اصطحاب الأطفال إلى أي مكان عمل أياً كان" .
ومن المظاهر الغريبة أن بعض الموظفات يجدن نوعاً من التغيير في اصطحاب أبنائهن إلى العمل في نهاية الأسبوع، حسب علي حسن الخفيلي نائب مدير مبيعات المياه في هيئة كهرباء ومياه دبي ويقول: "لاحظت أن الموظفين الرجال يتركون أعمالهم ليتسلوا مع هؤلاء الأطفال ويلاطفوهم، بالإضافة إلى أن الضجيج والفوضى وغياب الالتزام تعتبر من المظاهر التي ترافق وجودهم بما لا يتناسب وأجواء العمل، فهو يتسبب في ضياع الوقت وتعطيل للعمل عموماً" .
يستهجن محمد ابراهيم الحمادي "موظف حكومي" ظاهرة اصطحاب الأهل إلى مقاهي الشيشة غير مبالين بصحة أبنائهم، فالبعض منهم لا يجد مشكلة في وضع ابنه ذي الأشهر في عربته ليصطحبه إلى المقهى، ويقول: "سمعت قبل فترة أن القوانين منعت هذه الظاهرة لخطورتها على الأطفال، إلا أن هذا لم يعدل الطريقة التي يفكر بها بعض الأهل، حيث إنهم يستمرون في القيام بنفس التصرفات غير مبالين بصحة أبنائهم" .
وفي مكان آخر حيث ضجيج الحفلات الموسيقية الصاخبة أو الأعراس يرهق الأشخاص الكبار، نجد البعض اصطحبوا أبناءهم بأناقتهم الكاملة ليستمتعوا بالحفل حسب اعتقادهم، وتصف لينا حسن "موظفة تسويق في شركة دعاية وإعلان" هذا التصرف بالاستهتار واللامسؤولية، وتقول: "أستغرب رؤية الأطفال في ساعات متأخرة من الليل مازالوا مستيقظين، واستهجن أيضاً تعامل الأهل مع هذا الأمر على أنه طبيعي، غير مدركين لحجم الضرر الذي يتسببون به لأبنائهم، عدا عن الأذى الذي تتسبب به الموسيقى الصاخبة للأذن وللدماغ، وآلام الرأس التي يعانيها الطفل إثر تواجده في أجواء كهذه، لايجب أن ننسى أن هذا ليس عالمه وعلينا ألا نقحمه فيه، فليس من المنطقي أن يستوعب الطفل كل هذا الضجيج الذي يحيط به من دون أن يفهم سبباً له" .
تصطحب النساء أطفالهن أثناء التسوق، ويعتبر هذا مرهقاً للطفل برأي منال الفاضل "موظفة مبيعات" فالطفل يخرج من أجل اللعب ولا يحب أن يرافق أمه إلى محلات الملابس النسائية أو غيرها حيث تقضي ساعات في المراكز التجارية وهي تتجول بين المحال، وتقول: "نشعر باليأس عندما تدخل مجموعة من النساء إلى المتجر وهن يصطحبن أطفالهن ليشيعوا الفوضى والضجيج، خاصة وأن المتجر مخصص للألبسة النسائية ولا يفضل دخول الأطفال إليه"، وتضيف أن الكثير من الصغار يصطدمون بالألواح الزجاجية المنتشرة في أنحاء المحل، حيث تعلق الملابس عليها، لعدم انتباه أمهاتهم وانشغالهن في اختيار الملابس وكأن مراقبة الأطفال مسؤولية جديدة على البائع تحملها .
تستهجن سعاد حافظ "ربة منزل" ميل الكثير من الآباء والأمهات إلى اصطحاب أبنائهم أينما ذهبوا مشيرة إلى أن هذا نتاج تغير أساليب التربية ومقاييس القيود الاجتماعية والعادات، وتقول: "في الماضي كان من المعيب أن نصطحب الأبناء في الزيارات الخاصة والعائلية إلا في بعض الحالات الاستثنائية التي تفرضها الظروف كأن يكون هناك مناسبة ما، أو في زيارة المقربين جداً، لكن جيل اليوم يتعدى على كل الضوابط والأعراف ولهذا بدت الفوضى صفة عامة لحياتنا بسبب حالة الانفلات التي خلقوها تمرداً على كل ما هو تقليدي" .
تعيش المجتمعات العربية تغيراً كبيراً في التنشئة الاجتماعية، فهي تنتقل من الحالة التقليدية إلى مسايرة الحضارة حسب د . موسى شلال "أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات" ويقول: "المجتمع الغربي سبقنا في كل أشكال الحضارة، ونحن الآن نحاول اللحاق به ومحاكاته في نمط حياتنا، ولهذا نلاحظ انحسار ظاهرة الأسرة الممتدة وانتشار نموذج الأسرة الأنوية التي ترتب عليها الكثير من التغيرات في قائمة الحقوق والواجبات، ففي الماضي كانت الأسرة الممتدة تشكل مصدر دعم قوي لأبنائها، لكن مع انتقال الأبناء إلى نظام آخر ترتب عليهم تحمل المزيد من المسؤوليات لوحدهم من دون مساعدة، ولهذا أصبح الآباء الشباب يواجهون هذه الإشكالية في رغبتهم في القيام بأعمالهم والاستمتاع بأوقاتهم مع الحفاظ على أسرهم، فيضطرون إلى اصطحاب الأطفال الصغار معهم إلى محال لا تناسب أعمارهم، مثل أماكن السهر ومقاهي الشيشة أو حتى أماكن العمل أحياناً، ويشير إلى أن العائلات في الغرب أوجدت حلاً لهذه المشكلة بابتكار وظيفة الجليسة المنزلية والحضانة التي لا تكون متوفرة في كل الأوقات، ولكن هذه ظاهرة ليست متوفرة أو مقبولة في مجتمعاتنا بعد، ولهذا يضطر الآباء والأمهات إلى اصطحابهم، والسؤال الذي يتردد على ألسنة هؤلاء هو: ماذا نفعل لنجد بديلاً عن الجليسة المنزلية؟ ويضيف "الشلال" أن التنشئة الاجتماعية تواجه حرباً كبيرة في الفترة الراهنة، وتعتبر هذه الظاهرة من أشكال هذه الفوضى الانتقالية التي يعيشها المجتمع .
دوائر ومناسبات ترفض استقبالهم
ممنوع دخول الأطفال
15 مارس 2014 01:34 صباحًا
|
آخر تحديث:
15 مارس 01:34 2014
شارك
تحقيق: زكية كردي