د . عادل أحمد الرويني

قال تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" (آل عمران: 159) .
"إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (آل عمران: 160) .
"وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" (آل عمران: 161) .
هذه الآية الكريمة "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" (آل عمران: 159) .
تتحدث عن مظهر من مظاهر رحمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ألا وهو لينه ورفقه بأصحابه الذين لم يأتمروا بأمره، ولم يستجيبوا لنصحه يوم أحد حيث فروا وتركوه .
إذاً، الآية تتحدث عن رحمة خاصة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما ينبئ السياق السابق على الآية، وما فيه من حديث عن موقف المسلمين في غزوة أحد .
وخيط الآية هنا مرتبط بسياقه أتم ارتباط - كشأن كل آي القرآن - لذا فالفاء تفريعية، أي للتفريع على ما أنبأ عنه السياق السابق من استحقاق المسلمين المخالفين لأمر رسولهم - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد اللائمة والتغليظ عليهم منه - صلى الله عليه وسلم - والمعنى: فبسبب رحمة من الله تعالى أودعها الله في قلبك كنت هيناً مع أصحابك مع أنهم خالفوك وعصوك .
ولا يخفى أن المخاطب في الآية سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم .
السؤال: ما مرجع الضمير في قوله: "لنت لهم"؟
الجواب: يعود إلى المسلمين المخالفين لأمره - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد . وقد خالف الشيخ الطاهر بن عاشور معظم المفسرين حيث رأى أن الضمير (لهم) يعود إلى جميع الأمة أو المنافقين . . والله أعلم .

دلالة جليلة

السؤال: ما نوع (ما)؟ وما دلالتها في قوله تعالى: "فبما رحمة من الله"؟
الجواب: رأى كثير من المفسرين منهم الزمخشري وأبو السعود، والبيضاوي، ومن المحدثين الطاهر بن عاشور أن (ما) مزيدة للتأكيد، للدلالة على أن لينه - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه ما كان إلا برحمة من الله . والحق أن النفس تستريح إلى رأي الأخفش في إعراب (ما) وهي أنها نكرة تامة بمعنى (شيء)، وما بعدها بدل كل منها، وهي بهذا لها دلالتها الجليلة في السياق، إذ تبعث في النفس معنى مبهماً تتيقظ النفس لمعرفته، وتتشوق إلى معرفة معناها بما يأتي بعدها متصلاً بها، ومقامها في ذلك حين يكون التحدث عن أمر عظيم له شأنه وخطورته، كما هو الحال في الحديث عن تلك الرحمة العظيمة التي ألانت قلب الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم . فمجيء (ما) في الآية فيه لون رائع من تصوير لين النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - لقومه وأن ذلك رحمة من الله . فجاء هذا المد بالألف في (ما) وما يستتبعه من إطالة الصوت وانفتاحه عند النطق به وصفاً لفظياً يؤكد لين النبي - صلى الله عليه وسلم - ويفخمه . كما أنك تشعر عند النطق به بانعطاف وعناية لا يبتدئ هذا المعنى بأحسن منها في بلاغة السياق . وفي الفصل بين الباء الجارة ومجرورها في قوله تعالى (فبما) توجيه النفس إلى تدبر المعنى، وتنبيه للفكر على قيمة الرحمة فيه . . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من تنكير (رحمة) في الآية؟
الجواب: التعظيم، وهذا يتوافق مع معنى (ما) المشار إليه . والله أعلم .
السؤال: ما معنى الباء في (بما) في قوله تعالى: "فبما رحمة من الله"؟
الجواب: للسببية، أي بسبب رحمة من الله لنت لهم . فمصدر هذه الرحمة (من الله) وفيه تفخيم إضافي للرحمة . وقيل: إن متعلق الرحمة (المؤمنون)، والمعنى: دمثت أخلاقك ولان جانبك لهم بعد ما خالفوك وذلك برحمة الله إياهم . فتكون الآية امتناناً من الله عز وجل على أصحابه - صلى الله عليه وسلم - . وقيل: متعلق الرحمة الرسول (المخاطب) أي: برحمة الله إياك جعلك لين الجانب، موطأ الأكناف، فرحمتهم ولنت لهم، ولم تؤاخذهم بالعصيان والفرار . ويكون ذلك امتناناً عليه - صلى الله عليه وسلم .
وأرى، والله أعلم، أن المقام يحتمل كلا الأمرين فتكون الآية امتناناً على المؤمنين بتليين قلب الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، وتكون كذلك امتنانا على الرسول بأن جبله ربه على الرحمة . والله أعلم،
السؤال: ما طريق القصر في قوله تعالى: "فبما رحمة من الله لنت لهم"؟
الجواب: طريق التقديم أي تقديم الجار والمجرور، حيث قصر لينه - صلى الله عليه سلم - على أنه من الله تعالى قصر صفة على موصوف . والله أعلم .

اجتماع القلوب

السؤال: ما سر ترتيب الوصفين في قوله تعالى: "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك"؟
الجواب: بُدئَ بالوصف الظاهر للحس (فظاً) أي سيئ الخُلُق قبل ما هو خافٍ، وإنما يعلم بظهور أثره وهو غلظة القلب، أي قسوته .
إذ بُدئ بالصفة الأقوى والأشد أثراً، والمعنى: لو كنت على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة واللين بأن كنت فظاً غليظ القلب لما اجتمعت قلوب أصحابك عليك، ولما التفوا حولك هيبة منك، وخجلاً من أنفسهم لما بدر منهم من عصيان أمرك، فكان ذلك سبباً لتفرق كلمة الإسلام، وإغراء للعدو . فبين الله تعالى أن ثمرة لينه - صلى الله عليه وسلم هي المحبة والاجتماع عليه، وأن الجفاء والخشونة يؤديان إلى التفرق . والله أعلم .
السؤال: لم أوثر التعبير ب انفضوا) دون (تفرقوا) في الآية؟
الجواب: للدلالة على شدة النفور، وعدم الاجتماع والالتئام كما يوحي به معنى (فض)، فالفض: كسر الشيء وتفريقه بين بعضه وبعض كفض ختم الكتاب . والله أعلم .
السؤال: لم بدئ بالأمر بالعفو ثم بالاستغفار ثم بالمشاورة في قوله تعالى: "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر"؟
الجواب: أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أولاً بأن يعفو عنهم وذلك فيما كان له من تبعة على أصحابه المخالفين لأمره يوم أحد، ثم بالاستغفار لهم فيما هو مختص بحق الله تعالى وبمشاورتهم، قال ابن عطية في تعليل ترتيب هذه الأوامر:
(أمر بالعفو عنهم فيما يخصه، فإذا صاروا في هذه الدرجة أمر بالاستغفار فيما لله إتماماً للشفقة وإكمالاً للتربية، فإذا ارتقوا إلى هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستشارة في الأمور) . وفي مشاورتهم تطييب لنفوسهم، ورفع لمقدارهم بصفاء قلبه لهم حيث جعلهم نبيهم - صلى الله عليه سلم - أهلاً لمشورته) . والله أعلم .

أسباب النصر والهزيمة

إضاءة: في الآية الكريمة "إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون" (آل عمران: 160) بيان لأسباب النصر، وبيان لأسباب الهزيمة، فالنصر من عند الله، ولكن بعد الأخذ بأسباب النصر، وبعد أن تتخلق الأمة بأخلاقه، فإذا تخلى الله عن قوم وإن كانوا مسلمين، فلن يستطيع أحد على الإطلاق أن يملك النصر لهم . والله أعلم .
السؤال: ما سر إيثار أداة الشرط (إن) التي تدل على الشك على (إذا) التي تدل على التحقق في قوله تعالى: "إن ينصركم الله"؟
الجواب: لئلا يركن المسلمون إلى التقاعس إذا وثقوا تمام الثقة من النصر، فيكونون بين الخوف والرجاء، وحتى لا يتكاسلوا عن التخلق بأخلاق النصر، ولا يتخلفوا عن الأخذ بأسبابه، ولكي لا يخافوا الهزيمة بتجنب أسبابها . والله أعلم .
السؤال: ما الحكمة من التصريح بالنفي في جواب الشرط في الحديث عن النصر في قوله: "فلا غالب لكم" وعدم التصريح بالنفي في جانب الخذلان في قوله تعالى: "وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم"؟
الجواب: هذا تلطف بالمخاطبين المؤمنين، حيث صرح لهم بعدم الغلبة إن أراد الله لهم النصر، ولم يصرح بأنه لا ناصر لهم إن رأى خذلانهم، وإن كان الكلام يدل عليه، وأبرز ذلك في صورة الاستفهام الذي يقتضي السؤال عن الناصر، وفرق بين التصريح بأنه لا ناصر لهم، والتلميح به .
وتأمل الفرق في الخطاب بين المؤمنين والكافرين في التعبير عن هذا المعنى، حيث قيل في جانب الكافرين: "أهلكناهم فلا ناصر لهم" (محمد: 13) . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى:(وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده)؟
الجواب: الاستفهام مجازي غرضه النفي، والتقدير: لا ينصركم أحد غيره - سبحانه - . والله أعلم .

تنزيه الأنبياء

إضاءة: يروى في أسباب نزول الآية الكريمة: "وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" (آل عمران: 161)، أنها نزلت بسبب قطيفة حمراء فُقدت من المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم: لعل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذها، فنزلت الآية . (أخرجه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حسن غريب) .
والمعنى الإجمالي للآية: ما كان لنبي من الأنبياء أن يأخذ لنفسه شيئا من غنيمة الحرب قبل القسمة، فالغلول ليس من صفات الأنبياء . والله أعلم .
السؤال: وردت قراءتان في (ليغل) فما هما؟ وما معنى كل منهما؟
الجواب: القراءة الأولى: قراءة ابن عباس وابن كثير وأبي عمرو، وعاصم (أن يَغُل) (بفتح الياء وضم الغين) من "غَلَّ" مبنياً للفاعل، والمعنى: لا يصح أن يقع من النبي غلول بأن يأخذ شيئاً من المغنم لنفسه من دون علم أصحابه .
وهذا النفي فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوهم ذلك في النبي، ولا ينسب إليه شيء من ذلك .
والقراءة الثانية: قراءة ابن مسعود وباقي السبعة (أن يُغَل) (بضم الياء وفتح الغين ببناء الفعل للمفعول) . والمعنى: ليس لأحد أن يخون النبي في الغنيمة، فهي نهي للناس عن الغلول في المغانم .
وخُصَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر، وإن كان ذلك حراماً مع غيره، لأن المعصية بحضرة النبي أبشع وأشنع لوجوب تعظيمه وتوقيره، كالمعصية في المكان الشريف واليوم المعظم فهي أشد ذنباً وأعظم وزراً . والله أعلم .