قد تبدو رهانات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتحقيق المجد عبر الحصار الجغرافي رابحة لجهة رفع رصيده السياسي داخلياً لأعلى مستوى منذ عودته للرئاسة قبل عامين . لكن عليه أن يتريث في الحكم خصوصاً إذا ما كانت مقومات القوة الروسية راسخة للحد الذي يدفعنا للإقرار بوجودها أصلاً .
ومن الناحية الجيوسياسية كان الغرض من احتلال القرم إيصال رسالة قوية الى العالم . لكن رد الفعل السلبي لأسواق المال العالمية والعقوبات الغربية ضد روسيا سلطت الضوء على هشاشة بل نقاط ضعف متعددة في الاقتصاد الروسي وألقت بظلال من الشك على قدرة روسيا على الاحتفاظ بموقفها الجديد ولو مؤقتاً .
كان صمود روسيا في فترة رئاسة بوتين الأولى نتاجا لانتعاشها الاقتصادي السريع بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق . فقد أنتجت طفرة تصدير المواد الأولية بين عامي 2000 و2008 فائضاً كبيراً في عائدات التصدير رفع نسبة النمو الاقتصادي إلى 7% . وبعد نجاح روسيا في تسديد ديونها لنادي باريس عام 2006 تمكنت من تحقيق فائض في رأس المال . ونتيجة لذلك كان انضمامها الى مجموعة "بريكس" مجموعة النخبة من الأسواق الناشئة، أمراً طبيعياً . إلا أن انسداد أفق النموذج البوتيني في الاقتصاد الروسي كان واضحا حتى قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008 . فقد أدت الحرب في جورجيا وتهجم بوتين على شركة "ميشيل" للحديد والصلب إلى هروب المزيد من الرساميل وتباطؤ النمو الاقتصادي . ثم تحول التباطؤ إلى ركود بعد الهبوط الحاد في أسعار السلع الرئيسية عالميا ما ألحق الضرر بصادرات روسيا منها .
ورغم الارتداد الجزئي لمعدلات النمو بفضل أسعار النفط والغاز المرتفعة إلا أنه بقي تحت معدلات ما قبل الأزمة حيث لم يتجاوز 3 .1% العام الماضي .
ويهدد العناد الروسي اليوم بوقوع الاقتصاد ضحية دورة ركود مزدوجة حيث يجمع المحللون على تخفيض توقعاتهم الخاصة بالنمو بسبب الأزمة الأوكرانية .
وتشير البيانات التراكمية إلى انكماش الاقتصاد الروسي في الربع الأول من عام 2014 . ومنذ مطلع العام بلغ إجمالي الرساميل المهاجرة خارج روسيا 70 مليار دولار أي ما يفوق ما دخل إليها منها عام 2013 .
ومما زاد الطين بلة التهديد الذي أطلقه بوتين بحجز الأصول الغربية في حال توسيع دائرة العقوبات على بلاده، وهو ما جعل روسيا مصدر خطر على الاستثمارات في وقت هي في أمس الحاجة إلى الاستثمارات الأجنبية والتقنية الضرورية لتطوير مشاريع البنى الأساسية وتوفير قاعدة النمو الاقتصادي العريضة .
وسوف يكون من الخطأ الاعتقاد بأن هذه المشاكل هي مجرد توابع قصيرة الأجل للأزمة الدبلوماسية في أوكرانيا . ففي واقع الأمر تمثل هذه المشاكل الذروة التراكمية لخلل بنيوي تم تجاهله عمدا، إن لم يكن بوتين نفسه مسؤولاً عن تفاقمه، في ظل سعيه لترسيخ سلطته الديكتاتورية المطلقة .
فالفساد المستشري يبتلع ثلث الناتج الإجمالي المحلي الروسي حسب تقديرات شركة "إن ديم فاونداشين" كما أنه يضعف حقوق الملكية وحماية المستثمرين .
وقد سلطت مشكلة مصادرة شركة "يوكوس" للنفط وشركة "هيرميتاج كابيتال" الضوء على تلك المعضلات وأدت إلى تعويمها على سطح الأحداث نظرا لكشفها عن تواطؤ حكومي مكشوف .
لكن الممارسات المتعلقة بالاستيلاء على الأصول التي يتم من خلالها استغلال القوانين والأنظمة لمصادرة أو طرد الشركات التي تم تأسيسها على أسس قانونية، تزداد انتشارا وقد تضم آلاف الحالات سنوياً .
وأبرز تأثيرات هذا النهج كبح النشاط الاقتصادي من خلال عرقلة جذب الاستثمارات وخنق روح المغامرة . فما الذي يدفع المستثمرين للمغامرة في بلاد ضرب الفساد فيه الساسة والنظام القضائي والقضاة الذين يمكن أن يخرقوا القانون في أي وقت ليأخذوا من صاحب الشركة ماله وأعماله .
وهذا ما يفسر ضآلة دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الروسي التي لا تتجاوز نسبة مشاركتها في الناتج الإجمالي المحلي 24% مقارنة مع 54% في الاتحاد الأوروبي .
وقد اعرب رئيس الوزراء ميدفيديف عن حسرته إزاء هذا الواقع التعيس من خلال عرضه الحقيقة المرة التي تقول إن الخريجين الشباب يفضلون العمل في أية دائرة حكومية مترهلة على العمل في الشركات الصغيرة أو المتوسطة لأن الأمان الوظيفي فيها معدوم . لكن فكرة، الحصول على الثروة بمصادرتها أسهل من العمل على تحقيقها، تعشش في أذهان كبار المسؤولين الحكوميين .
ورغم أنه كان من المفروض أن تعود دورة ألعاب "سوتشي" الأولمبية الشتوية بالفائدة على الاقتصاد الروسي من أوسع الأبواب، لكن الحقيقة التي لا تغيب عن أذهان الروس أن مشروع إنشاء المدينة الرياضية الذي كانت تكلفته التقديرية 12 مليار دولار ارتفعت إلى 50 مليار دولار بسبب الفساد .
هذه الاختلاسات جعلت النظام السياسي هشاً . فبعد أكثر من عشر سنوات من الاعتماد على عائدات السلع الاستخراجية خاصة النفط والغاز، فشل الزعماء الروس فشلا ذريعا في تحقيق التنويع الاقتصادي المطلوب . وقد تراجعت نسبة السلع غير النفطية في صادرات روسيا الى حدود 8% .
ويحدث كل ذلك في وقت اسفر فيه الفساد إلى جانب التدخل الحكومي غير المتوازن وارتفاع حجم التزامات الموازنة عن رفع سعر برميل النفط الحسابي في الموازنة من 20 دولاراً إلى 117 دولاراً .
ولا بد أن يضعف تراجع أسعار النفط قدرة بوتين على المناورة ويهدد بشكل جدي شعبيته . لكن الأهم هو أن التصعيد في أوكرانيا سوف يثير الذعر في نفوس المستثمرين الروس والأوروبيين على حد سواء ويدفعهم للبحث عن ملاذات أكثر أمنا واستقرارا . (سي إن إن)