إعداد: يمامة بدوان
انطلق اهتمام المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، بالبيئة وضرورة الحفاظ عليها وتنميتها، من نظرة استهدفت تحقيق التوازن بين التنمية والبيئة، والحفاظ على حق الأجيال المتعاقبة في التمتع بالحياة في بيئة نظيفة وصحية وآمنة، حيث تنبه إلى أهمية الحفاظ على البيئة منذ شبابه، فعمل ما يمكن أن يسمى بالمعجزة، ولقب فارس الصحراء، وصانع معجزة الخضرة فيها، ورجل العصر، ورجل البيئة .
أكد المغفور له بإذن الله، اهتمامه بالبيئة، فقال: "إننا نولي بيئتنا جل اهتمامنا لأنها جزء عضوي من بلادنا وتاريخنا وتراثنا، لقد عاش آباؤنا وأجدادنا على هذه الأرض وتعايشوا مع بيئتنا في البر والبحر، وأدركوا بالفطرة وبالحس المرهف الحاجة للمحافظة عليها وأن يأخذوا منها قدر احتياجاتهم فقط، ويتركوا منها ما تجد فيه الأجيال القادمة مصدراً ونبعاً للعطاء" .
وقد سبق العالم في الاهتمام بالبيئة، من خلال قوله "إن اهتمامنا بالبيئة ليس وليد الساعة، إنما هو اهتمام أصيل وراسخ دعونا له ومارسناه وطبّقناه، قبل أن يبدأ اهتمام العالم بسنوات عديدة" .
وكان قد قال، في كلمة افتتح بها المؤتمر الوزاري الآسيوي الثاني للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الذي عقد في أبوظبي في شهر يونيو/ حزيران ،2003 "إن دولة الإمارات استطاعت التعايش مع البيئة الصحراوية التي تشكل نحو ثلاثة أرباع مساحتها، والتكيف مع مواردها المحدودة لسنوات طويلة، وإنه بفضل جهود أبناء الإمارات المخلصين، استطاعت الدولة قهر الظروف الصعبة وتحقيق ما اعتبره الخبراء مستحيلاً، فبدأت الرقعة الخضراء تتّسع والصحراء تتراجع أمام اللون الأخضر" .
وأكد: "أن دلالات ذلك واضحة من المساحات الواسعة من الغابات والمزارع والحدائق وملايين الأشجار والنباتات من كل الأنواع، التي باتت تنتشر بصورة متزايدة ومستمرة وسط الأراضي الصحراوية، وتقف اليوم شاهداً على ضخامة الجهد المبذول وعلى عظمة الإنجاز الذي تحقق" .

أسلوب متفرد

كما اهتم زايد بمشاريع نشر الرقعة الخضراء وزيادة الإنتاج الزراعي، لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، كذلك مشاريع ربط المدن الأخرى بشبكة حديثة من الطرق المعبدة والمضاءة، إضافة إلى تعمير وتطوير الجزر والمناطق النائية، ليعيش سكانها عصر النهضة، حيث يؤكد في هذا الخصوص . . "أن سعادة ورفاهية المواطنين أمانة في عنقي، وإنني وإخواني الحكام حريصون على السهر وبذل كل جهد من أجل خير المواطنين وتحقيق المزيد من التقدم والرقيّ للوطن" .
إن الأسلوب المتفرد، الذي انتهجه الشيخ زايد في المتابعة الميدانية لمشاريع التنمية والتطوير وملاحقة مراحل إنجازها، دلالات مهمة لنهج القدوة في مباشرة مسؤوليات الحكم، حدده بقوله . . "إنني أريد أن يراني المسؤولون بأعينهم على رأس العمل وفي أي وقت ومن دون تحضير لذلك حتى يقتدي كل مسؤول بهذا الأسلوب في العمل، وصولاً إلى الكفاءة والاقتدار في كل إنجازات الدولة" .

خطوات رائدة

ولفت اهتمام الشيخ زايد بالبيئة أنظار العالم العربي والغربي إليه، فخطت دولة الإمارات خطوات رائدة في مجال العمل البيئي بموجب توجيهاته رحمه الله وجهوده المتميزة، فقد كان الشيخ زايد الذي عرف بوعيه وتنوره وحبه للبيئة، سبّاقاً إلى العمل الفعال والمجدي للحفاظ عليها، وبرز هذا جليا في برامج وخطط التنمية بأبعادها المختلفة، حيث اهتمت الدولة بالآثار الاقتصادية والاجتماعية على البيئة، فقامت بالدراسات العلمية وأنشأت المؤسسات والهيئات الخاصة لإدارة وحماية البيئة، كما حرصت على رسم الاستراتيجيات البيئية وتحديد أولويات العمل البيئي مثل مكافحة تلوث الهواء، وتلوث الماء ومكافحة التصحر وترشيد استهلاك الموارد الطبيعية .
وقد أكسب الاهتمام بقضايا البيئة، دولة الإمارات العربية المتحدة شهرةً عالميةً ومكانةً دوليةً مرموقةً، خاصةً في ميادين الحفاظ على الطبيعة ومكافحة التصحر، وتنمية الحياة البرية والبحرية، وإقامة المحميات الطبيعية، وتشجيع ودعم البحوث العالمية للحفاظ على أنواع متعدّدة من الحيوانات النادرة المُهدَدة بالانقراض عالمياً، مثل غزال المها والنمر العربي وأبقار البحر والسلاحف الخضراء، كذلك البرامج المتقدمة باستخدام أحدث التكنولوجيا لتكاثر الطيور البرية من بينها الصقور والحبارى .
ومع تولي المغفور له مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966 حرص الشيخ زايد على الاهتمام بالقضايا البيئية، حيث حظر الصيد في إمارة أبوظبي منذ عام ،1977 فضلاً عن معجزة زراعة الصحراء والتي تعتبر أحد أهم الإنجازات الخالدة للشيخ زايد، حيث استطاعت دولة الإمارات وبفضل سياسته الحكيمة ترويض الصحراء والتغلب على طبيعتها القاسية الجافة، ودرجات الحرارة العالية لتتحول إلى أرض خضراء .

صير بني ياس

أنشأ المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في إطار اهتمامه بإقامة المحميات الطبيعية، محمية جزيرة صير بني ياس التي تقع إلى الغرب من مدينة أبوظبي على بعد 250 كيلومترا، وتبلغ مساحتها نحو 230 كيلومتراً مربعاً، أضيف إليها جزيرة صناعية على مساحة عشرة كيلومترات مربعة لتكون قاعدة للتجارب الزراعية، حيث أصبحت الجزيرة، التي كانت طبيعتها صخرية جرداء، من أكبر المحميات الطبيعية في شبه الجزيرة العربية .


التشجير

ورغم آراء الخبراء الدوليين، الذين كانوا يرون استحالة الزراعة في الطبيعة الصحراوية والظروف المناخية الصعبة لدولة الإمارات، إضافة إلى قلة المياه وشح الأمطار، فقد مضى المغفور له بإذن الله، بعزيمة قوية، قُدماً في تطبيق رؤيته للزراعة والتشجير، فخصّص مساحات شاسعة من الأراضي لإقامة مشاريع طموحة للغابات، ونشر المسطحات الخضراء لحماية الحياة البرية، مما أنعش الحياة في البيئة الصحراوية وأوقف الزحف الصحراوي، وأسهم في تنمية وعي المواطنين واهتمامهم بالزراعة وارتباطهم وتمسكهم بالأرض .
وأكد في كلمته في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2003 بمناسبة العيد الوطني الثاني والثلاثين، ذلك بقوله "لقد تمكنا من تحويل أرض هذا الوطن، التي قيل إنها لا تصلح للزراعة والتنمية، إلى مزارع تنتشر على مدى البصر . . وإلى حدائق وغابات خضراء ومصانع إنتاجية" .

عاشق الصحراء

يرجع عشق المغفور له الشيخ زايد للصحراء، إلى ارتباطه بقيمها المتمثلة في الشهامة والفروسية وكرم الضيافة والهدوء، الذي يدعو إلى التأمل في القدرة الإلهية، وإبداعاتها التي لا يمكن وصفها رغم الإحساس بها، لكن نظرته لا تغفل عن الجانب المخيف من الصحراء، المتمثل في زوابعها ومناخها القاسي ورمالها المتحركة، وقد نجحت الخضرة، التي تزحف على بقاع كثيرة في التخفيف من وطأة الصحراء والتقليل من مساحتها الشاسعة .
وأكدت الدراسات حينها أن إمارة أبوظبي تعاني التصحر وانجراف الرمال نحو المزارع التي أقيمت فعلاً وتراكمها حول النباتات مما يؤدي إلى دفنها والقضاء عليها مما يهدد التنمية الزراعية، ولكن عمل الشيخ زايد رحمه الله- على تسطيح الكثبان والتلال التي تهب منها الرمال وفرش طبقة جديدة من الطين فوقها، وتم تقسيمها على المواطنين الذين أقبلوا على زراعتها وعمل على توفير شبكات الري والمياه والبذور والأسمدة وتوفير الإرشاد الزراعي وإقامة أحزمة خضراء من الأشجار حولها كمصدات للرياح ولتثبيت التربة، كما أمر بزراعة الغابات حول المدن لحماية الزراعات والمدن من هجمات الصحراء المحملة بالرمال وتلطيف الجو وتقليل نسبة الرطوبة .
كما حرص الشيخ زايد على أن تتخذ دولة الإمارات مجموعة من الإجراءات وتضع برامج عمل لمكافحة التصحر، منها الاهتمام بالمياه الجوفية وإنشاء السدود واستخدام مخصبات التربة وإنشاء مصانع الأسمدة والاهتمام بالزراعات المقاومة للملوحة . كما عمل على تشجير جانبي الطريق بين العين وأبوظبي وكان هذا المشروع بداية نجاح زايد في معالجته قسوة الصحراء، وبفضل هذه التوجيهات انتشر اللون الأخضر في مساحات واسعة من الصحراء .

زراعة النخيل

بذل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، جهودا كبيرة وسخر الطاقات، في سبيل تطوير زراعة النخيل على مستوى زيادة عدد أشجار النخيل واتساع الرقعة المزروعة في مختلف أنحاء الإمارات، بالإضافة إلى زيادة الإنتاجية وتحسين نوعية التمور المنتجة، كذلك الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية والدعوة إلى تشجيع الاستثمارات الحكومية والخاصة في قطاع النخيل والتمور، الأمر الذي وضع دولة الإمارات في مكانتها المرموقة والريادية في مجال زراعة النخيل على مستوى العالم، حيث يقدر عدد أشجار النخيل بالدولة بحوالي 40 مليون نخلة، 5 .8 % منها في منطقة العين .
كما أن المساحة الكلية لزراعات النخيل في دولة الإمارات العربية المتحدة، قد زادت من 60 هكتاراً في عام 1971 إلى 31 ألف هكتار في عام ،1996 أي أنها تضاعفت 48 مرة، الأمر الذي جعل دولة الإمارات العربية المتحدة تحتل المركز السابع في قائمة الدول المنتجة للتمور، حيث يبلغ نصيبها 6% من الإنتاج العالمي، كما أن المساحات المزروعة من النخيل تشكل 15% من إجمالي المساحات المزروعة بالدولة " ما يقارب 200 ألف هكتار" .

تقدير دولي مستحق

حظيت جهود الشيخ زايد باحترام وتقدير المنظمات والمؤسسات العربية والإقليمية والدولية في أكثر من مجال، فقد نال المغفور له الشيخ زايد العديد من الجوائز على المستويين العربي والدولي، حيث منح مهرجان الشباب العربي الذي عقد في بيروت خلال شهر سبتمبر 1993 المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد لقب رجل البيئة والإنماء لعام ،1993 وذلك تقديراً لدوره الرائد في حماية البيئة ومكافحة التصحر، وفي نفس العام منحته جامعة الدول العربية وشاح رجل الإنماء والتنمية، تعبيراً عن اعتزاز كل الشعوب العربية والإسلامية بجهوده المقدرة في مكافحة التصحر والاهتمام بالبيئة والمشاريع الإنمائية على مستوى الإمارات والدول العربية والإسلامية الشقيقة، وفي عام 1995 حصل الشيخ زايد رحمه الله على جائزة مركز الشرق الأوسط للبحوث والدراسات بجدة "الشخصية الإنمائية لعام 1995" .
وفي ديسمبر عام 1995 قدمت للشيخ زايد جائزة تقديرية وميدالية ذهبية من منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو)، تقديراً لجهوده في نشر التنمية الزراعية داخل دولة الإمارات ومساهماته في عدد من الدول النامية في هذا المجال، وتبرع المغفور له الشيخ زايد بتكلفة تدريب وتخريج طلاب وطالبات من برنامج الماجستير البيئي من جامعة الخليج العربي بالبحرين، وجاءت هذه المنحة السخية تتويجاً لجهوده طيب الله ثراه، للحفاظ على البيئة والحياة الفطرية وتنميتها ورفع القدرات البيئية للمواطنين الشباب في التحصيل العلمي والاختصاص الأكاديمي، سواء في جامعة الإمارات أو على المستوى الخليجي والإقليمي في جامعة الخليج العربي بالبحرين، ومن الجوائز والأوسمة العالمية وسام المحافظة على البيئة الباكستاني وجائزة أعمال الخليج عام 1966 .
ونال المغفور له الشيخ زايد في مارس 1997 جائزة (الباندا الذهبية) من الصندوق العالمي لصون الطبيعة تقديراً للجهود التي بذلها في مجال الحفاظ على البيئة وحماية الحياة البرية، ليكون بذلك أول رئيس دولة يحصل على جائزة بيئية عالمية، ومنح الشيخ زايد في يونيو من عام 1997 شهادة الدكتوراه الفخرية في مجال الزراعة من جامعة عين شمس، تقديراً لجهوده الكبيرة في مشاريع التنمية الزراعية . كما اختارته منظمة المدن العربية في دورتها السادسة التي عقدت بالدوحة في مارس 1998 لنيل جائزة "داعية البيئة"، وفي نفس العام اختير كأبرز شخصية عالمية من قبل هيئة رجل العام الفرنسية .