غزة - رائد لافي:
من بين الأطباء في مستشفى الشفاء الرئيسي في مدينة غزة، يبرز طبيب ذو بشرة أوروبية بشعر أشقر وعيون زرقاء، يعمل بنشاط كالنحلة، يتنقل بين الجرحى، يداوي جروحهم ويخفف من آلامهم .
الطبيب النرويجي مادس غيلبرت أصر على دخول غزة في اليوم الأول للحرب "الإسرائيلية" في الثامن من الشهر الجاري، ومنذ اللحظة الأولى يعتكف في المستشفى، ولا يكاد ينام، يعمل على مدار الساعة، لمساعدة الأطباء الفلسطينيين في ظروف صعبة ومعقدة، بفعل ارتفاع أعداد الشهداء والجرحى .
ويستغل غيلبرت، وهو أخصائي تخدير وطب الطوارئ، كل مساحة في المستشفى، لعلاج جرحى العدوان "الإسرائيلي"، بعدما اكتظت الغرف والأقسام، وتحولت أرضيات وممرات المستشفى لأسرة علاج .
وبينما كان الدكتور غيلبرت يعاين طفلة أصيب بجروح بالغة في مجزرة حي الشجاعية شرق مدينة غزة، قال "هذه جريمة حرب، إنها جريمة ضد الإنسانية، ما ذنب هذه الطفلة، والمئات من أطفال غزة كي يتعرضوا لكل هذا الإجرام والعنف؟" .
وظل غيلبرت، وهو من مواليد العام ،1947 واقفاً على قدميه طوال ليلة المجزرة في حي الشجاعية، يستقبل مع بقية الأطباء، ضحايا المجزرة التي راح ضحيتها أكثر من 70 شهيداً، و400 جريح، أغلبيتهم من النساء والأطفال والمسنين .
وأكد الطبيب النرويجي أن جل ضحايا الحرب "الإسرائيلية" المستمرة على غزة لليوم الخامس عشر على التوالي هم من المدنيين، وبينهم المئات من النساء والأطفال، بما يشكل انتهاكاً فاضحاً وجسيماً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني .
ويقول غيلبرت إن قوات الاحتلال "الإسرائيلي" استخدمت خلال عدوانها على قطاع غزة أسلحة محرمة ومحظورة دولياً تسبب تهتكاً كبيراً في أجساد الضحايا .
وأضاف أن الحرب الحالية التي تستخدم فيها "إسرائيل" ترسانتها العسكرية بكل ما فيها من أسلحة جاءت في وقت عصيب تعاني فيه مستشفيات غزة نقصاً حاداً في الأدوية والمعدات والمستلزمات الطبية، ما يفاقم من الواقع الصحي .
وكانت وزارة الصحة في غزة حذرت من وقوع كارثة حقيقية في القطاع الصحي بسبب نفاد عشرات أصناف الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة في غرف العمليات والطوارئ .
ويقول غيلبرت إن الوضع الصحي متدهور للغاية، وزاد تدهوراً، مع كثافة أعداد الشهداء والجرحى، فكل إنسان في غزة أصبح هدفاً لطائرات الاحتلال "الإسرائيلي" وكل ساكن في غزة يشعر أنه قد يكون الضحية المقبلة .
ورغم الجهد الكبير الذي يبذله غيلبرت، متطوعاً وبلا مقابل، لا يشعر أنه يقدم الكثير لغزة وأهلها، ويقول "ما أقوم به ليس كثيراً، وهناك الكثير من الأحرار حول العالم يتمنون لو أنهم مكاني الآن يساعدون غزة التي تتعرض للموت والدمار" .
ويعرف عن غيلبرت تضامنه مع نضال الشعب الفلسطيني منذ سبعينات القرن الماضي، حيث بدأ آنذاك في تقديم المساعدة الطبية للفلسطينيين، وإسناد حقوقهم في الإعلام الغربي .
وكانت أول زيارة لغيلبرت لقطاع غزة خلال الحرب الأولى التي شنتها قوات الاحتلال "الإسرائيلي" أواخر العام 2008 ومطلع العام ،2009 ثم زارها للمرة الثانية في الحرب التي شنتها "إسرائيل" في نوفمبر/تشرين الثاني ،2012 وبمجرد سماعه بقرار "إسرائيل" شن الحرب الثالثة ترك أعماله في النرويج وقرر أن يكون بين أهالي غزة .
ودعا غيلبرت المجتمع الدولي إلى سرعة التحرك بشكل عاجل لإنقاذ المدنيين الفلسطينيين، والضغط على "إسرائيل" لوقف هذه الحرب "المجنونة" ضد الأبرياء في غزة .