أبوظبي- منّي بونعامة:
للعيد وَقْع مختلف في نفوس الشعراء والأدباء الذين ينساقون خلف أحاسيسهم المرهفة وذائقتهم المتميزة، ويستحضرون في أشعارهم ما تعالق في أذهانهم من ذكريات ومواقف ومشاهد عاشوها في أوقات مضت وأزمان خلت، فتحدث في نفوسهم الفرحة والسرور والحنين إلى الماضي، ويستقبلون العيد بروح مشرقة ويتغنون به ويعزفون على أوتاره ألحانهم الشجية سابحين في عوالمه الروحية والوجدانية، فرحين مرحين ومسرورين، وتظهر على أساريرهم وقسمات وجوههم بهجة الاحتفال والاحتفاء بالمناسبة الجميلة، وهو ميدان خصب للشعراء يتبارون فيه بأجمل الشعر وأعذب البيان، يقول ابن المعتز في فرحة العيد:
أهلاً بفِطْرٍ قد أضاء هلالُه
فالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّرِ
وانظرْ إليه كزورقٍ من فِضَّةٍ
قد أثقلتْهُ حمولةٌ من عَنْبَرِ
والعيد مناسبة ملهمة يهنئ فيها الشعراء والأدباء الملوك والحكام والساسة يقول أبو الطيب المتنبي مهنئاً سيف الدولة بقدوم العيد:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده
وعيد لمن سمى وضحى وعيداً
ولازالت الأعياد لبسك بعده
تسلم مخروقاً وتعطي مجدداً
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى
كما كنت فيهم أوحداً كان أوحداً
هو الجد حتى تفضل العين أختها
وحتى يكون اليوم لليوم سيداً
هذا الابتهاج والفرح والسرور الملهم للشعر وجميل القريض يحلق بالروح في عوالم جميلة تدور في فلك الإبداع والاحتفاء بالعيد السعيد، لكن هذه المناسبة الجميلة ليست دائماً بالواقع نفسه في نفوس الشعراء، بل قد تكون سببا في تذكر فقيد أو تغيّر حال، وتدخل إلى النفس حالة من الحزن والأسى، وتذكي فيها لواعج الشوق والحنين إلى شيء مضى وانقضى، فيهيج الشاعر باللوعة والبكاء والتذكار وندب الحال والمآل . لذلك لم يكن العيد دائما مناسبة سعيدة بالنسبة للشعراء بل حالة متغيرة حسب الوضعية المزاجية والنفسية والعاطفية والاجتماعية لدى الشاعر، وسرعان ما تتغير مظاهر الاحتفاء بالعيد عندما تخامر الشاعر حالة نفسية أو عاطفية تجعله ينغمس في بحر لجيّ، غارقاً في هم شديد وحزن عميق يُطْبِق على نفْسه ونفَسه ويلغي كل مظاهر الفرح والبهجة وينسفها نسفاً، وهنا نتذكر المتنبي عندما وصف حاله في مصر بعيداً عن الأحبة في داليته المشهورة حيث يقول:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ
بما مضى أم بأمْرٍ فيكَ تجديدُ
أمّا الأحِبة فالبيداءُ دونَهم
فليت دونك بيداً دونها بيدُ
والحال نفسها يندبها الشاعر أبو فراس الحمداني لما أتى عليه العيد أسيراً في بلاد الروم، فقال متحسراً على ما آل إليه:
يا عيدُ ما جئتَ بمحبوبِ
على مُعَنَّى القلبِ مكروبِ
يا عيدُ قد عدتَ على ناظرٍ
عن كل حسنٍ فيكَ محجوبِ
ويذكي تغيّر الحياة من حال إلى حال في نفس الشاعر الألم والحزن، ويجعله يبث الشكوى من البلوى التي حلّت به أو ألمّت بأهله، يقول المعتمد بن عباد لما أسره المرابطون وعزلوه عن ملكه وسجنوه في "أغمات" متحسراً على ما آل إليه مصير بناته وهن جائعات حافيات في العيد، بعد أن ذقن رغد العيش ورفاه الحياة، وكان يسعى إليهن بما اشتهينه لدى الرواح والبكور:
فيما مضى كُنتَ بالأعيادِ مسروراً
فساءك العيدُ في أغماتَ مأسوراً
ترى بناتِك في الأطمارِ جائعةً
يغزِلْن للناسِ ما يمْلِكْن قطميراً
بَرَزْنَ نحْوك للتَّسليمِ خاشعةً
أبصارُهُنَّ حسيراتٍ مَكاسِيراً
يطأْن في الطينِ والأقدامُ حافيةٌ
كأنَّها لم تطأ مِسكًا وكافُوراً
ويرفض الشاعر إيليا أبوماضي الانسياق للحزن والألم في العيد ويقول:
أقبلَ العيدُ ولكنْ
ليس في الناس المسرّهْ
لا أرى إلا وجوهًا
كالحاتٍ مُكفهِرَّهْ
أيها الشاكي الليالي
إنما الغِبطةُ فكرهْ
لا تكنْ مُرًّا ولا تج
علْ حياةَ الناسِ مرهْ
إنه العيدُ وإنّ ال
عيدَ مثلُ العُرس مرَّه

وقد كان للعيد عند بعض شعراء الأندلس، تجارب فيها من المديح والحب والبشرى الشيء الكثير، ما يدلل على مكانة هذا العيد لدى أهل الأندلس، فها هو ابن زيدون يقدم التهنئة للوليد بن جهور قائلاً:
هَنِيئاً لَكَ الْعِيدُ الَّذِي بِكَ أَصْبَحَتْ
تَرُوقُ الضُّحَى مِنْهُ وَتَنْدَى الأَصَايِلُ
تَلَقَّاكَ بِالْبُشْرَى وَحَيَّاكَ بِالْمُنَى
فَبُشْرَاكَ أَلْفٌ بَعْدَ عَامِكَ قَابِلُ

فالممدوح يستقبل هذا العيد بالبشرى، ويتمنى له الشاعر أن يستقبل كل أعياده المقبلة بالسَّعادة .
وأنشأ ابن خفاجة في عيد الفطر قصيدة في مدح الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أمير شاطبة سنة 510ه، هنأه فيها بهذه المناسبة، واستنجزه وعداً بالعطاء، وختمها بقوله:
وَهُنِّئْتَ عِيداً قَدْ تَلَقَّاكَ قَادِماً
وَلَمْ يَكُ لَوْلاَ أَنْ طَلَعْتَ لِيَطْلَعَا
وَحَسْبُكَ جَدٌّ قَدْ أَظَلَّكَ خَادِماً
فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ تَقُولَ فَيَسْمَعَا
العيد في ذاكرة الشعراء حمّال أوجه ومعان وحسبك مما سبق أن إحساس الشاعر المرهف هو الذي يدفعه إلى الاحتفاء بالعيد وأجوائه المبهجة والمفرحة، والتخلّص من الذكريات المحزنة، أو يحدوه إلى الارتماء في همٍ سرمدي حسب الحال والمآل .