مارلين سلوم
مواسم "الاقتباس" تتوالى ولا ابتكار تحت الشمس . وكأن أرض التأليف قاحلة، تعاني الجفاف في العالم العربي، لا ينبت من باطنها إلا القليل، بينما يتم استيراد الأفكار والقصص من الخارج . نتقبّل الأفلام المقتبسة بمقدار معين، وإن تمّت إعادة حياكتها بروح جديدة تتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا وحياتنا العربية، وإن أحس الجمهور خلال المشاهدة أن صناع الفيلم لم يستسهلوا ليقدموا له فكرة "مستهلكة" بقالب هزيل وبلا أي مجهود حقيقي . ولعل هذا الشرط الأخير، هو أهم أسباب نجاح فيلم "الحرب العالمية الثالثة" الذي وصل حديثاً إلى الإمارات ويلقى إقبالاً في الصالات .
"الحرب العالمية الثالثة" إنتاج أحمد السبكي وإخراج أحمد الجندي وكتبه الثلاثي أحمد فتحي وشيكو وهشام ماجد وهم أبطاله الرئيسيون، وتأليف مصطفى صقر ومحمد عز . أما فريق التمثيل فيضم إلى جانب الثلاثي أحمد وشيكو وهشام، إنعام سالوسة، علاء مرسي، محمود الجندي، يوسف عيد، محمد علي رزق، المغنية بوسي، بيومي فؤاد، أحمد فتحي . . ومشاركة عمرو يوسف بدور قصير لصلاح الدين الأيوبي، وصلاح عبدالله بالصوت فقط مؤدياً دور أبو الهول، بينما يظهر سمير غانم بلقطات بشخصية اللواء .
بداية الفيلم اعتراف، حيث يشير صناعه إلى "تشابه" بينه وبين فيلم آخر، وهي لفتة ذكية تؤكد أمانتهم وصدقهم . والمعروف أن "الحرب العالمية الثالثة" مأخوذ عن الأمريكي "ليلة في المتحف" عام ،2006 بطولة بن ستيلر وروبن ويليامز ومجموعة من النجوم، وإخراج شون ليفي . ونظراً لنجاحه الكبير تم إنتاج ثلاثة أجزاء منه، وكان الجزء الثالث هو آخر ما صوره روبن ويليامز قبل أن يرحل دون مشاهدته إذ المفروض أن يبدأ عرضه في 19 ديسمبر/ كانون الأول المقبل في أمريكا .
النسخة العربية من الفيلم كوميدية بامتياز، ومن أسباب نجاحها أن الكوميديا تنبع من المواقف وليست مفتعلة أو تعتمد على الكلام البذيء والسخيف . هي قصة شاب "خميس" (أحمد فهمي) فاشل في حياته حتى في ممارسة هوايته المفضلة كرة القدم، في إحدى الليالي وأثناء لعبه مع مجموعة من الشباب يقذف خميس الكرة بقوة فتكسر زجاج المبنى المهجور . يدخل بحذر خميس المبنى ليجد فيه تماثيل كثيرة لشخصيات من التاريخ مثل توت عنخ آمون والزعيم أحمد عرابي ومحمد علي الكبير وغاندي ونابليون ورأفت الهجان وأم كلثوم وفرقتها الموسيقية وإلفيس بريسلي وبوب مارلي، وبعد تجوله بينهم ووصوله إلى تمثال غاندي، تدب الحركة فيها فتقبض عليه .
من الواضح أن صناع الفيلم هربوا من تجسيد الرؤساء الراحلين خوفاً من أي "زعل" سياسي . لكننا نستمتع بالروح الكاريكاتورية التي ظهرت بها الشخصيات التاريخية، والتي جسدها نجوم معروفون وبعضها كان من الكومبارس . تبدأ المطاردة برئاسة الملك توت عنخ آمون (شيكو) باعتبار خميس لصاً، ويحكمون عليه بالإعدام، فينقذه علاء الدين (هشام ماجد) الذي يدعي بأنه (أي خميس) تمثال صلاح الدين ولكن تم استبدال رأسه أثناء الصيانة . في المقابل يفرض علاء الدين على خميس مساعدته للهرب من المتحف والسفر إلى ديزني في أمريكا .
نكتشف أن كل هذه التماثيل تدب فيها الحياة عند منتصف الليل وحتى الخامسة صباحاً، بسبب تعويذة سحرية فرعونية مكتوبة في كتاب من البردي جعلتهم أحياء من الشمع لبعض الوقت . قارئة التعويذة هي "هويدا" (إنعام سالوسة) مديرة المتحف سابقاً، وقد تمكنت من مغادرة المتحف مع مجموعة من التماثيل وعلى رأسها "هتلر"، وقامت بتصنيع تماثيل إضافية (هولاكو ودراكولا وأبو لهب وريا وسكينة . .) لتخوض بها حرباً ضد التماثيل الموجودة في المتحف فتتمكن من احتلاله والسيطرة عليه . ومن هنا يطلق عليها "هتلر" (علاء مرسي) اسم الحرب العالمية الثالثة .
أهم ما جعل الفيلم محبوباً ومرغوباً من كافة مستويات الجمهور، علماً أنه ممنوع على من هم أقل من 15 عاماً، وهنا كان بإمكان الكاتب والمخرج حذف تلك المشاهد البسيطة والكلمات "الإيحائية" التي لم تضف للعمل الشيء الكثير، ليكون صالحاً لكافة الأعمار . إذاً أهم ما في الفيلم أنه ابتعد عن العنف السائد في السينما المصرية والبلطجة والدماء والألفاظ البذيئة والخلطة التي يستخدمها معظم صناع السينما حالياً - ومنهم السبكي نفسه- والمجبولة ببهارات الابتذال . لكن السبكي هذه المرة اكتفى بلعب دور المنتج السخي، فساهم في إنجاح العمل خصوصاً أن الشخصيات التاريخية تحتاج إلى جهد في الماكياج ودقة في اختيار الملابس .
للممثلين دور كبير طبعاً في إنجاح أي عمل أو إفشاله، وهنا استطاع كل ممثل أن يجيد تقديم دوره في "الحرب العالمية الثالثة"، كما استطاع شيكو وأحمد وهشام ترسيخ صورة "الثلاثي الناجح" في السينما . ومن أكثر المتميزين علاء مرسي الذي تفوق بدور "هتلر" وتمنينا لو أن مساحته كانت أكبر، كذلك قدم الفنان الذي فاجأنا برحيله يوسف عيد آخر أدواره "بوب مارلي" بكوميديا عالية جداً، وبإتقان وكأنه أراد أن يكون ختام رحلته الفنية مسكاً وقد فعل . هذا الفنان الذي كنا نعتبره "رشة الفرح" في أفلام الكوميديا، وحرص النجم عادل إمام على منحه إطلالة مميزة في معظم أعماله، لم يكن تقليدياً ولم يسع إلى تقليد الآخرين، بل خلق لنفسه شكلاً وأسلوباً ولوناً خاصاً، حتى إنه كان يصر على الارتجال في مشاهده لاسيما على المسرح ليضفي نكهة حية على أي دور يجسده .

"صدى" للجمهور

في موسم عيد الفطر الماضي، تربع فيلم "الحرب العالمية الثالثة" على عرش الإيرادات في الصالات المصرية، وفي موسم عيد الأضحى وصل إلى صالاتنا لينجح في جذب الجمهور إليه . صحيح أن المنافسة هنا شبه معدومة نظراً إلى "الشح" في الأفلام العربية المعروضة في وقت واحد، وهي ظاهرة نعانيها في الإمارات ولا نفهم السبب، حيث يجد المشاهد نفسه أمام خيارات متعددة لأفلام أمريكية وهندية، وحتى أفلام الكرتون المتنوعة للأطفال، بينما الشاشة لا تتسع إلا لفيلم واحد طويل ناطق باللغة العربية أياً كان مصدره . كما نستغرب أيضاً أن تبقى السوق مغلقة أمام الجمهور في الإمارات وأن تصل الأفلام العربية متأخرة دائماً، ليجد نفسه مجرد "صدى" للجمهور المصري واللبناني، يترقب ردود أفعالهم إثر مشاهدتهم الأولى للأفلام، ويقرأ ويرى "اللقطات المسروقة" عبر اليوتيوب فتتكون لديه فكرة مسبقة قبل أن ينال فرصة المشاهدة الحقيقية في الصالات . وهنا يبقى السؤال معلقاً بلا إجابة: لماذا تتأخر الأفلام في الوصول إلينا، ولا نحظى بفرصة مواكبة العروض الأولى في بلد المنشأ، أو على الأقل نتماشى معها بفرق زمني بسيط لا يتجاوز الأسبوع من بدء العرض في الخارج؟