تحقيق: وحيد إبراهيم
أثار تقرير المركز الوطني للإحصاء بشأن عدد حالات الزواج والطلاق بالدولة خلال العام الماضي، بما تضمنه من إحصائية أشارت إلى زواج 898 مواطنة بزوج غير مواطن من بين 3007 حالات زواج، لمواطنين ومواطنات تزوجوا من زوجة/ زوج غير مواطن، آراء متباينة في أوساط المجتمع، فبينما يرى البعض أن الحساسية المفرطة من زواج الخليجيات "بشكل عام" من غير خليجيين ليست في محلها، ويؤكدون أنها في طريقها إلى التغير، يرى آخرون أهمية أن نراعي الأعراف والعادات والتقاليد ونحرص على لحمة المجتمع من خلال الزواج بين المواطن والمواطنة .
وحالات الزواج التي شهدتها الإمارات خلال العام الماضي 2013 بلغت نحو 16 ألفاً و441 عقد زواج مسجلاً في السجلات الرسمية، وشهدت أبوظبي النسبة الأكبر منها بإجمالي 3916 حالة، وبحسب المؤشرات التي كشف عنها المركز الوطني للإحصاء انقسمت حالات الزواج بين 9520 عقد زواج للمواطنين و6921 لغير المواطنين، بينما وقعت 694 حالة طلاق بين مواطنين وزوجات غير مواطنات، وحصلت 162 مواطنة على عقد طلاق من زوج غير مواطن، وذلك من إجمالي حالات الطلاق المسجلة العام الماضي على مستوى الدولة من مواطنين ومقيمين، والبالغ عددها نحو 3324 حالة طلاق .
ترى حبيبة الحوسني، مدير عام مؤسسة صندوق الزواج بالإنابة، أنه على الرغم من أن تقرير المركز الوطني للإحصاء لم يوضح لنا جنسيات الأزواج الذين اقترنت بهم هؤلاء الزوجات المواطنات على اعتبار أن مجتمعاتنا الخليجية تعتبر الخليجي من أي بلد ليس أجنبياً، فإن الزواج من الحريات الشخصية، والدولة أعطت الحرية لكل إنسان أن يختار شريكة حياته ولكل فتاة أو امرأة أن تختار شريك حياتها .
الخوف يكون من الزواج من أجنبي وليس العربي، لأن العرب تجمعنا بهم أواصر كثيرة وعادات وتقاليد متشابهة، أما غير العرب فالوضع مختلف ويؤثر في حياة وعادات الأبناء وفي مستقبلهم وفي المجتمع المحيط بوجه عام، لذا كنا نتمنى أن يوضح التقرير أعداد الأزواج الخليجيين والعرب من تلك الحالات حتى تتضح لنا المؤشرات .
نحن كمؤسسة متخصصة في الزواج نقوم على توعية المجتمع، ونحث، وننصح الشباب على الزواج، وأن يكون الزواج من مواطنات من أجل تحقيق حياة مستقرة وبما يصب في مصلحة الوطن، سواء بمعالجة خلل التركيبة أو بناء أجيال متماسكة تجمعها عادات وتقاليد واحدة، ولا نستطيع إلزام أحد، لأن الإنسان لا يقدم على الزواج إلا إذا توافرت له أركان هذا الزواج، فهو وحده من يختار وهو من يسعى إلى بناء أسرة ناجحة مستقرة، تسهم بدورها في نهضة المجتمع وتقدمه .
ثقافات متعددة
وترى الدكتورة منى البحر عضو المجلس الوطني الاتحادي، أن العولمة والانفتاح اللذين وصلا إلى أوجّهما أديا إلى تغير كبير في الفكر والثقافة وظروف المكان والزمان، فنحن نعيش في بلد مفتوح، أعداد الوافدين فيه 3 أضعاف أعداد المواطنين، وهذا الانفتاح أتاح فرص التلاقي والتواصل الفكري والروحي بين المواطنين وكافة الجنسيات، ما أتاح الفرصة لحدوث حالات الزواج من كلا الجنسين .
وبالنسبة إلى زواج الرجال من أجنبيات فهذا قديم منذ كان كبار السن يتزوجون من آسيويات واستمرت هذه الحال حتى يومنا هذا بالزواج من أجنبيات نتيجة تعلق الإماراتيين بالسفر، أما الشباب فقد يجد الشاب في فتاة من جنسية أخرى قد تكون زميلة له في العمل الزوجة التي تناسب طموحه، أما بالنسبة إلى الفتاة فهناك الكثيرات ممن هيأت لهن فرصة الدراسة في الخارج أن يلتقين شباباً من جنسيات مختلفة وتتم عملية الزواج، وهذا أمر يحدث في العالم كله ليس لفتياتنا فقط، ويحدث من دون طرحه في وسائل الإعلام، أما نحن في الإمارات فنستغربه لأنه ما زال غير مقبول في المجتمع .
إن موافقة أهل الفتاة الإماراتية على زواج ابنتهن من شاب يحمل جنسية أخرى، هو دليل تغير في النسق القيمي والفكري فيما يتعلق بالزواج، وهذا تطور طبيعي أتوقع أن يزيد في المستقبل .
الفتاة تبحث عن الرجل الذي تحقق معه ذاتها في تكوين الأسرة وعلى المستوى الوظيفي والمستقبل وغيره، والانفتاح والتواصل مع المجتمع أتاح لها فرصاً لم تكن موجودة من قبل لاختيار شريك حياتها، ومعها الشرع وحقوق الإنسان التي تتيح لها أن تختار شريك الحياة .
وعلى الرغم من تهيئة كل تلك السبل والوسائل للفتاة كي تختار شريك حياتها، فإن نسبة كبيرة من حالات الطلاق تحدث في الزواج بين المواطنين وغير المواطنين، كما أشارت إحصائية مركز الإحصاء، كما يتسبب هذا النوع من الزواج في ضياع هوية الأبناء وهذه المعلومات استقيها من الميدان التربوي، لذا يجب توعية الشباب والأسر بأهمية الزواج من مواطنات، باعتباره بمثابة بر الأمان للشاب وأبنائه الذين يشكلون قوة الوطن ومستقبله .
نتيجة طبيعية
ويرى الدكتور جمال بن عبيد البح رئيس منظمة الأسرة العربية، أن زواج الإماراتية من غير المواطن هو نتيجة طبيعية لعزوف الشباب المواطنين عن الزواج، وخوف الفتاة من العنوسة، وأن تمضي بقية حياتها بلا زواج، فالشباب المقبلون على الزواج قلة، والفتاة أحياناً تجد في الزواج من غير المواطن حلاً للمشكلة .
إن المجتمع ينظر إلى هذا التصرف من الفتيات المواطنات اللائي يقترن بأزواج غير مواطنين، على أنه تمرد منهن على المجتمع، وعلى العادات والتقاليد، بسبب هذا العزوف من الشباب المواطن وقلق الفتيات من العنوسة .
هذا الزواج في أغلبه لا يستمر، لأن هناك فارقاً في العادات والتقاليد بين الدول العربية، وهو ما يعرقل عملية الاستمرار، والأهالي ووسائل الإعلام وكافة الجهات ذات الاختصاص مدعوة إلى تكثيف جهودها لتوعية الشباب وتشجيعهم على الزواج من مواطنات، لأن في هذا الحل الأمثل لبناء الأسرة وزيادة أعداد المواطنين وتحقيق النهضة الشاملة، ليس هذا فقط، بل والتوعية بالآثار السلبية للطلاق في الأسر والمجتمع والأبناء ودراسة الآثار الاجتماعية لانخراط الشباب في الخدمة الوطنية وتوعيتهم بألا يؤثر ذلك في قرارهم بتأجيل الزواج، لأن في هذا التأجيل آثاراً لا نريدها .
كما نؤكد أهمية تعزيز المناهج التي تبين للنشء أهمية الزواج، وبناء الأسرة والمجتمع المستقر والمترابط .
تحقيق الذات
وترى أفراح الجنيبي مذيعة ورئيسة تحرير، أن السبب وراء توجه الفتاة المواطنة للزواج من غير مواطن يعود لعدم تفهم المواطن لطموحات الإماراتية في مستقبل وظيفي، وسعيها نحو إثبات كيانها في مجال العمل والتميز والتطور فيه، وصولاً إلى تحقيق ما تطمح إليه ويعود على الوطن والأسرة والمجتمع بوجه عام بالخير والتقدم، فالمرأة نصف الأمة ودورها في مجال العمل وبناء وطنها والسعي نحو تقدمه وإعلاء شأنه بين الأمم واجب على كل من الرجل والمرأة على حد سواء، ولولا نجاحات المرأة في مجالات العمل المختلفة لما وصلت إلى منصب الوزيرة وعضو المجلس الوطني ومدير عام الهيئة أو المجلس أو المؤسسة، هذا لاشك تحقق بفضل كفاءتها ومهارتها وقدرتها على التميز في العمل، وهو ما دفع قيادتنا السياسية على تحفيز المرأة لتواصل تعليمها وتشارك الرجل في بناء الوطن وتقدمه .
كل النساء الناجحات والمتميزات وراءهن رجال وقفوا إلى جوارهن، حفزوا وهيأوا لهن المناخ للتميز وإثبات الذات، فكان النجاح والتميز للأسرة كلها والأمثلة أمامنا كثيرة في سيدات في مواقع مرموقة بنوا أسراً ناجحة مستقرة، أما الرجل الذي لا يهمه في المرأة إلا البيت والأبناء، ولا يلقي بالاً لطموحها ككيان تحلم بمستقبل أفضل لها ولأسرتها من دون تقصير في الاهتمام بالأسرة والأبناء، هذا الرجل الذي ينظر للمرأة بهذه النظرة هو من يجعل الفتاة ربما لا تمانع من الزواج بزميلها في العمل ولو كان وافداً، لأنها ترى فيه الشخص الذي يمكن أن يبنيا معاً مستقبلهما ويحققا طموحاتهما سوياً .
هذا هو السبب الرئيسي في تلك النظرة من قبل الفتاة، لأن مشكلات الأمس التي كانت سبباً في عزوف الشباب عن الزواج من مواطنات، مثل غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج لم تعد موجودة بعد تطور المجتمع، وحرص الناس على التعامل بمنطق مع هذه الأشياء .
على الرغم من أن قراءة الواقع قد أثبتت أن زواج المواطن بمواطنة هو الأنجح والأفضل، ولو كان بيدي القرار لشجعت هذا الزواج، إلا أنه لا غرو أن يتزوج الإماراتي من غير مواطنة فهي في النهاية امرأة وإنسان والشرع لا يمنع هذا الزواج .
رقم خطير
الدكتور سيف الجابري مدير إدارة البحوث بدائرة الشؤون الإسلامية والأوقاف في دبي ومستشار ومأذون شرعي ومحاضر بصندوق الزواج يقول: ظاهرة زواج المواطنين والمواطنات من غير جنسيتهم ليست حديثة في المجتمع ولكنها تزايدت، فقد كان المواطن في السابق يتزوج من غير مواطنة لأسباب كثيرة منها قلة النساء في الدولة أو يكون كبيراً في السن أو قليل الموارد، ولم نكن نشهد سابقاً زواج مواطنة من غير مواطن، لكن في الفترة الأخيرة تزايد العدد بنسبة كبيرة، وعندما يصل عدد المواطنين من الجنسين ممن تزوجوا من غير جنسيتهم إلى أكثر من 3000 في عام واحد، فنحن أمام رقم كبير .
بالنسبة إلى الرجال الذين يتزوجون من غير المواطنات فهو زواج عارض وينتهي بسرعة، والزواج بزوجة ثانية فهو أيضا زواج عارض غير مستقر وينتهي بالطلاق، أما النوع الثالث لزواج المواطن من غير مواطنة فهو زواج المصلحة المادية، زواج اتفاق، كأن تتزوج به الفتاة غير المواطنة من أجل الحصول على إقامة دائمة، ويستفيد هو من راتبها، وكثير من الشباب يقبلون على هذا النوع من الزواج .
أما بالنسبة إلى الفتاة المواطنة فالرقم الذي أعلنه مركز الإحصاء يعد كبيراً يقارب الألف، لذا فهو رقم خطير، وخطورته تكمن في استدراج الفتاة المحرومة من الرعاية والعاطفة في بيتها، فتلتقي شاباً يهبها العاطفة والمحبة فتتزوجه، ولكن بعد هذا الزواج يأتيها الندم، بعد أن تشعر بأنها انفصلت عن المجتمع الذي عاشت وتربت فيه، فيبدأ النفور من الزوج ومن أسرته التي تجد فيهم مجتمعاً آخر غريباً عنها، فإما أن يستمر زواجها قهرياً لعدم قدرتها على الرجوع للخلف إلى حيث حضن أسرتها، وإما الانفصال والطلاق .
تجربة واقعية
تروي ربة أسرة مواطنة تحمل رسالة الدكتوراه تجربتها في الزواج من زميل الدراسة، الذي يحمل هو أيضاً رسالة الدكتوراه، وهو من جنسية عربية، وقد أتما الزواج بعد التخرج، فقالت: تعرفت إليه خلال الدراسة في الجامعة في فترة الثمانينات وربطت بيننا علاقة الاحترام والمحبة، ففاتحني في أمر الزواج، فطلبت منه الانتظار حتى أستشير أهلي في الأمر .
وقتها قوبلت بعاصفة من الرفض من الأهل، ولأنني كنت أعرف هذا الإنسان جيداً، وكيف يتمتع بالخلق الطيب والعلم والمستوى الاجتماعي المرموق، فقد طلبت من الأهل أن يستطلعوا رأي العائلة فيما إذا كان أحد أفرادها يرغب في الاقتران بي والزواج مني، فتكون له الأولوية لصلة القرابة أو صلة الدم التي تربط بيننا كعائلة، وانتظرت فترة من الوقت قاربت من الشهرين لإعطاء الفرصة للجميع للتفكير .
عندما لم يصلني الرد من أحد، ولو حتى يطلب مني أن أنتظر لبعض الوقت، أيقنت أن الخيرة فيما اختاره الله لي، طلبت من هذا الشاب، الذي صار زوجي، أن يحضر أسرته إلى بيت أسرتي في الإمارات، وتم التعارف ودرسنا بعضنا بعضاً، وتزوجت بزميل الدراسة، وها نحن نعيش حياة مستقرة مع أولادنا وأحفادنا .
مشكلات مادية
قال الدكتور سيف الجابري مدير إدارة البحوث بدائرة الشؤون الإسلامية والأوقاف في دبي ومستشار ومأذون شرعي ومحاضر بصندوق الزواج إن عزوف الشباب عن الزواج بمواطنات في معظمه يعود إلى الفتاة وأهلها، فعلى مدى 30 سنة قضيتها في العمل عايشت وشاهدت عشرات القضايا التي تعج بها المحاكم لشباب بسبب مشكلات مادية تسببت فيها الفتيات نتيجة البذخ والإسراف، خاصة بعد عقد الزواج، فعقد الزواج يكون ب 50 ألف درهم، ثم بعد العقد يتورط في 500 ألف بسبب تمرد البنت، وعندما يجد الشباب الذين لم يتزوجوا بعد أشقاءهم أو أقرباءهم في المحاكم بدلاً من بيت الزوجية الآمن والمستقر، فإنهم ينفرون من الزواج من المواطنات ويلجأون إلى جنسيات أخرى، وهنا يأتي دور أم الفتاة التي يجب أن تعيد صياغة ابنتها، لأن الشباب الآن يخافون مما يرونه، كما أنه على الآباء مراعاة هذه الأمور وأن يتدخلوا بالرأي الصائب والنصح والإرشاد لبناتهن حتى يصلوا إلى بر الأمان .
والجهات المختصة مدعوة إلى عدم تحويل ملفات القضايا الأسرية مباشرة إلى المحاكم، إلا بعد استيفاء كل المحاولات في مؤسسات التوجيه الأسري وغيرها .