طوى العراق في العام المنصرم 2014 صفحة سوداء في تاريخه بطلها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي كان يسير على درب أن يكون دكتاتوراً مطلقاً لو قدر له أن يحصل على ولاية ثالثة، بعد أن أثبتت التجربة في ولايتيه في رئاسة الحكومة أنه بسبيله للطغيان بالسلطة واقصاء الآخرين وتجاوز العملية السياسية التي وضعته في سدة السلطة . وذهب الرجل غير مأسوف عليه وسط رفض لاستمراره من كل الأطراف الداخلية والخارجية من الحلفاء والخصوم على السواء، ليحل مكانه حيدر العبادي وسط ترحيب داخلي وإقليمي ودولي . . فهل يستطيع الخلف أن يصلح ما أفسده السلف، وأن يعيد بناء العراق على أساس الدولة الحديثة، ويسخر الموارد ويحشد الطاقة للتوثب نحو المستقبل .
الصدفة وحدها حملت المالكي إلى السلطة، فقد جاء من الظل باعتباره مرشح تسوية، أو أفضل السيئين مقارنة بسلفه إبراهيم الجعفري الذي أغرق العراق في حرب مذهبية دامية كان يقتل فيها الآلاف كل شهر، وعلي الأديب المتحدر من أصل إيراني .
نجح المالكي خلال ولايته الأولى في نزع الحصانة والغطاء عن الميليشيات الشيعية وخاض بمساعدة أمريكية معارك ضارية ضدها ما أدى في خاتمة المطاف في 2008 إلى إطفاء نار الحرب المذهبية . ثم كان إنجازه الثاني في ولايته الثانية بإكمال انسحاب القوات الأمريكية بنهاية 2011 وزيادة انتاج النفط، بيد أن هذه الإنجازات تبددت باتجاه حثيث للمالكي لتركيز السلطات في يده والانعزال بالعراق عن محيطه العربي، والارتماء بالكامل في أحضان إيران، وملاحقة الخصوم السياسيين جنائياً والتغاضي عن الفساد المالي في الدولة، وإهمال تحسين وتقديم الخدمات للشعب العراقي، حتى إن خصمه اللدود أياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق وصف العراق في عهد المالكي بأنه "دولة فاشلة ومستعمرة إيرانية" .
رغم أن المالكي استمر في الحكم في ولاية ثانية بدعم إيراني مطلق، وفقاً لحكومة شراكة وطنية كان عرابها قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني، إلا أن الرجل عمل صراحة لا مواربة على ترسيخ نفوذ إيران في العراق، وابتعد عن أساس الشراكة الوطنية، ولم يبال بشركائه في الوطن والعملية السياسية السنة والأكراد، فهمّش خصومه السياسيين وأزاحهم من الساحة بالاغتيالات المريبة وبالقوة وبالضغوط والابتزاز والملاحقة الجنائية مثلما حدث مع نائب الرئيس طارق الهاشمي .
تهميش المالكي لشركاء العملية السياسية لم يقتصر على الخصوم بل من الحلفاء اللصيقين داخل التحالف الشيعي، الموسوم بالائتلاف الموحد، فانفصل عنه لينشئ ائتلافه الخاص "دولة القانون" الذي خاض به انتخابات ،2010 ثم همش حلفاءه في التحالف الوطني المجلس الأعلى الإسلامي العراقي (بزعامة عمار الحكيم) والأحرار الوطني (الذراع السياسية للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر) . ثم دخل في معركة كسر عظم مع التحالف الكردستاني، وتعالى على مجلس النواب، وتدخل بشدة في عمل القضاء واستغله لاستصدار قرارات لمصلحته على طول الخط، وسجن خصومه، وكمم أفواههم .
حصر المالكي الملف الأمني بيده، فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وظل منصبا وزير الدفاع والداخلية شاغرين . وبات الجيش منظومة عسكرية ضخمة تعمل بإمرته شخصياً، وأبعد كبار القادة من المكون السني في رئاسة الأركان والمخابرات .
المالكي في ولايته الثانية، لم يعد يهتم بوزن أي أحد، ولم يكن يتقبل أي انتقاد بشأن سياساته الاقصائية التهميشية، أو فساد حكومته . بل كان بسبيله لتفصيل قوانين تجرّم انتقاد رئيس الحكومة، وأحال إلى القضاء صحفيين تجرأوا على انتقاده .
تميز المالكي باتباع سياسة الأنكار والتغاضي عن الفساد . فماذا فعل عندما تكشف الفساد الكبير الذي شاب صفقة الأسلحة الروسية بمليارات الدولارات؟ وفي فضيحة العقود الحكومية المزورة بقيمة 7 مليارات دولار في صيف ،2012 لم يعمل الرجل بمقتضى القانون، بل هاجمت قوات حكومية وزارة المالية وسرقت المستندات وخربت كاميرا المراقبة، وبدلاً من معاقبة المتورطين في الفساد والضالعين في التستر عليه، لاحق وزير المالية رافع العيساوي الذي كشف الفضيحة . لم يكن اتهام المالكي بالمحسوبية وسوء إدارة الثروة النفطية الضخمة من فراغ، فقد كان رحيماً شفوقاً يغض الطرف عن فساد أشياعه، مثل وزير التجارة الأسبق عبدالفلاح السوداني، وقاسياً شديد الوطأة على خصومه بمجرد أنهم وقفوا بوجهه ورفضوا سياساته وممارساته المعوجة .
وعلى سيرة الطغاة فقد المالكي الثقة بأشياعه قبل خصومه، واعتمد أكثر على أسرته، صهريه اللذين يديران مكتبه وابنه الذي يرأس قوات التأمين الخاصة به . وقلما كان المالكي يخرج في زيارات داخلية أو خارجية حتى وصفه إعلاميون بأنه " رئيس وزراء المنطقة الخضراء" الحصن الأمني وسط بغداد الذي أنشأه الأمريكيون إبان سنوات الاحتلال بعد غزو 2003 .
عزل المالكي العراق عن محيطه العربي، وانتقد السعودية والجامعة العربية وحملهما مسؤولية إراقة الدماء في سوريا، بل اتهم الرياض صراحة لا مواربة بأنها وراء الاضطرابات في العراق . وفي الوقت نفسه لم يفتح فمه بكلمة لانتقاد إيران التي كان جنرالها قاسم سليماني يقيم في المنطقة الخضراء مندوباً سامياً لطهران يحكم العراق حقيقة لا حكماً .
المالكي لم يكن الرجل الذي يحسن اصطناع الحلفاء، بل يجيد خلق الأعداء وتجلى ذلك بوضوح في الخشونة التي عامل بها الحلفاء السنة المعتدلين والأكراد . فقد واجه بقسوة حركات الاحتجاج السنية في ،2013 وقتلت قواته العشرات من المحتجين السلميين في اعتصام الحويجة، ما أدى للمرة الأولى إلى قتال بين السنة والجيش في المدينة، ثم تصاعد الأمر في نهاية العام عندما حاول المالكي قمع اعتصام الرمادي، وأعلن القضاء عليه، لتستولي جماعات مسلحة بعد ذلك بأيام على مناطق في الرمادي والفلوجة، ثم ظهر تنظيم داعش الذي استولى في العاشر من يونيو 2014 على الموصل، ثم معظم مدن الشمال في أغسطس، ومعظم ديالي والأنبار وصلاح الدين في أكتوبر .
وفي الوقت نفسه حدثت القطيعة بين المالكي وإقليم كردستان العراق بسبب النزاعات حول حقوق النفط والحصة في ميزانية الدولة . رغم حصول "دولة القانون" بزعامة المالكي على الأغلبية في انتخابات إبريل ،2014 إلا أن الجميع في الداخل والخارج اتفقوا على ضرورة تنحيه، وكان موقف المرجعية في ذلك حاسماً، لابعاده عن تولي المنصب لولاية ثانية، واختيار حيدر العبادي زميله في حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون لتولي رئاسة الحكومة بترحيب من الجميع في الداخل والخارج .
يواجه العبادي تركة ثقيلة خلفها المالكي، وجد نفسه مضطراً للتعامل معها . فهو مطالب بإعادة الثقة بالعملية السياسية ورتق النسيج الاجتماعي الذي مزقه المالكي بسياساته الطائفية والاقصائية والتسلطية وهيمنته على جهاز الدولة كآلة تعمل بإمرته . كما يواجه العبادي تحدي الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً وتحقيق المصالحة بين مكوناته وأطيافه، وإعادة بناء الدولة لتكون لكل الشعب وتسخير إمكاناتها ومواردها لخدمته، وبناء المؤسسة الأمنية بفروعها العسكرية والاستخبارية والشرطية على أساس مهني ولا طائفي .
كان لافتاً إعلان العبادي اكتشافه وجود 50 ألف عسكري فضائي في الجيش العراقي يتقاضون رواتب، يتقاسمها قادة الأفواج وأمراء الألوية وقياداتهم العليا، وأمر بوقف الرواتب الشهرية للتدقيق، وأقال عدداً من كبار الضباط في وزارتي الدفاع والداخلية . إلا أن المالكي الذي تم ركله إلى منصب نائب رئيس الجمهورية سارع إلى نفي مثل هذا الفساد، وشكك على طريقته المفضلة في الانكار بصحة الأرقام أو الاتهام .
حصلت حكومة العبادي على دعم إقليمي ودولي كبيرين تمثل بتشكيل تحالف عالمي لمواجهة داعش، وعقدت مؤتمرات في هذا الخصوص في السعودية وفرنسا وبلجيكا . وزار رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة الإمارات والسعودية والكويت وقطر في إطار إعادة العراق إلى حاضنته العربية، وإلى تركيا وإيران في إطار إعادة التوازن إلى علاقات العراق الخارجية مع الجوار الإقليمي .
ويسجل للعبادي نجاحه في إبرام اتفاق نفطي مع حكومة كردستان العراق بصيغة ترضي الطرفين وتسهم في تسوية جذرية للمشكلة .
العبادي ذو الخلفية العلمية وتجربة الإقامة الطويلة في مجتمع أوروبي خلال سنوات المنفى في عهد صدام حسين، والرؤية الإسلامية التي جسدها في كتبه حول "الإسلام والديمقراطية" و"مفهوم الأمة الواحدة" و"التعصب" يملك القدرة نظرياً على إدارة حكم متوازن في العراق، ولم يبد منه حتى الآن غير ذلك .
العبادي المهندس الذي أسهم في نهضة وتطور "النقل السريع" في بريطانيا قادر إذا أراد على نقل العراق سريعاً إلى دولة حديثة متوازنة تعمل حكومتها لمصلحة شعبها بكل مكوناته وأطيافه، يساعده على ذلك رئيس جمهورية ذو خلفية نضالية طويلة ويحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، ورئيس برلمان شاب متخصص في مجال حقوق الإنسان ويحمل شهادة الدكتوراه في القانون، ومن ورائهم شعب عريق يشتاق للحرية والعيش الكريم .
الصدفة وحدها حملت المالكي إلى السلطة، فقد جاء من الظل باعتباره مرشح تسوية، أو أفضل السيئين مقارنة بسلفه إبراهيم الجعفري الذي أغرق العراق في حرب مذهبية دامية كان يقتل فيها الآلاف كل شهر، وعلي الأديب المتحدر من أصل إيراني .
نجح المالكي خلال ولايته الأولى في نزع الحصانة والغطاء عن الميليشيات الشيعية وخاض بمساعدة أمريكية معارك ضارية ضدها ما أدى في خاتمة المطاف في 2008 إلى إطفاء نار الحرب المذهبية . ثم كان إنجازه الثاني في ولايته الثانية بإكمال انسحاب القوات الأمريكية بنهاية 2011 وزيادة انتاج النفط، بيد أن هذه الإنجازات تبددت باتجاه حثيث للمالكي لتركيز السلطات في يده والانعزال بالعراق عن محيطه العربي، والارتماء بالكامل في أحضان إيران، وملاحقة الخصوم السياسيين جنائياً والتغاضي عن الفساد المالي في الدولة، وإهمال تحسين وتقديم الخدمات للشعب العراقي، حتى إن خصمه اللدود أياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق وصف العراق في عهد المالكي بأنه "دولة فاشلة ومستعمرة إيرانية" .
رغم أن المالكي استمر في الحكم في ولاية ثانية بدعم إيراني مطلق، وفقاً لحكومة شراكة وطنية كان عرابها قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني، إلا أن الرجل عمل صراحة لا مواربة على ترسيخ نفوذ إيران في العراق، وابتعد عن أساس الشراكة الوطنية، ولم يبال بشركائه في الوطن والعملية السياسية السنة والأكراد، فهمّش خصومه السياسيين وأزاحهم من الساحة بالاغتيالات المريبة وبالقوة وبالضغوط والابتزاز والملاحقة الجنائية مثلما حدث مع نائب الرئيس طارق الهاشمي .
تهميش المالكي لشركاء العملية السياسية لم يقتصر على الخصوم بل من الحلفاء اللصيقين داخل التحالف الشيعي، الموسوم بالائتلاف الموحد، فانفصل عنه لينشئ ائتلافه الخاص "دولة القانون" الذي خاض به انتخابات ،2010 ثم همش حلفاءه في التحالف الوطني المجلس الأعلى الإسلامي العراقي (بزعامة عمار الحكيم) والأحرار الوطني (الذراع السياسية للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر) . ثم دخل في معركة كسر عظم مع التحالف الكردستاني، وتعالى على مجلس النواب، وتدخل بشدة في عمل القضاء واستغله لاستصدار قرارات لمصلحته على طول الخط، وسجن خصومه، وكمم أفواههم .
حصر المالكي الملف الأمني بيده، فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وظل منصبا وزير الدفاع والداخلية شاغرين . وبات الجيش منظومة عسكرية ضخمة تعمل بإمرته شخصياً، وأبعد كبار القادة من المكون السني في رئاسة الأركان والمخابرات .
المالكي في ولايته الثانية، لم يعد يهتم بوزن أي أحد، ولم يكن يتقبل أي انتقاد بشأن سياساته الاقصائية التهميشية، أو فساد حكومته . بل كان بسبيله لتفصيل قوانين تجرّم انتقاد رئيس الحكومة، وأحال إلى القضاء صحفيين تجرأوا على انتقاده .
تميز المالكي باتباع سياسة الأنكار والتغاضي عن الفساد . فماذا فعل عندما تكشف الفساد الكبير الذي شاب صفقة الأسلحة الروسية بمليارات الدولارات؟ وفي فضيحة العقود الحكومية المزورة بقيمة 7 مليارات دولار في صيف ،2012 لم يعمل الرجل بمقتضى القانون، بل هاجمت قوات حكومية وزارة المالية وسرقت المستندات وخربت كاميرا المراقبة، وبدلاً من معاقبة المتورطين في الفساد والضالعين في التستر عليه، لاحق وزير المالية رافع العيساوي الذي كشف الفضيحة . لم يكن اتهام المالكي بالمحسوبية وسوء إدارة الثروة النفطية الضخمة من فراغ، فقد كان رحيماً شفوقاً يغض الطرف عن فساد أشياعه، مثل وزير التجارة الأسبق عبدالفلاح السوداني، وقاسياً شديد الوطأة على خصومه بمجرد أنهم وقفوا بوجهه ورفضوا سياساته وممارساته المعوجة .
وعلى سيرة الطغاة فقد المالكي الثقة بأشياعه قبل خصومه، واعتمد أكثر على أسرته، صهريه اللذين يديران مكتبه وابنه الذي يرأس قوات التأمين الخاصة به . وقلما كان المالكي يخرج في زيارات داخلية أو خارجية حتى وصفه إعلاميون بأنه " رئيس وزراء المنطقة الخضراء" الحصن الأمني وسط بغداد الذي أنشأه الأمريكيون إبان سنوات الاحتلال بعد غزو 2003 .
عزل المالكي العراق عن محيطه العربي، وانتقد السعودية والجامعة العربية وحملهما مسؤولية إراقة الدماء في سوريا، بل اتهم الرياض صراحة لا مواربة بأنها وراء الاضطرابات في العراق . وفي الوقت نفسه لم يفتح فمه بكلمة لانتقاد إيران التي كان جنرالها قاسم سليماني يقيم في المنطقة الخضراء مندوباً سامياً لطهران يحكم العراق حقيقة لا حكماً .
المالكي لم يكن الرجل الذي يحسن اصطناع الحلفاء، بل يجيد خلق الأعداء وتجلى ذلك بوضوح في الخشونة التي عامل بها الحلفاء السنة المعتدلين والأكراد . فقد واجه بقسوة حركات الاحتجاج السنية في ،2013 وقتلت قواته العشرات من المحتجين السلميين في اعتصام الحويجة، ما أدى للمرة الأولى إلى قتال بين السنة والجيش في المدينة، ثم تصاعد الأمر في نهاية العام عندما حاول المالكي قمع اعتصام الرمادي، وأعلن القضاء عليه، لتستولي جماعات مسلحة بعد ذلك بأيام على مناطق في الرمادي والفلوجة، ثم ظهر تنظيم داعش الذي استولى في العاشر من يونيو 2014 على الموصل، ثم معظم مدن الشمال في أغسطس، ومعظم ديالي والأنبار وصلاح الدين في أكتوبر .
وفي الوقت نفسه حدثت القطيعة بين المالكي وإقليم كردستان العراق بسبب النزاعات حول حقوق النفط والحصة في ميزانية الدولة . رغم حصول "دولة القانون" بزعامة المالكي على الأغلبية في انتخابات إبريل ،2014 إلا أن الجميع في الداخل والخارج اتفقوا على ضرورة تنحيه، وكان موقف المرجعية في ذلك حاسماً، لابعاده عن تولي المنصب لولاية ثانية، واختيار حيدر العبادي زميله في حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون لتولي رئاسة الحكومة بترحيب من الجميع في الداخل والخارج .
يواجه العبادي تركة ثقيلة خلفها المالكي، وجد نفسه مضطراً للتعامل معها . فهو مطالب بإعادة الثقة بالعملية السياسية ورتق النسيج الاجتماعي الذي مزقه المالكي بسياساته الطائفية والاقصائية والتسلطية وهيمنته على جهاز الدولة كآلة تعمل بإمرته . كما يواجه العبادي تحدي الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعباً وتحقيق المصالحة بين مكوناته وأطيافه، وإعادة بناء الدولة لتكون لكل الشعب وتسخير إمكاناتها ومواردها لخدمته، وبناء المؤسسة الأمنية بفروعها العسكرية والاستخبارية والشرطية على أساس مهني ولا طائفي .
كان لافتاً إعلان العبادي اكتشافه وجود 50 ألف عسكري فضائي في الجيش العراقي يتقاضون رواتب، يتقاسمها قادة الأفواج وأمراء الألوية وقياداتهم العليا، وأمر بوقف الرواتب الشهرية للتدقيق، وأقال عدداً من كبار الضباط في وزارتي الدفاع والداخلية . إلا أن المالكي الذي تم ركله إلى منصب نائب رئيس الجمهورية سارع إلى نفي مثل هذا الفساد، وشكك على طريقته المفضلة في الانكار بصحة الأرقام أو الاتهام .
حصلت حكومة العبادي على دعم إقليمي ودولي كبيرين تمثل بتشكيل تحالف عالمي لمواجهة داعش، وعقدت مؤتمرات في هذا الخصوص في السعودية وفرنسا وبلجيكا . وزار رؤساء الجمهورية والبرلمان والحكومة الإمارات والسعودية والكويت وقطر في إطار إعادة العراق إلى حاضنته العربية، وإلى تركيا وإيران في إطار إعادة التوازن إلى علاقات العراق الخارجية مع الجوار الإقليمي .
ويسجل للعبادي نجاحه في إبرام اتفاق نفطي مع حكومة كردستان العراق بصيغة ترضي الطرفين وتسهم في تسوية جذرية للمشكلة .
العبادي ذو الخلفية العلمية وتجربة الإقامة الطويلة في مجتمع أوروبي خلال سنوات المنفى في عهد صدام حسين، والرؤية الإسلامية التي جسدها في كتبه حول "الإسلام والديمقراطية" و"مفهوم الأمة الواحدة" و"التعصب" يملك القدرة نظرياً على إدارة حكم متوازن في العراق، ولم يبد منه حتى الآن غير ذلك .
العبادي المهندس الذي أسهم في نهضة وتطور "النقل السريع" في بريطانيا قادر إذا أراد على نقل العراق سريعاً إلى دولة حديثة متوازنة تعمل حكومتها لمصلحة شعبها بكل مكوناته وأطيافه، يساعده على ذلك رئيس جمهورية ذو خلفية نضالية طويلة ويحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، ورئيس برلمان شاب متخصص في مجال حقوق الإنسان ويحمل شهادة الدكتوراه في القانون، ومن ورائهم شعب عريق يشتاق للحرية والعيش الكريم .