القاهرة -"الخليج"/ القاهرة -عيد عبد الحليم:
كان للفن المصري دور مميز في ثورة 25 يناير، سواء من خلال الأعمال الفنية التي مهدت لها، بكشف الفساد، أو من خلال المشاركة المباشرة لعدد كبير من النجوم والفنانين في فعالياتها، منذ اليوم الأول، واعتصامهم مع الثوار في ميدان التحرير، بشكل أذهل الجمهور العربي، فقد ظن البعض أن رفاهية الفنان تجعله بعيداً عن الأحداث المحيطة به، وأن الحالة المادية ربما تفصله عن الواقع، الذي يعيشه، ومن خلال الاحتفال بالذكرى الرابعة للثورة، نسترجع مع الفنانين ذكرياتهم وحكاياتهم مع الثورة، وتطرقنا معهم لأسئلة عديدة، منها سبب عدم وجود أعمال فنية تعبر بصدق عن واقع الثورة وتأثيرها في الحياة المصرية .
مرت أربعة أعوام على ثورة 25 يناير ،2011 التي غيرت في مسار الحياة السياسية في مصر، إلا أنها لم تصل بعد إلى المنهج الإبداعي والثقافي، حيث تبدو استجابة المثقفين لها محدودة، بل بطيئة جداً، على الرغم من أن معظمهم عايشوها يوماً بيوم، بل شارك أكثرهم فيها في الميدان، وهو ما يجعل الأمر مثيراً ومحيراً، فالثورة التي أنتجت أدبياتها وشعاراتها الشعبية والسياسية في ميدان التحرير كانت تبشر في تلك الأيام بأنها تؤهل لبداية ثورة ثقافية، تصل إلى المثقفين قبل رجل الشارع، وهو ما لم يتحقق بعد، و"الخليج" هنا تناقش هذه القضية مع عدد من المثقفين .
يري القاص سعيد الكفراوي أن تأثير الثورات لا يأتي بالشكل السريع إنما يكمن، بينما يتأمل الفنان ما جرى ويضعه في سياقه ويعرف الأسباب والنتائج، ثم يكتب بعد ذلك . ويضيف: إن ما يكتب عن الثورات بشكل سريع مجرد انطباعات، حتى الآن لم نكتب عملاً جيداً وموثقاً عن حرب 1973 لعدم اقتراب المبدعين من تلك الحرب، وأذكر وقتها أن عدداً من الكتاب أرادوا الذهاب للجبهة لكن السلطة منعتهم .
ويضيف الكفراوي قائلاً: أنا تابعت بعض نماذج ما كتب، هي كتابة ليست لحظية، بل هي وصف خارجي لما جرى لحركة الناس، أما تعميق الحدث وربطه بالسياق التاريخي فلم يحدث حتى الآن، وما تم دواوين محدودة ببانوراما المشهد حول الميدان، وملاحقات سريعة جمعت وطبعت في كتاب .
ويتابع: تولستوي كتب عن الحرب النابليونية بعدها بسنوات، وهيمنغواي كتب عن الحرب العالمية الثانية بعدها بسنوات أيضاً، واسترجع وجوده داخل الصراع نفسه، وهذه أعمال خالدة .
وحدث كبير مثل ثورة 25 يناير يحتاج إلى كاتب كبير، ليكتب عنها، تستطيع أن تصف ما كتب عنها ب"تعليق على ما حدث"، فما زال العمل الخالد عن الثورة لم يكتب حتى الآن، وحين تتأمل لحظتنا تجدها وقعت في وهم الكتابة عن الهوامش والعشوائيات ولا يوجد لدينا الكاتب صاحب الروح الملحمية . ويرى الكفراوي أننا في حاجة إلى مواهب كبيرة، الكل يجيد في هامش الجلوس على المقاهي، من رؤيته لزفاف في منطقة عشوائية . وقديماً كان المسرح مع توفيق الحكيم ونعمان عاشور، والرواية مع محفوظ وفتحي غانم، كل هؤلاء جاءوا إلينا من الحقبة الليبرالية، كل هؤلاء الذين جاءوا من زمن محمد عبده وطه حسين . نحن جيل الستينات "أولاد ثورة يوليو في الرواية"، الخراط وأصلان ومستجاب، كانوا رافداً واحتياطياً لجيل الليبرالية المصرية .
والآن الكتابة وفق هوى الجائزة، بهدف أن تدخل المسابقة برواية تخضع لشروط المسابقة، المناخ العام سيتغير بتغير الحالة الاجتماعية في المجتمع .
وعن نفسي النص المباشر لا يستهويني، فأنا يستهويني نص يختص بأسئلة المصير، كل الكبار في تاريخ الأدب بدوا عظماء بهذه الأسئلة العميقة .

شعر العامية انتصر للثورة

أما الشاعر إبراهيم داود فيؤكد أنه لا يمكن الحكم على الأعمال الإبداعية التي ظهرت عن الثورة، إلا بعد فترة ولن يظهر ذلك حالياً، فكل ما صدر من أعمال إبداعية أقل من الثورة، ليس هناك عمل نجح نجاحاً كاملاً، وإلى الآن لم ندرك أبعاد الثورة . ويرى أن هناك بعض الفنون شهدت كثرة إبداعية مثل شعر العامية، فهو شعر جماهيري على حد تعبيره، ورغم أن المنتج منه عن الثورة لم يكن له مستوى عال، وهؤلاء ممن انجروا وقت الثورة لسهولة الترديد والغناء، لم يقدموا جديداً . ويعتبر الأبنودي الوحيد الذي خرجت منه عدة قصائد، وهناك مصطفى إبراهيم، رغم أنه لم يتجاوز التقاليد الجديدة في الكتابة، أما الكتب التي كتبت بسرعة كل واحد يريد أن يبحث عن دور في الثورة، ضمير المتكلم هو السائد في الخطاب الكتابي وكثير من الكتاب عليهم ملاحظات . لكن التاريخ سيغربل كل ذلك . ويضيف: لسنا جهة اختصاص نقدي، لكننا نتابع ما يكتب، في رأيي أن قصيدة النثر كان لها دور كبير في التمهيد للثورة لأنها سعت لهيمنة اللغة كانت في مواجهة السلفية في الكتابة، ونمت في غياب أي دعم من أي جهة تماماً، مثلما فعل الثوار، وهي موجودة في نسيج الثقافة المصرية منذ عشرين عاماً، ولا تبدل نفسها من أجل الإطار العام، هي من أكثر الأشكال الأدبية التي انتصرت بعد الثورة . ويواصل: أنا لا أدافع، فهي أحد الأشكال الموجودة التي ازدهرت دون أي دعم من أي سلطة ما .

غياب دور المفكرين

ويعبر الناقد والمترجم د . رمسيس عوض عن أسفه لأن الثورة لم تؤثر في الإطلاق في الأدب، ولا حتى ثورة ،19 فالذي كتب عنها هو توفيق الحكيم، في روايته "عودة الروح" بعدها بسنوات طويلة . وكان ذلك لأن الحدث كبير، لذا فالاستجابة الإبداعية أخذت وقتاً طويلاً، ونفس الأمر حدث مع ثورة يناير .
ويقارن د . رمسيس ما بين بعض الثورات مثل الثورة الفرنسية والثورة المصرية ثقافياً قائلاً: كان هناك مفكرون ومبدعون جهزوا للثورة الفرنسية، مثل جان جاك رسو وفولتير ، وكذلك حدث الأمر مع الثورة البلشفية حيث مهّد المذهب الماركسي لهذه الثورة، أما في الثورة المصرية فعندما تبحث عن مفكرين مهّدوا لها لا تجد أحداً أثّر بطريقة مباشرة . ومن الجائز أن يأتينا المستقبل بعمل إبداعي عن ثورة يناير، لكن حتى الآن لا توجد مواكبة إبداعية للثورة، ما حدث مجرد احتفاليات ثقافية، أما استلهام روح الثورة إبداعياً وثقافياً فلم يتم بعد . كما لم تسجل الثورة حتى الآن .
ويتفق مع هذه الرؤية الفنان التشكيلي أحمد عز العرب، الذي يرى صعوبة في الحكم على المنتج الإبداعي الراهن، ويعبر عن شكه في أن يكون هناك تأثير ملموس وواضح، إذا كنت تقصد الثقافة بشكل عام، تحويل الأفكار الثقافية الشائعة في وسط الجماهير حدث تأثير نوعي . أما في القصائد والروايات فمن المبكر الحكم على هذه الأنواع الأدبية، فالإبداع الشعري الذي صدر يحتاج إلى وقت طويل للحكم عليه، كذلك الموسيقى، لكن يظل الفن التشكيلي كما هو، مثله مثل الموسيقى الكلاسيكية، قد يخرج شباب موسيقي كفرقة "اسكندريللا" وغيرها .
وسيظل الفن النخبوي لأن له غاية ومجالاً آخر، فالفنون التي ظهرت في الشارع هي أصلاً موجودة في الشارع، فعلى الجدران هناك رسوم قبل الثورة، وهي رسوم شعبية .
ويضيف عز العرب قائلاً: كنت أبحث عن رسوم الجرافيتي، فقال البعض إنها بدعة سقطت علينا من الخارج، لكن بالتجربة والبحث وجدت أنها مسألة قديمة عند الشعب المصري رسوم الحج ورسوم المعابد والكنائس، وعلى عربات الكارو وعربات الكشري تجد فناً يعبر عن حالة وجدانية تخص المصريين . ونحن في مرحلة الصورة، لأن لها مجالاً واسعاً من خلال شاشات الكمبيوتر وأدوات التواصل . والصورة حالياً تلعب دوراً مهماً في تشكيل وعي الناس، ليس الفضل فيه لثورة يناير، بل هو مواكب لثورة يناير .

لحظة التنوع الثقافي

ويؤكد الكاتب الصحفي نبيل زكي أن اللحظة الراهنة هي لحظة التنوع الثقافي في تجلياته المختلفة، وهذا متحقق في الفنون الثورية التي ظهرت، وربما يصفها البعض بعدم العمق، لكنها حالة من التعبير عن الفورة الثورية، وهذا مطلوب في بعض الأوقات .
أما الإبداع الراسخ فسيأتي عاجلاً أم آجلاً، لكن المباشرة أحياناً مطلوبة لتحريض الجماهير وتحفيزها إلى التغيير . وهذا ما حدث، فالثورة حالة كبرى، والإبداع حالة تالية مفعمة بالعمق، وتحتاج إلى تركيز وهذا سيأتي قريباً في صورة أعمال روائية وشعرية مكثفة، وكذلك في دراما سينمائية وتلفزيونية بشرط عدم استهلاك الحدث الكبير، وتوظيفه بلغة فنية راقية، المسألة تحتاج إلى وقت، وإلى ذهنية خالية من التشويش، لأن الأحداث المتلاحقة لا تساعد على الكتابة المتأنية .