إعداد: محمد إسماعيل زاهر
نستمتع دائما ونحن نتجول مع أبطال رواية «السائرون نياماً» لسعد مكاوي، أو «الزيني بركات» لجمال الغيطاني، أو حتى معظم أعمال نجيب محفوظ في الشوارع التي رسم ملامحها ووصف بيوتها ومفرداتها المعمارية وتعاطف مع ناسها مؤرخ القاهرة الأشهر تقي الدين المقريزي، في هذه الأعمال نلمح أطياف المقريزي، تلك الأطياف التي تحيط أيضاً بكل من كتب في أدب الرحلة أو التحليل الاجتماعي أو التاريخي متناولاً هذه المدينة، يظهر ذلك بوضوح في «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لابن تغري بردي وحتى حوليات عبد الرحمن الجبرتي و«الخطط التوفيقية» لعلي مبارك، و«عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم» لإدوارد وليم لاين، و «شخصية مصر» لجمال حمدان، وأيضاً كل من تناول دولتي المماليك البحرية والبرجية بالبحث التاريخي أو الرصد الاجتماعي أو تحليل الخلفية الاقتصادية لمعرفة العوامل التي هيمنت على مسار مصر والشام خلال حكم المماليك، كل هؤلاء تأثروا بالمقريزي، تشربوا روحه، ووجدت مفرداته والمنمنمات المكانية التي كان أول من التقطها وأبرز من عبر عنها طريقها إليهم، لقد وقعوا جميعاً في حب المقريزي وفي فتنة عمله الأهم «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، والمعروف أيضاً ب«خطط المقريزي»، أو الخطط المقريزية الذي أعيد طبعه مراراً، وألهم الجميع، عرباً وغير عرب، عندما يقتربون من التأريخ لمصر.
في قراءة أعمال المقريزي صعوبة لمن أراد توصيف هذا المبدع، هو مؤرخ بالقدر نفسه الذي يتيح لمتابعه تصنيفه كأديب أو محلل اجتماعي أو منظّر اقتصادي، يظهر ذلك في «الذهب المسبوك في ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك»، و«السلوك لمعرفة دول الملوك»، و«إغاثة الأمة بكشف الغمّة»، والمعروف أيضاً بتاريخ المجاعات في مصر، و«اتعاظ الحنفاء بذكر الأئمة الفاطميين الخلفاء»، و«شذور العقود في ذكر النقود»، وفي درة كتبه الخطط المقريزية يظهر مشروعه الحقيقي، وهو التأريخ للمدن، أو لمفردات المكان وتحولاته على وجه الدقة، حيث الأولوية للإحداثيات والطبوغرافية أكثرمن الولاة والوزراء والعلماء والحكام والشخصيات النافذة والمؤثرة، في كتابات المقريزي وجوه البسطاء نراها متناثرة في الصفحات في خلفية المكان بمساجده وحاراته وخوانقه وأسواره وشوارعه الواسعة أو دروبه الوعرة الضيقة، هم البسطاء المعجونون بتراب المكان ومآسيه وأفراحه، أسلاف حرافيش نجيب محفوظ، وهو ما ميز المقريزي عن مؤرخين آخرين للمكان مثل ابن عساكر في تناوله لتاريخ دمشق، أو الخطيب البغدادي في رصده لتاريخ بغداد، أو ابن شداد في الشام والجزيرة، هؤلاء اتبعوا طرائق التأريخ التقليدية، فالمكان مرهون للشخصيات المهمة والمؤثرة في الأحداث.
المقريزي مؤسس الجغرافيا الخاصة، بل شديدة الخصوصية للمكان بتفاصيله الصغيرة وناسه، فمن هذه المكونات تتشكل ملامح البطل الأول في تاريخ المقريزي، ملامح بسيطة ولكنها كانت الأهم والأكثر بقاء وتأثيراً من عناصر السرد الأخرى.
ولد تقي الدين أحمد أبو محمد بن علي المقريزي في القاهرة في عام 764ه/ 1364م، وتوفي فيها أيضاً في عام 845ه/1442م، أي أنه عاش بين القرنين الثامن والتاسع الهجريين، درس علوم الدين والشريعة، ويبدو أنه تبحر في الفقه حتى إن السلطان المملوكي الناصر بن الظاهر برقوق عرض عليه قضاء دمشق فرفض، ولكنه تولى الحسبة والخطابة.. إلخ وعدة مناصب في الدولة، واقترب من الحكام لفترة من حياته.
صحب المقريزي في بداية حياته عالم الحيوان والأديب كمال الدين الدميري و ساعده في كتابه «حياة الحيوان الكبرى»، وعاصر ابن خلدون عندما قدم إلى القاهرة وعاش فيها الشطر الأخير من حياته، ومن المؤكد أنه تأثر به في منهجه الجديد، كان عبد الرحمن بن خلدون يؤسس لعلم جديد في العمران، و طبق أدواته المقريزي في التاريخ، حيث هناك عوامل موضوعية تتحكم في مسار الأحداث وتحكم تغيرات المجتمعات، وعندما بلغ المقريزي عامه الخمسين اعتزل العمل العام وتفرغ لكتابة أعماله التي تخطت المائتي مجلد من الحجم الكبير في رصد التاريخ وتقلباته.
وجوه أخرى
الملاحظ أن المقريزي عاش في ظل الدولة المملوكية، تلك الدولة التي تميزت بنوع من الحكم حيّر المحللين وُوصف عهدها دائماً بالانحطاط، وتميز التأليف العلمي فيها بالنزعة الموسوعية التي تغلب عليها الرغبة في حفظ الإبداع وحمايته من الاندثاربعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وقيل الكثير عن تأثير حكامها السلبي في الثقافة العربية الإسلامية عموماً، حتى إن البعض تتبع ذلك التأثير حتى الآن في طرائق الإدارة والتفكير و السلوك والأخلاق، وهو ما سيبرزه مؤرخ آخر تلبسته روح المقريزي بعد قرون وهو يكتب حوليات نهاية تلك الدولة، ونعني به عبد الرحمن الجبرتي، ولكن يبدو أن هناك وجوهاً أخرى لدولة المماليك لم تدرس، تتمثل في تلك الأسماء التي برزت وأبدعت ولم تكن مجرد مقلدة لما أنجز في عهد الازدهار أو ناقلة لعلومه أو حافظة لها، ومن هؤلاء تقي الدين المقريزي.
يعتبر كتابه «اتعاظ الحنفاء بذكر الأئمة الفاطميين الخلفاء» أوفى مصدر في التاريخ الفاطمي، وقد طُبع هذا الكتاب طبعات عدة، طبعة نشرها المستشرق بونز في لايبزج في عام 1909، وقدّم لها باللغة الألمانية، وطبعة أخرى في القاهرة تصحيح وتحقيق الدكتور جمال الدين الشيال في عام 1984، وطبعة ثالثة على يد المستشرق الشهير كلود كاهن، ثم أعاد الدكتور جمال الدين الشيال نشر الكتاب في عام 1967.
في كتابيه «شذور العقود في في ذكر النقود» و «إغاثة الأمة بكشف الغمة» توجه اقتصادي اجتماعي واضح، في الكتاب الأول نلمح في حديث المقريزي لهجة الخبير العالم بدور الذهب والفضة في حركة الاقتصاد، وفي الكتاب الثاني تحليل لتاريخ المجاعات التي حلت بمصر ولعل أبرزها الشدة المستنصرية خلال حكم الخليفة الفاطمي المستنصر بالله.
يرفض المقريزي أن تكون تلك المجاعات قدرية أو لا فكاك أو مهرب منها أو ابتلاء من اللّه، كما كانت تروج السلطات دائما أو يعتقد الكثير من المؤرخين، فيحكي حوادث الشدة القاسية التي صاحبها انخفاض مياه النيل والأوبئة والأمراض، وينتقد اجتماعياً الفساد والغلاء والرشوة والمحسوبية واحتكار البضائع، وهي مظاهر صاحبت كل مجاعة، إضافة إلى عدم القدرة على ضبط الأسواق والتحكم فيها وإغراقها بالنقود، وسوء تدبير الولاة والحكام، يقول «فالأمور كلها، قلها وجلها، إذا عُرفت أسبابها، سهل على الخبير إصلاحها»، فالمجاعات وأمثالها «ليست شيئاً مفروضاً على الإنسان من عل، ينزل بأمر، ويرتفع بأمر، كما أنها ليست ناجمة عن جهل الطبيعة وعماها، من دون أن يكون للإنسان فيها دور، بل هي ظاهرات مادية اجتماعية، لم تلازم البشر دائماً، ولكنها تقع آناً، وتنقطع آناً آخر، تقع عندما تجتمع أسبابها ودواعيها، وتنقطع عندما تنتهي تلك المسببات والدواعي»، فكل شيء خاضع للتطور، يولد وينمو ويموت. تميز المقريزي في رصده لهذه المجاعات بالموضوعية والأمانة والتفاصيل الدقيقة، وتحس معه، كما هي حال معظم المؤرخين المسلمين، بنزعة طهرانية، لا تهدف إلا إلى الحق بعيداً عن الأدلجة والتسييس وإبراز جانب وإخفاء آخر، وهو النهج الذي سيختطه تلميذه البعيد الجبرتي عندما سيتحدث لاحقاً بنزاهة عن اللقاء الصادم، حضارياً ومعرفياً، بين المماليك والفرنسيين في نهايات القرن الثامن عشر وهو يسرد قصة الحملة الفرنسية، ذلك السرد الذي حير كل من قرأ الجبرتي منطلقا من إيديولوجية ما.
نشعر مع المقريزي وهو يكتب خططه، أنه يمسك بالقلم لا ليجلس ليلاً على طاولة ليدون ملاحظاته وما سمعه وما قرأه في النهار، يحكي التاريخ وهو يتجول في الأسواق ويتعرف إلى الأسعار، ويسمع من الناس، ويتسقط الأخبار، يطل على مداخل البيوت ويتأمل الحارات ويسير في الدروب، يتعاطف مع هذا الفقير أو ذاك البائس أو يرثي ذلك المريض المنكوب.
شخصية المقريزي ثرية وطموحة، فنحن أمام عالم ومدون حلم بكتابة كل ما يتعلق بعواصم مصر الإسلامية واجتهد بكل طاقته وما توفر له من أدوات ليحقق حلمه، حتى قيل إن كتابه العمدة «المواعظ والاعتبار» يصور فوتوغرافيا كل شوارع تلك العواصم منذ الفتح العربي لمصر وحتى القرن التاسع الهجري، فيوفر لنا الكتاب قائمة تفصيلية وأوصافاً دقيقة بالقصور والجوامع والمدارس والخانقاوات والحارات والدور والحمامات والخانات والأسواق والوكالات، وميزة الكتاب أيضاً أنه لم يقتصر على الوصف الانطباعي لكل ذلك، بل غلب عليه الطابع البحثي التحليلي بالأسلوب الخلدوني في التعامل مع الظواهر، حتى يمكن القول إن هذا الكتاب الكبير هو كتاب في الفلسفة الاجتماعية للحياة المصرية، فقد وجه اهتمامه كذلك إلى البحث في التاريخ الاجتماعي للمصريين وتقاليدهم وأعرافهم وعاداتهم اليومية وفلسفاتهم الحياتية، هو تاريخ البشر العاديين عندما يتحركون في القاهرة بأحيائها وشوارعها، وقد رسم كل ذلك في قوالب فنية يكاد يشعر القارئ معها بأنه أمام صورة نابضة بالحياة.
يقول في خططه واصفاً البناء المتواصل في القاهرة: «وتزايدت العمائر بالحسينية حتى صارت من الريدانية إلى باب الفتوح، وعمر جميع ما حول بركة الفيل والصليبة إلى جامع ابن طولون وما جاوره إلى المشهد النفيسي وحكر الناس أرض الزهري وما قرب منها، وهو من قناطر السباع إلى منشأة المهراني ومن قناطر السباع إلى البركة الناصرية إلى اللوق إلى المقس، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج الناصري اتسعت الخطة فيما بين المقس والدكة إلى ساحل النيل، وأنشأ الناس فيها البساتين العظيمة والمساكن الكثيرة والأسواق والجامع والمساجد والحمامات الشون وهي من المواضع التي من باب البحر خارج المقس إلى ساحل النيل المسمى ببولاق، ومن بولاق إلى منية الشيرج ومنه في القبلة إلى منشأة المهراني وعمر ما خرج عن باب زويلة يمنة ويسرة من قنطرة الخرق إلى الخليج ومن باب زويلة إلى المشهد النفيسي، وعمرت القرافة من باب القرافة إلى بركة الحبش طولاً ومن القرافة الكبرى إلى الجبل عرضاً حتى إنه استجد في أيام الناصر بن قلاوون بضع وستون حكراً - عقار محبوس لجهة معينة تستفيد منه، ولا يباع ولا يشترى - ولم يبق مكان يحكر، واتصلت عمائر مصر والقاهرة فصارا بلداً واحداً يشتمل على البساتين والمناظر والقصور والدور والرباع - الأحياء - والأسواق والفنادق والخانات والحمامات والشوارع والأزقة والدروب والخطط والحارات والأحكار والمساجد والجوامع والزوايا والربط والمشاهد والمدارس والترب والحوانيت والمطابخ والشون- أماكن تجميع المحاصيل- والبرك والخلجان والجزائر والرياض والمنتزهات، متصلاً جميع ذلك بعضه بعضاً من مسجد تبر إلى بساتين الوزير قبلي بركة الحبش ومن شاطئ النيل بالجيزة إلى الجبل المقطم، وما زالت هذه الأماكن في كثرة العمارة وزيادة العدد تضيق بأهلها لكثرتها وتختال عجباً بهم لما بالغوا في تحسينها وتأنقوا في جودتها وتنميقها». هو المجهود الذي يحتاج إلى فريق بحثي متكامل، ولنا أن نتصور المصادر التي أعتمد عليها المقريزي والتي ربما تعد بالمئات ولم يصل إلينا معظمها لولا دأب وجهد هذا المؤرخ الذي عشق المكان وحوله إلى أسطورة استفاد منها من جاء بعده ليغزل من مفرداته أشكالاً مختلفة من الحكايات مازالت تمتعنا معرفياً وأدبياً حتى اليوم.