تعرضت الآثار العراقية وهي آثار ممتدة إلى عمق التاريخ البشري، بعد دخول قوات الاحتلال الأمريكي إلى بلاد ما بين النهرين في عام 2003 إلى النهب والسلب والبيع والتدمير . إذ إن ما حدث بعد دخول قوات الاحتلال إلى بغداد في التاسع من إبريل/ نيسان 2003 من تدمير متعمد كان مخططاً له، وكان جزءاً من مؤامرة كبرى أعد لها منذ زمن ليس قصيراً في الغرف المظلمة في واشنطن وتل أبيب . إذ من غير المعقول أن يقوم السراق من العراقيين وغير العراقيين بسرقة آثار المتحف العراقي التي لا تقدر بثمن أمام أنظار قوات الاحتلال التي قامت بتحطيم بوابات المتحف لتحل الكارثة الكبرى .
لم يقتصر الأمر على المتحف العراقي، إنما قامت قوات الاحتلال بتدمير وتحطيم بعض المدن التاريخية العراقية ومنها مدينة أور التاريخية في محافظة ذي قار جنوب العراق، كما قامت بتدمير متحف الناصرية في المحافظة نفسها الذي يعد من أهم الصروح الحضارية للمدينة، عندما حولته القوات الأمريكية الغازية إلى ثكنة عسكرية . وكذلك مدينة بابل التاريخية أكثر المدن التاريخية ضرراً بعدما تحولت أيضاً إلى قاعدة عسكرية، فضلاً عن ذلك فقد تعرض موقع كيش الأثري الذي يمثل أحدى أهم المدن السومرية إلى التخريب عندما حولته قوات الاحتلال إلى قاعدة لتدريب الجيش الأمريكي وهبوط طائراته المروحية . فيما تحولت مدينة النمرود الأثرية في محافظة نينوى إلى ثكنة لقوات الاحتلال وتجوال آلياته قبل أن يتم تجريفها مؤخراً على يد تنظيم "داعش" الإرهابي .
بعد سقوط بعض المدن التاريخية العراقية المهمة بيد تنظيم "داعش" الإرهابي، قام التنظيم بإكمال مسلسل المؤامرة الكبيرة على تاريخ وحضارة وآثار العراق والتي لا تعود إلى دين معين أو معتقد مخصص أو أثنية بعينها، إنما امتد التدمير إلى كل ما هو يمت بصلة إلى التاريخ الإنساني والحضاري . حيث قام التنظيم المذكور بنسف الكثير من مراقد الأنبياء في محافظة نينوى، ومن أبرز هذه المراقد مرقد النبي يونس ومرقد النبي شيت وغيرهما . كما قام بتدمير 1750 موقعاً أثرياً في المحافظة المذكورة بحسب احد المختصين في شأن الآثار .
وكانت آخر جرائمه التي يندى لها الجبين قد تمثلت بقيامه بتجريف مدينة النمرود التاريخيةفي محافظة نينوى، وكذلك تدمير مدينة الحضر التاريخية في المحافظة ذاتها . كذلك قام بتهديم وتدمير التماثيل والآثار الثمينة جداً في متحف مدينة الموصل . ولم يكترث التنظيم المذكور للنداءات الدولية من قبل المنظمات العالمية التي طالبته بعدم العبث بالإرث الحضاري للإنسانية، بل بدأ يتمادى أكثر وأكثر حتى بات يعتقد الجميع بأن اقترابه من أية مدينة تاريخية أو متحف سيفعل به مثلما فعل في الموصل وغيرها . وقد اعتبرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو" ذلك بمثابة نقطة تحول في الإستراتيجية المروعة للتطهير الثقافي التي تجري حالياً في العراق" . فيما انتقدت وزارة السياحة والآثار العراقية تباطؤ المجتمع الدولي حيال جرائم "داعش" بحق التاريخ والحضارة والآثار .
قال وكيل وزارة السياحة والآثار لشؤون الآثار العراقي، قيس حسين رشيد: لقد تعرضت الآثار العراقية إلى الدمار منذ شهر يونيو/حزيران الماضي على يد تنظيم"داعش" البربري . إذ كنا نتلقى الأخبار المقلقة والمرعبة في بعض الأحيان عن ارتكاب "داعش" لاعتداءات كبيرة بحق الإرث العراقي التاريخي الذي يهم الإنسانية برمتها . حيث بدأ التنظيم الإرهابي بتفجير مرقد النبي يونس ومن ثم مرقد النبي شيت وبعد ذلك تفجير التلة المهمة الذي تقع عليها "تلة الدوبة" وهي أحد التلال المهمة في العاصمة نينوى الآشورية، ومن ثم توالت عملية تفجير المراقد والمزارات، إذ تعرض مقام يحيى بن القاسم ومقام السيدة زينب في سنجار والإمام الباهر ومعابد وكنائس كثيرة تعرضت للنسف والتفجير، فضلاً عن استيلاء "داعش" على مجموعة كبيرة من المخطوطات ومن ثم حرقها في إحدى الساحات في مدينة الموصل .
وأضاف رشيد أن الفاجعة الأخيرة تمثلت بقيام تنظيم "داعش" بتحطيم آثار متحف الموصل إذ قام ببث فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي يمثل قيام "وحوشه" بتدمير مقتنيات المتحف المذكور . لافتاً إلى أن الخسارة الكبيرة قد تمثلت بتجريف المدن الأثرية في نمرود والحضر وخورسباد، حيث نحن في وزارة السياحة والآثار العراقية لا نمتلك معلومات عن المساحات التي جرفت لحد الآن، لكن مصادرنا المحلية أكدت أن التنظيم الإرهابي قام بتجريف مساحات واسعة من هذه المدن وقد سمعت أصوات تفجيرات في مدينة الحضر . كما قام التنظيم بتفجير بعض المعابد المهمة، إضافة إلى قيامه بسرقة الآثار والمتاجرة بها باعتبارها مصدراً من مصادر التمويل المهمة التي اعتمدها تنظيم "داعش" بعد سيطرته على بعض المدن التاريخية العراقية .
وأبدى رشيد رضاه من موقف المنظمات الدولية وبالخصوص منظمة اليونسكو التي كان لديها موقف مشرف اتجاه ما تعرضت له الحضارة العراقية من اعتداءات سافرة من قبل التنظيم الإرهابي، وقد تعاطفت المنظمة المذكورة مع القضية العراقية وحتى التحالف الدولي والأصدقاء مع العراق كلهم مع وقفوا وقفة جيدة مع العراق بسبب انتهاكات "داعش" وننتظر المزيد منهم . لافتاً إلى أن صدور القرار (2199) من مجلس الأمن الدولي كان خطوة مناسبة جداً وأن جاءت متأخرة لأن القرار المذكور سيسهم في الحد من عملية الاتجار غير المشروع بالآثار العراقية . مطالباً بموقف عربي وإسلامي قوي يدين جرائم "داعش" بحق الحضارة العراقية .
وبشأن ملف استرداد العراق للآثار التي تعرضت للسرقة بعد الاحتلال الأمريكي أوضح رشيد بالقول:" لقد نجحنا في هذا الملف بشكل كبير جداً، إذ تمكنا من استرداد أكثر 4300 قطعة أثرية من مسروقات المتحف العراقي" . مبيناً إننا كنا قد فقدنا أكثر من 15 ألف قطعة في عام 2003
ولكننا ما زلنا نبحث عن أكثر من عشرة آلاف قطعة أثرية مسروقة وهناك ملفات مفتوحة بهذا الشأن .إذ إننا نراقب عن كثب جميع مزادات بيع الآثار في العالم ولدينا تعاون كبير جداً مع متاحف عالمية لغرض استرداد كل قطعة أثرية سرقت من العراق بعد عام 2003 .
أما الخبير المختص في مجال الآثار عامر عبد الرزاق فقد ذكر بأن الآثار العراقية تعرضت إلى فاجعة كبرى وصفحة سوداء من صفحات التاريخ في عام ،2003 وذلك عندما سرقت اغلب المواقع الأثرية العراقية . كما تعرض المتحف العراقي إلى سرقة ما يقارب 14 ألف قطعة أثرية . لافتاً إلى أن الجميع يعلمون أن العراق يمتلك أكثر من 20 ألف موقع اثري وهذا الرقم يجعل العراق أكبر دولة في المواقع الأثرية، لأن هذا العدد الكبير يبين انطلاق الحضارات الأولى البابلية والأكادية والسومرية والآشورية وغيرها من هذا البلد العريق جداً .
وقال عبد الرزاق: "لقد سرقت آثارنا على مرمى ومسمع الإدارة الأمريكية ولم تقم تلك الإدارة بالإيعاز إلى قواتها الغازية بحماية المواقع الأثرية، بل قامت بحماية المؤسسات الأمنية وآبار النفط وزارة الخارجية، وهي تريد هذا الأمر لأنها صممت كما بدا واضحاً للعيان على طمس المواقع الأثرية في العراق" .
وبيّن أن الأرشيف اليهودي الذي سرق من العراق بعد عام2003 يضم 2700 مخطوطة نادرة ومن ضمنها مدونة مهمة جداً تمثل أقدم نسخة للتوراة في العالم . حيث قام الأمريكيون بالاستيلاء على الأرشيف اليهودي بحجة صيانته وترميمه، لكن منذ عام 2005 وحتى الآن فإن الأرشيف المذكور يتواجد لدى الولايات المتحدة التي ترفض إرجاعه . مؤكداً أن تل أبيب احتفلت قبل أسابيع بوصول الأرشيف اليهودي الذي سرق من العراق إليها . محملاً الإدارة الأمريكية السابقة جميع العمليات التي أدت إلى تدمير الموروث التاريخي والأثري في بلاد وادي الرافدين .
ورأى عبد الرزاق أن ما يحدث الآن من عمليات ممنهجة لتدمير المواقع الأثرية وسرقة القطع الأثرية في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار هو تكملة للمخطط الأمريكي الذي بدأ في عام 2003 . مؤكداً بأن هناك الكثير من المراقد والجوامع والكنائس قد دمرت في الآونة الأخيرة وهي تعود إلى العصور القديمة وهي مواقع أثرية غاية في الأهمية والجهد التاريخي والخارطة التاريخية . لافتاً إلى أن المدن والعواصم للإمبراطوريات العالمية مثل خورسباد والنمرود وغيرهما قد دمرت بشكل كامل عن طريق السيارات والآليات الضخمة، فضلاً عن سرقة ملايين القطع الأثرية من المواقع الأثرية في الموصل التي تعد المدينة الأكبر في عدد المواقع الأثرية في العراق .
واتهم عبد الرزاق "إسرائيل" بالدمار الذي تعرضت له الحضارة العراقية بعد عام،2003 لأن "إسرائيل" لها دور كبير جداً في تدمير التراث العراقي وخصوصاً ما حصل في محافظة نينوى، لأن "إسرائيل" وتحديداً في 17 مارس/آذار من عام 2003 طالبت سلاح الجو الأمريكي وبشكل علني بتدمير المواقع الأثرية في العراق . متسائلاً أي طلب هذا؟ وما هو السبب الذي يجعل "إسرائيل" تشعر بالغيظ من المواقع الأثرية في العراق؟ وكشف عبد الرزاق بأن عملية تهريب القطع الأثرية من الأراضي العراقية إلى الدول الأخرى تتم عن طريق تركيا أو سوريا وذلك عبر قيام تنظيم "داعش" الإرهابي بتسريب تلك القطع الأثرية إلى قبرص ومن ثم إلى "إسرائيل" وبعد ذلك إلى دول العالم الأخرى . لافتاً إلى أن القطع الأثرية التي تهرب من الأراضي العراقية تكون على مرمى قوات التحالف الدولي ولكن لا نرى من تلك القوات أي تحرك يذكر لمنع سرقة تاريخ وحضارة العراق . مشيداً بمطالبة روسيا في جلسات الأمم المتحدة بإيقاف سرقة آثار العراق .
وبشأن عملية إعادة ترميم ما دمر من الآثار العراقية بيّن عبد الرزاق أن عملية الترميم صعبة جداً وفي بعض الأحيان تكون مستحيلة، لأن الذي تم تدميره كان مهماً ونادراً مثل الثور المجنح الموجود في سور نينوى الذي يعتبر واحداً من أهم أربعة أجنحة ثيران في العالم والتي تتواجد في متاحف برلين ودولفر والعراق في بغداد والموصل .إذ أن الثور المجنح قد دمر بالكامل وأصبح تراباً وعدداً من القصور أصبحت هشيماً . لذلك لا يمكن تصليح ما تم تدميره، وعليه فإن الذي حصل هو عبارة عن كارثة لا تخص العراق فقط بل تخص العالم بأكمله، واعتقد أن الولايات المتحدة ومن خلفها "إسرائيل" أرادتا إرسال رسالة بأنهما تستطيعان تدمير حضارات العراق وليس مستقبله فقط .
وأبدى عبد الرزاق تحفظه على منظمة اليونسكو وكذلك بقية المنظمات العالمية ومن ضمنها الأمم المتحدة، لأن ردات فعل تلك المنظمات على الجرائم الشنيعة التي ارتكبت بحق تاريخ وحضارة وأرث العراق كانت خجولة جداً ولا تتناسب مع الكارثة التي حصلت . حيث تستطيع طائرة واحدة حماية المدن الأثرية التي تم تجريفها وهي النمرود والحضر وخورسباد، لكن تلك المنظمات لم تحرك ساكناً وتم تدمير تلك المدن من قبل "داعش" والجميع يتفرجون وهذه كارثة كبرى .
الصهيونية الماسونية
الباحث والكاتب عبد الكريم الزهيري الذي كتب كثيراً عن الماسونية العالمية، فقد ذكر بأن الحضارة العراقية تعرضت إلى نكبتين كبيرتين جداً بعد الاحتلال الأمريكي، النكبة الأولى حصلت بعد دخول قوات الاحتلال التي قامت بقلع أبواب المتحف العراقي لتسمح للسراق والعابثين بسرقة محتوياته التي لا تقدر بثمن، لأنها تمثل التاريخ الإنساني والحضاري لبلاد الرافدين العريقة وقد رافقت تلك النكبة اعتداءات أخرى على بعض المواقع الأثرية المهمة في بعض المحافظات العراقية، لكن تلك الاعتداءات لم يسلط الأعلام الضوء عليها في حينها .أما النكبة الثانية فقد حدثت بعد احتلال تنظيم "داعش" الإرهابي ببعض المدن العراقية في صيف العام الماضي . حيث تمادى التنظيم البربري بأعماله الوحشية ضد المواقع الدينية والتاريخية في تلك المدن، بينما العالم لا يتدخل لحماية الحضارة من معمول المغول الجدد .
وأضاف أن تنظيم "داعش" اعتدى على كل حضارات الإنسان، وقام بتدمير الكثير من المواقع والمدن التاريخية فضلاً عن متاجرته بالكثير من القطع الأثرية المهمة وبيعها في بعض الدول .
وقال: الذين ينتمون إلى "داعش" هم مدسوسون ودفعتهم الماسونية والصهيونية العالمية لتدمير كل التراث الإسلامي وهذه المؤامرة باتت مكشوفة . فلو كان هؤلاء "البرابرة" يريدون تحطيم تلك الأصنام باعتبارها مخالفة للدين الإسلامي لكان الأجدر بهم تحطيم حضارات الغرب والكيان الصهيوني .
وأبدى الزهيري أسفه الكبير لأن الجهات العراقية المعنية وبسبب نظام المحاصصة لا تعتني بالمقتنيات والتراث العراقي والآثار التي أصبحت اليوم للأسف في ذمة التاريخ، لأن السياسي لا يتأقلم ويتناغم مع الحضارة . فالسياسي العراقي يفكر في ولائه للحزب الذي ينتمي إليه وليس إلى تاريخ الإنسان والحضارة . لذلك أقولها بحسرة كبيرة جداً أن روح السياسي العراقي قد نزعت من أصالة الحضارة . حيث لا يوجد توافق بين السياسي والحضارة والمثقف العراقي .