إعداد: محمد إسماعيل زاهر
«إن الذي تحصل من كلام الفلاسفة والعلماء وأهل النظر في علم الهيئة أن الأرض مدورة كتدوير الكرة، والماء لاصق بها وراكد عليها ركوداً طبيعياً، والأرض والماء مستقران في جوف الفلك»، يقول هذا الرأي أحد أبرز الجغرافيين العرب في القرن الخامس الهجرى، الثاني عشر الميلادي، ويوجهه إلى أحد ملوك صقلية في العصور الوسطى المظلمة، حيث السائد أن الأرض مسطحة، وحتى إن كان الرأي معروفاًً في الأوساط العلمية الإسلامية آنذاك، فمجرد ترديده وكتابته في بيئة متزمتة يدل على استعانة الطبقة الأوروبية المستنيرة بالعلماء العرب، ويدل على وجود حوار حضاري وثقافي حتى في اللحظات التي تبدو للوهلة الأولى انها تقتصر على الصراع. ولنتخيل عالمنا وهو يشرح للملك كروية الأرض وموقعها في الفضاء من خلال بيضة، شبه الأرض بصفارها المحاط بإحكام من جميع الجهات. وتؤكد بساطة التشبيه وربما سذاجته أن الفكرة كانت جديدة وجريئة في أوروبا في ذلك الوقت، ومعروفة كبديهية في العالم العربي والإسلامي.
عالمنا هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن إدريس، المعروف بالإدريسي، والرأي السابق من كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» الذي أمضى في تأليفه خمسة عشر عاماً وانتهى منه في سنة 1153م، بطلب من ملك صقلية المولع بالعلم روجر الثاني. ويبدو أن الجوار الجغرافي بين صقلية والعالم الإسلامي شكل فاتحة لاستفادة أوروبية من ثقافة الآخر، فبعد قرن تقريباً يوجه الملك الصقلي فردريك الثاني أسئلة لاهوتية إلى الفلاسفة المسلمين ليجيب عنها المغربي ابن سبعين في كتابه «المسائل الصقلية».
ولد الإدريسي، ويعرف أيضاً بالصقلي، في مدينة سبتة المغربية في عام 493ه/1100م، وتوفي في سبتة أو صقلية في عام 559ه/1166م، درس في قرطبة علوم الفلك والرياضيات والجغرافيا والنبات. وكانت سبتة أيضاً، مسقط رأس الكثير من علماء المغرب ومصدر إشعاع فكري واحتكاك حضاري بين ضفتي البحر المتوسط. والمعلومات عن حياة الإدريسي في المصادر العربية القديمة وأيضاً الحديثة نادرة للغاية. فبرغم شهرته إلا أن الكثير من القدماء قد تجاهلوه، وربما نجد معلومة هنا أو هناك عنه في مقدمة ابن خلدون أو الصفدي في «الوافي بالوفيات» أوالعماد الأصبهاني في «خريدة القصر» أو حاجي خليفة في «كشف الظنون»، وحتى ذلك المتخصص في تاريخ الأندلس والمغرب محمد عبدالله عنان يهتم به لأنه افتتح «نزهة المشتاق» بذكر كروية الأرض.
يعتبر الإدريسي من أشهر الجغرافيين في العالم، استخدمت خرائطه التي يعتبرها الجميع أفضل ما رسم عن العالم المعروف آنذاك، في حركة الكشوف الجغرافية الأوروبية، حيث ضمنها الأنهار والمرتفعات والبحيرات. كان مولعاً بالعلم والمعرفة والسفر، وله كتابات أخرى في عدة علوم، وزار مصر والحجاز وفرنسا وانجلترا، وعاش في صقلية بعد خروج العرب منها، تلك الجزيرة التي حكمها الملوك النورمان، وعرف عن بعضهم رعايتهم للأكثرية المسلمة آنذاك، ومنهم روجر الثاني الذي تشبه بالمسلمين في اللباس والهيئة، وهو الملك الذي قرب الإدريسي ووفر له كل الأدوات اللازمة ليكتب احد أهم الآثار الجغرافية في التاريخ ونعني به «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق».
في صقلية صنع الإدريسي كرة ضخمة من الفضة رسم عليها خريطة العالم، وخريطة أخرى على شكل مستطيل من الفضة بمقياس 14 10 أقدام وتزن 400 رطل، وهي أكبر الخرائط المعروفة في العالم، وذكر الإدريسي أنها تضمنت وصفاً دقيقاً لمختلف البلدان بطرقها وغاباتها وسهولها وجبالها... الخ.
وزود الإدريسي خرائطه بالرسوم الملونة، حيث اللون الأزرق للبحار والأخضر للأنهار والأحمر والبني والأرجواني للجبال، ورسم المدن على شكل دوائر مذهبة واستعان في الناحية المعلوماتية بمؤلفات الرحالة والجغرافيين العرب واليونانيين، وما وفره له روجر الثاني من كتب ومراجع، فضلاً عن العديد من الفنانين.
تتكون الأرض وفق الإدريسي من سبعة أقاليم مناخية، وكل إقليم يتكون من عشر مناطق متساوية وفقاً لخطوط الطول التي برع فيها وحددها بدقة. والجزء الآسيوي عند الإدريسي غني بالمعلومات، ويعتبر أول من وصف بعلمية بلاد الخرز وبحر الأورال، ورسم الإدريسي في «نزهة المشتاق» سبعين خريطة، وأسهب في الفصول التي تتحدث عن الاندلس والمغرب وبحر الأدرياتيك وجزر البحر المتوسط وبلاد العرب، حيث تجول ورحل ودرس وشاهد وعاين، بالإضافة إلى ذكره أقصى أوروبا الشمالية، فنلندا، وكانت المرة الأولى التي يذكر فيها أحد الجغرافيين هذه المنطقة من العالم.
لانهائية الموهبة
عندما نقرأ «نزهة المشتاق» نخرج بانطباع أننا امام رحالة وفلكي وجغرافي وعالم اجتماع ومؤرخ وروائي حكاء بامتياز، يقول: «وإذ فرغنا من ذكر هيئة الأرض وقسمتها بأقاليمها وذكر البحار التي وصفنا مباديها وانتهاءاتها وأحوازها وما يلي سواحلها من البلاد والأمم، فلنبدأ الآن بذكر الأقاليم السبعة وما تحتوي عليه من البلاد والأمم والعجائب إقليماً إقليماً وبلداً بلداً، ونذكر ما تشتمل عليه ممالكها ومسالكها ومبلغ فراسخها وأميالها ومجاري أنهارها وعلو بحارها وسلوك قفارها، كل ذلك مشروحاً موضوحاً باستقصاء من القول مع الإيجاز بغاية الجهد ومبلغ الطاقة. وقسمنا كل إقليم منها إلى عشرة أقسام مقدرة من الطول والعرض ورسمنا في كل واحد ما له من المدن والأكوار والعمارات، ليرى الناظر في ذلك ما خفى عن عيانه أو لم يبلغه علمه أو لم يتمكن من الوصول إليه لتعذر الطرقات واختلاف الأمم».
ويتحدث الإدريسي عن مدينة «البصرة» المغربية على سبيل المثال بلغة الاجتماعي، فبعد أن يرصد موقعها وأسوارها وقراها ومحاصيلها، يذكر اسهام العوامل البيئية التي جعلت من أهلها أعفاء تتعدد محاسنهم وخصالهم الحميدة. ولا ينسى التاريخ العسكري والسياسي للمدن المتقلبة الأحوال مثل «المدينة الخضراء» في الأندلس، وتتلبسه روح المعماري الفنان وهو يصف جماليات جامع قرطبة بالتفصيل، المحراب والمنبر والباحة والزينة والمنمنات المختلفة، ويقوم بالوصف ذاته في ما يتعلق بكنيسة «الغراب» الأندلسية، ويمتعنا بحكي آسر عندما يحاول تفسير أسباب اطلاق هذا الاسم على الكنيسة، ولا يفوت الأسواق وما تتضمنه من بضائع وغلات، وينسب لكل مدينة السلع والزراعات والصناعات التي تشتهر بها، ويهتم بالدرجة نفسها بالمدن البحرية وطرائق صيد الاسماك وصناعة السفن والقوارب ومصائد اللؤلؤ، ويعنى بشدة بأسوار المدن ودورها في الحماية والتأمين حتى يتم العمران، ولا ينسى تاريخ المدن والعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر في شؤون البشر وحياتهم اليومية، ويقترب السرد أحياناً من القصص الشعبي في ما يتعلق بأجوج ومأجوج، أو مدينة «سرقسطة» الأندلسية التي لا تدخلها حية أبداً وان دخلت ماتت للتو. وإن كان هذا مناخ العصر الذي لم يكن في مقدوره الإفلات منه، أو يتماهى مع ألف ليلة وليلة وهو يتكلم عن مدينة روما، واحياناً ما ينتقد بعض الحكايات المنتشرة والمتداولة ويخضع مفرداتها للنقد العقلي مثل رفضه لشجرة في جزر «الواقواق» تنبت في كل عام رؤوس نساء بدلاً من الثمار. ويمتلىء الكتاب بوصف المدن والجزر الهندية وما تتميز به حكاياتها من غرائبية لافتة، ولا يهمل قصص البحر ويمزجها بوصف الطقس بلغة العالم الخبير. ويحدد الإدريسي مصدر نهر النيل، ففي موقع معين من خرائطه وضع نقطة منبع النهر أسفل خط الاستواء، نافياً بذلك ما ذهب إليه الكثيرون من القدماء الذين رددوا أن النيل ينبع من السماء أو القمر.
وككل علماء عصره أو علماء تراثنا العربي الإسلامي لم يقتصر ولع الإدريسي أو اسهامه على الجغرافيا بمعناها الواسع فحسب، التي كتب فيها مؤلفاً آخر بعنوان «الممالك والمسالك»، بل توسعت اهتماماته لتشمل كتاباً في علم النبات بعنوان «الجامع لصفات اشتات النبات»، وكتاباً في الصيدلة بعنوان «الأدوية المفرحة».
لقد اقترب الإدريسي من علم الإناسة المعاصر من خلال تركيزه على سمات الشعوب، ورصد نشاطاتها الحياتية وعاداتها وتقاليدها وأطعمتها وأزياءها واساطيرها ومعتقداتها وانماط حكمها وطرائق الإدارة التي تتبعها..الخ. هو بخلاف الجغرافي التراثي التقليدي الذي يبدأ عمله بصورة الأرض ووضعها في الفضاء المحيط، محلل ثقافي أيضاً يدرك انه يقوم بمهمة جسيمة فيها من العلم المحسوب بالأميال والمسافات بقدر ما فيها أيضاً من الرأي ووجهة النظر والتلاقح الحضاري، وفيها مرة ثالثة حكي وخيال وأفق عصر لا يمكن تجاوزه، وفيها مرة رابعة اسهام أفاد العالم بأكمله، وفيها مرة خامسة محبة واضحة للعلم بين الأطراف الثقافية كافة، حيث أسست الجغرافيا آنذاك للحوار لا الصراع الذي سيقننه منظرون لاحقون على ركائز الهوية وفي مقدمتها الجغرافيا، فضلاً عن دروس عدة لا يمكننا إلا تأملها بعناية.