إعداد: محمد إسماعيل زاهر
تخبرنا سيرة الطبيب أبي بكر الرازي، بذلك الولع الذي هيمن على علماء الحضارة العربية الإسلامية، فذلك الرجل الذي وزّع أجزاء لحم الشاة في اماكن متفرقة في بغداد، ليختار المكان الأنسب الذي يبقى فيه اللحم أطول مدة ممكنة، قبل أن يفسد، لبناء المستشفى (وفق القصة الشهيرة)؛ ذلك الرجل اعتمد في اجتهاداته على التجربة العيانية المباشرة، التي انعكست في كلماته ووصاياه للأطباء «الحقيقة في الطب غاية لا تدرك، والعلاج بما تنصّه الكتب دون إعمال الماهر الحكيم برأيه خطر»، ويقول أيضاً «الأطباء الأمّيون والمقلدون، والأحداث الذين لا تجربة لهم قتّالون»، هي التجربة التي عرفها عالم الإنسانيات في تراثنا بالتأمّل في أحوال البشر والتعامل معهم، والرحلة بين مختلف البلدان، وعرفها الأطباء والصيادلة والمشتغلون بالكيمياء والفيزياء والبصريات والفلك...الخ، من خلال المشاهدة المباشرة والممارسة داخل المستشفيات وفي المراصد والمعامل.
في طفولته ومراهقته شغف الرازي بالكيمياء وتنقل بين شيوخها، وبلغ به عشق التجارب الكيميائية أن أجرى تجربة كادت أن تنهي حياته، حيث خلط مجموعة من الغازات، ليرى مفعولها في قتل الحشرات المتطايرة في غرفة مغلقة، ويبدو أن نسب الغازات كانت غير دقيقة، ما أدى إلى غيابه عن الوعي لفترة طويلة، الأمر الذي أصاب أسرته بالهلع وبقاء الطبيب بجواره لبضع ساعات حتى يتاكد من تجاوزه الخطر. وبرغم أنه كتب في الكيمياء والأدوية ما يؤكد معرفة واسعة بهذا العلم، فإن هذه الحادثة ربما تكون أثرت في نصيحته للأطباء «مهما قدرت على أن تعالج بالأغذية، فلا تعالج بالأدوية، ومهما قدرت أن تعالج بالدواء المفرد، فلا تعالج بالدواء المركب».
ولد أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في مدينة الرّي في عام 250 ه/ 864 م، وتوفي في عام 311 ه/ 923م، ويُعدّ أحد أعظم الأطباء في التاريخ، وكتابه «الحاوي في الطب» أشهر من أن يُعرّف، وظل مرجعاً أساسياً للأطباء المسلمين والغربيين لقرون عدة لاحقة، درس في طفولته الرياضيات والكيمياء والفلك والأدب، تعلم الطب في بغداد ويقال إنه تعلمه على كبر، و كان يرى أن هذه المهنة لا تُدرس أو تمارس إلا في المدن المزدحمة بالسكان، حيث تكثر الأمراض والأوبئة، وبعد ذلك عاد إلى مسقط رأسه ليتولى إدارة مستشفى الرّي، ويؤلف كتابيه «المنصوري في الطب» و«الطب الروحاني» وكل منهما متمم للآخر، الأول في أمراض الجسد والثاني في أمراض النفس، ففي ذلك الزمان كان من الصعب الفصل بين الطب والفلسفة، وزاول معظم الفلاسفة المسلمين- إن لم يكن كلهم - العلمين معاً، بل إنه يصنف أيضاً ضمن أبرز الفلاسفة المسلمين، حيث يؤكد في «الطب الروحاني» أولوية العقل، فلا يصحّ أن نجعله - وهو الحاكم - «محكوماً عليه، بل نرجع في الأمور إليه ونعدّها به ونعتمد فيها عليه».
تولى الرازي أيضاً إدارة المستشفى المعتضدي في بغداد، في عهد الخليفة المعتضد بالله، وكتب عشرات المؤلفات تصل إلى 200 كتاب في الطب والصيدلة والفلسفة. ويُعدّ «الحاوي في الطب» موسوعة طبية ضخمة، ضمّنها مقالات الأطباء اليونانيين والهنود مضيفاً إليها اجتهاداته وممارسته لمهنة الطب التي اعتمدت على الدروس السريرية أو الأكلينيكية بلغة الطب الحديث، وتبدو فيها عنايته بتاريخ المرض واستقصاء بداياته البعيدة والوراثية، ومتابعة الحالة بعد شفائها، واهتمامه بالحالة النفسية للمريض، وقد أفنى المترجم العربي فرج بن سالم عمره بأكمله، لينجز الترجمة من العربية إلى اللاتينية من الكتاب في عام 1279،لشارل دانغو ملك نابولي وصقلية، وطبع الكتاب كاملاً في شمال إيطاليا في عام 1486، وظل مرجعاً في جامعات أوروبا لمدة أربعة قرون وخاصة جامعات هولندا.
وعدا «الحاوي» هناك موسوعة طبية أخرى للرازي، بعنوان «الجامع»، وموسوعة ثالثة بعنوان «الفاخر» جمع فيها ما قيل في الطب والأمراض على مدار التاريخ، وشملت كل ما يصيب الإنسان من أوجاع من الرأس إلى القدم، ورسالة «الجدري والحصبة» وفيها يصف المرضين، وأعراضهما وكيفية التفريق بينهما، وكانت المرة الأولى في تاريخ الطب من يكتب مميزا بين هذين المرضين بدقة علمية لافتة، حيث أظهر الرازي الأهمية الكبرى لضرورة الفحص الدقيق لكل من القلب والنبض، لمراقبة تطور المرض. وله كذلك كتاب «منافع الأغذية» في تسعة عشر باباً، يتحدث فيهم عن أهمية الطعام الذي يتناوله الإنسان ودوره في الصحة العامة للجسم. أما كتاب «برء الساعة» فيذكر فيه العلل التي يمكن معالجتها في ساعات معدودة ويقال إنه ألف هذا الكتاب لأحد الوزراء الذي اجتمع في مجلسه الخاص إلى أبرز أطباء العصر، وسألهم هل يمكن شفاء المرض الذي يتكون في أيام وشهور في يوم أو يومين؟ وجاءت الإجابات جميعها سلبية، إلا الرازي الذي أكد أنه في إمكان الطبيب الماهر ذلك، وأعطى للوزير نماذج وأمثلة لأمراض عدة، الأمر الذي دفع الوزير ليطلب إلى الرازي تدوين رأيه كاملاً في كتاب مخصّص لذلك، فألف طبيبنا «برء الساعة»، وتتعدد كتابات الرازي الطبية لتتضمن كذلك: «الكافي في
الطب»، «سرّ صناعة الطب»، «رسالة في أخلاق الطبيب»، «أمراض العين»، ومقالة في «الكلى والمثانة»، ومقالات عدة في طب الأطفال... الخ.
تتعدد في كتابات الرازي نصائحه للمرضى، «ينبغي للمريض أن يقتصر على طبيب واحد ممّن يوثق به من الأطباء»، «المريض الذي يتطبّب عند كثير من الأطباء يقع في خطأ كل واحد منهم».
بحر الطب
لقد كان يهيمن على الرازي دائماً الشعور بأن الطب بحر ليس بالإمكان العبور إلى ضفته الأخرى أبداً «الطبيب الحاذق ليس هو من يقدر على إبراء جميع العلل، فإن ذلك ليس في الوسع»، ولذلك كان يعتقد أن الإنسانية قادرة على أن تنتج دائماً من يتجاوز بعلمه في الطب أبقراط، وهو ما كان في زمن الرازي وابن سينا والزهراوي وابن النفيس وغيرهم على مرّ الدهور حتى وقتنا الحالي، فلا حقيقة مطلقة ثابتة وجامدة في العلم ترتبط بظروف ما أو تتعلق بعبقرية لا تتكرر.
يُعدّ الرازي أول من ابتكر خيوط الجراحة، وصنع المراهم من الزئبق واستخدمها في العلاج، واستخدم الفحم الحيواني، وفرّق بين
الصودا والبوتاس، وأجرى التجارب على الحيوانات، وحضّر الكحول من السكريات والنشويات، لتوظيفه في بعض الأدوية، وتوصل إلى تقدير الكثافة النوعية لعدد من السوائل، وصنع لذلك ميزاناً خاصاً اطلق عليه «الميزان الطبيعي».
برز الرازي في كثير من العلوم الأخرى، حيث يضعه البعض في رتبة لاحقة لجابر ابن حيان في الكيمياء، فهو «أبو الكيمياء التطبيقي» و«الكيميائي الفيلسوف»، وله عدد من الكتب
في هذا العلم، منها: «سرّ الأسرار» وفيه يصف خواصّ المواد الكيميائية وطرائق تنقيتها وكيفية تمييزها والتعرف إليها، أما كتابه «الشواهد» فتظهر فيه نزعته الموسوعية، حيث ضمّنه أقوال الحكماء في الكيمياء وأبرز من نبغ فيها، كما قسّم المعادن إلى أنواع، ويُعدّ أول من ذكر حامض الكبريتيك وأطلق عليه «الزاج الأخضر».
في الفيزياء يُعدّ من أوائل من أشاروا إلى أن الإبصار لا يكون بشعاع يخرج من العين. وله كتاب «الفرق بين ابتداء المدة وابتداء الحركة»، وتحدث عن علة جذب المغناطيس للحديد، وله كتاب يشرح فيه فضائل علم الهندسة ومنافعه.
وعُرف الرازي بغزارة الانتاج في الفلسفة أيضاً، ومن أهمّ مؤلفاته: «المباحث الشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات»، و كتاب «البرهان»، و«أسرار التنزيل وإنذار التأويل»، أما كتابه اللافت في العنوان أو المضمون «إن للعبد خالقاً»، فينطلق فيه من علم التشريح وتناغم وظائف الأعضاء المختلفة في الجسم ليدلل أن للإنسان خالقاً ومدبراً حكيماً.
توفي الرازي بعد أوجاع عدة عاناها في عينيه، فقد نتيجتها بصره في أيامه الأخيرة، وأكد الكثير ممن أرّخوا له، زهده وتقشفه وإخلاصه للعلم وتغليبه للعقل، وصفه ابن خلكان صاحب«وفيات الاعيان» بالقول: «كان الرازي إمام وقته في علم الطب والمشار إليه في ذلك العصر، وكان متقناً لهذه الصناعة حاذقاً بها، عارفاً بأوضاعها وقوانينها، تُشدّ إليه الرحال لأخذها عنه»، اما ابن النديم صاحب «الفهرست»، فقال عنه «أوحد دهره وفريد عصره، قد جمع المعرفة بعلوم القدماء ولا سيّما الطب».