بعد نحو نصف قرن من تلك الحادثة نقل الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله من مرصد المقطم تراث عالمنا ابن يونس بعد وفاته إلى مكتبة «دار الحكمة»، والذي تضمن رسائله الفلكية في «الرقاص» و«الظل» و«الميل» و«التعديل المحكم» و«جداول السمت الشمسي»، حيث وصل ابن يونس بعلم الفلك إلى مستوى متقدم بعد استيعاب ما قدمه المصريون والهنود والعرب إلى هذا العلم، وبين التاريخين عكف ابن يونس على أبحاثه التي أضافت الكثير إلى البشرية، لعل أبرزها اختراعه لبندول الساعة.
ولد ابن يونس في عام 338 ه/ 950 م، ويعد من أعظم علماء الفلك في القرن الرابع الهجري، درس التراث المصري القديم حيث تعرف ابن يونس إلى إسهام قدماء المصريين في الخرائط النجمية ورصدهم لحركة القمر والشمس وربطهم بين هاتين الحركتين وفيضان النيل، ومعرفتهم بطلوع الشعرى اليمانية قبيل طلوع الشمس مرة واحدة في السنة، وإدراكهم، رغم كل ما يقال، لكروية الأرض وأنها تدور حول نفسها، حيث جعلوا السنة اثني عشر شهراً، والشهر ثلاثين يوماً، وأكملوا عدة السنة الشمسية خمسة أيام، أيام النسيء، وعرفوا كسوف الشمس وخسوف القمر، وسجلوا بعض أحداث السماء مثل ظهور الشهب والأجرام، واستخدموا المزولة الشمسية، والساعة المائية، وعرفوا بروج القمر، والنجوم المتلألئة والمنطفئة..إلخ. وورث ابن يونس كذلك نظريات اليونان والهند وأحُيط بكل هذه المراصد التي أسسها العرب في بغداد، والري، ودمشق، وكانت هناك أيضاً الجداول الفلكية العربية التي انتهت إليه.
عاش ابن يونس في القرن الرابع الهجري في مصر، وشهد انفراد كافور الإخشيدي بالحكم، وما تميز به عهده من اضطراب، حيث أغار القرامطة على الشام وأسروا قافلة مصرية كبيرة، وفي عام آخر وقع زلزال في الفسطاط يقال إنه دمر ألفاً وسبعمئة منزل، وهلك فيه والد عالمنا وأمه وعدد من إخوته وأقاربه، وهاجم ملك النوبة جنوب مصر، وجاء النيل منخفضاً فجفت الأرض، واندفع الفاطميون لدخول مصر وبدأوا بالإسكندرية ، ولم تلبث أن وقعت في قبضتهم فاتحة لعهد جديد في مصر، وقرر ابن يونس ومن بقي من أهله الذهاب إلى ضاحية حلوان ، حيث يوجد بيت للعائلة هناك، وفي تلك الضاحية عكف ابن يونس على دراسة كل ما يقع تحت يده وله علاقة بعلم الفلك.
أمضى ابن يونس ما يقرب من خمسة عشر عاماً يؤسس في حلوان مرصده الخاص، مزوداً إياه بآلات عدة تفيده في البحث والدراسة، وتوقع كسوفاً للشمس في عام 977م وخسوفاً للقمر في العام الذي يليه، ووصلت المعلومة إلى الوزير الفاطمي يعقوب بن كلس الذي نقلها بدوره إلى الخليفة العزيز بالله، وفي الوقت الذي حدده
ابن يونس حدث الكسوف، وطلب الخليفة لقاء العالم.
وكان الفاطميون قد أسسوا مدينة القاهرة وجعلوها تحفة معمارية وفنية، وسأل الحاكم العالم ما الذي بالإمكان فعله لإدخال العلوم والآداب إلى تلك المدينة البهية، فأشار العالم بتحويل الجامع الأزهر إلى جامعة تدرس فيها العلوم المختلفة، نقلية وعقلية، نظرية وعملية، وهو ما كان، وعاش ابن يونس في مرصده الخاص بحلوان يجري دراساته الخاصة ويزور القاهرة بين الحين والآخر لإلقاء الدروس في الأزهر، وإتمام كتاب في التاريخ كان أبوه قد شرع فيه بعنوان «تاريخ أعيان مصر».
على مشارف الأربعين أنجز ابن يونس عمله الأول والخاص بجداول فلكية متعلقة بإقليم مصر، عن شمسها وقمرها ونجومها وكواكبها، وارتباطها جميعاً بفصول السنة الأربعة وبمواسم الزراعة الفرعونية الثلاثة، ولقيت هذه الجداول حفاوة من العلماء والمشتغلين بالفلك، وعرفت باسم «زيج ابن يونس».
في تلك الفترة دعا الخليفة العزيز بالله عالمنا ليكلفه ببناء مرصد كبير في القاهرة ينافس به مرصد بغداد، وحدد ابن يونس سفح جبل المقطم مكاناً لهذا المرصد، ومثّل إنشاء هذا الصرح العلمي تحدياً لابن يونس فهناك بخلاف مرصد بغداد مراصد أخرى واهتمامات عدة بعلم الفلك في مختلف البلدان المتنازعة آنذاك، في العراق وإيران حيث الدولة العباسية ومن ورائها البويهيون، وهناك الأمويون في الأندلس والبيزنطيون في تركيا واليونان...إلخ، كان التحدي في إنشاء مرصد يليق بدولة فتية وجديدة، عرفت برعاية العلم والعلماء، وأثناء تأسيس المرصد توفي العزيز بالله، ليعقبه الحاكم بأمر الله والذي لم يتم الثانية عشرة وواقع تحت تأثير برجوان معلمه وأستاذه والحسن بن عمار زعيم الجند المغاربة وأخته ذات النفوذ الواسع ست الملك، واستمر الصراع بين هذه الأطراف سبعة أعوام توقف خلالها مشروع المرصد.
مؤسسة علمية
وبعد أن استتب الأمر للحاكم دعا العلماء وطلب منهم إنشاء مؤسسة تعنى بالمعارف جميعها أطلق عليها اسم «دار الحكمة»، وطلب من وزيره الحسن بن جوهر الصقلي مساعدة ابن يونس في إكمال مرصده في سفح جبل المقطم، وفي يوم افتتاح المرصد حضر الخليفة واندهش من تلك الأدوات التي جمعها ابن يونس، كان المرصد مشيداً من الحجر الأبيض، ونوافذه من الزجاج الملون، وآلاته من المعادن المصقولة والأخشاب الثمينة، وتتضمن: «الإسطرلاب» لقياس الاتجاهات، و«اللبنة» المربعة لمعرفة أبعاد الكواكب، و«الحلقة الاعتدالية» لرصد تحولات الفصول، و«ذات الأوتار» لمعرفة منتصف الليل، و«ذات الحلق» بدوائرها الخمس لمعرفة منتصف النهار، و«ذات الشعبتين» لمعرفة ارتفاع الكواكب، و«المزولة الشمسية»، وكانت المفاجأة عندما عرض ابن يونس على الخليفة «الرقاص» وهو اختراع خالص لعالمنا، والذي تسجل كل حركة من حركاته ثانية واحدة، وكل ستين حركة تسجل دقيقة من الساعة، وكان الهدف من اختراعه معرفة الوقت الذي يستغرقه النجم أو الكوكب بين ظهوره واختفائه في السماء، وألّف ابن يونس كتاباً بالاسم نفسه ليسبق ليوناردو دافنشي بأكثر من خمسمئة عام في اختراع بندول الساعة، ذلك الذي تطور بعد ذلك وقامت على أساسه صناعة الساعات بأشكالها وأنواعها المختلفة.
عاش ابن يونس في مرصد المقطم جامعاً حوله تلاميذه ليكتب ويبحث، ويتم دراساته في الفلك ويهديها إلى الخليفة تحت اسم «الزيج الكبير الحاكمي»، وفيها جداوله الفلكية في أربعة أجزاء تبدأ بمقدمة نظرية طويلة عن علم الفلك وفوائده للبشرية، وتخليصه مما اختلط به من خرافة، ويتضمن الكتاب أيضاً تحقيق ابن يونس لاجتهادات العلماء السابقين له وتعليقه عليهم، ناقداً ومصححاً، ورصد في جداوله أيضاً جميع الكسوفات والخسوفات واقترانات الكواكب التي حدثت حتى زمنه، وأثبت أن حركة القمر في تزايد مستمر، وهي إضافة علمية سابقة لعصرها بقرون عدة، وصحح ميل دائرة البروج، ومبادرة الاعتدالين، وزاوية رصد تغيرات حركة الشمس، واستخدم في هذه الجداول علم المثلثات، فحل من خلاله الكثير من معضلات علم الفلك، وأضاف في الوقت نفسه إلى ذلك العلم، في المثلثات الكروية والخطوط المماسة، وأسهم كذلك في تقدم علم اللوغريتمات، واستخدم للمرة الأولى الأقواس في المعادلات الرياضية سابقاً بذلك الكثيرين من علماء الشرق والغرب اللاحقين له.
ترجمت أعمال ابن يونس الصدفي إلى الكثير من اللغات الأوروبية، واعتبرت جداوله الفلكية أكمل جداول في العصور الوسطى وحتى القرن السابع عشر الميلادي، وترجم كتاب «الزيج الكبير الحاكمي إلى الفرنسية في بداية القرن التاسع عشر.
وفي عام 399ه/ 1009 م رحل ابن يونس وهو يعمل في مرصد المقطم، وبرغم إجراءات الحاكم بأمر الله التي كانت تقضي بتحريم الموسيقى والغناء وجد في كتب العالم الراحل كتاباً بعنوان «العقود والسعود في أوصاف العود»، يتحدث فيه عن عشقه للموسيقى وعن آلة العود على وجه الخصوص، ويقال إنه كان يسهر في المرصد كثيراً مع صديقه المؤرخ الشهير ابن خلكان للتباحث والتدارس والاستماع إلى الموسيقى.