«رمضان زمان» لم يفارق الذاكرة ولا الواقع، روح رمضان وطابعه يعلوان «الفريج» ولا تخطئهما العين، في مناطق عدة من رأس الخيمة، واحدة من بؤر الأصالة تلك، التي لا تزال تحتفظ بتقاليد الماضي الرمضانية وروحه الجميلة، منطقة «شمل»، التي تبعد عن مركز مدينة رأس الخيمة نحو 5 كيلومترات، شمال شرق.
خميس سليمان الصغير، رئيس مجلس إدارة جمعية شمل للفنون والتراث الشعبي والمسرح في رأس الخيمة، يقول: «المنطقة تتمسّك بالأجواء الرمضانية وطقوس الشهر الفضيل، ضاربة الجذور في أرض الإمارات، التي توارثناها عن الآباء والأجداد، من أبرزها «المفطر»، وهو إفطار جماعي لأهل «الفريج»، (الحيّ باللهجة الإماراتية) ونظيراتها الخليجية، على مدار أيام الشهر، يدعى إليه أيضاً عابرو السبيل، في حال وجوده، وتقوم فكرتها على إحضار كل أهل بيت من بيوت «الفريج»، من الرجال، وجبة أو أكثر من أصناف الطعام، التي تطهى في المنزل، ليتشارك الجميع ويتحلقوا حول مائدة واحدة، تجمع القلوب والأرواح، في أجواء رمضانية خالصة، تعكس مدى الترابط الاجتماعي والألفة بين أبناء هذا الوطن.
الصغير يوضح أن تقاليد «المفطر» الجماعي في الإمارات تقوم على إقامة المائدة وسط «الفريج»، في إحدى «السكك»، وتحديداً بالقرب من مسجد الحيّ، بغرض أداء صلاة المغرب بعد تناول وجبة الإفطار مباشرة، إلى جانب ما تضفيه بيوت الله على المائدة الرمضانية المشتركة بين الأهالي والجيران، وعلى الأجواء الرمضانية من «روحانية» ودفء وطمأنينة تسكن النفوس.
يواصل الصغير: «بعد انتهاء «المفطر» الجماعي، الذي يلمّ شتات رجال الحيّ والشباب والصبية والأطفال من الذكور جميعاً حول مائدة رمضانية واحدة، من دون تخلف أحد سوى المقعدين أو المرضى وكبار السن، من تحول أوضاعهم الصحية دون قدرتهم على الحضور والمشاركة، وبعد الانتهاء من أداء الفريضة، يتبادل الأهالي الأحاديث الودية والجانبية، تتخللها رائحة القهوة الإماراتية ونكهتها الخاصة وعبقها الأصيل، حيث تدور «الفناجين» بين أيدي الرجال، بدءاً بالأكبر سناً فالأصغر، فيما يتولى حمل «الدلة» وصب القهوة العربية الساخنة أحد الشباب أو الأصغر سناً، في إطار تقاليد تعلي شأن «الشواب» وتحترم الكبير.
ومن تقاليد رمضان، التي بقيت راسخة في «شمل» وفي ذاكرة أبنائها ووجدانهم، يحولونها إلى واقع حي عاماً بعد آخر، «المجالس الرمضانية»، التي تُعقد بطريقة عفوية اجتماعية آسرة، تدل بلا شك على الروابط الاجتماعية بين المواطنين، فيما لا تخلو من التنظيم والأصالة، ويتحدد موعدها بعد صلاة التراويح مباشرة، حيث يتفق مواطنو المنطقة، من الرجال والكبار، بينهم قبل بداية الشهر الكريم، على «جدول» يحدد منزلين أو ثلاثة يقام فيها «المجلس الرمضاني»، الذي يستقبل الرجال بعد الانتهاء من صلاة التراويح، وتتواصل تلك المجالس بصورة يومية طوال الشهر، لتنتقل إلى منزلين أو ثلاثة آخرين يومياً، حتى نهاية رمضان، في حين تستمر «العادة الاجتماعية الرمضانية» في العيد ثلاثة أيام أخرى، تبدأ بمجلس مسؤول المنطقة أو «الأمير»، كما كان يدعى سابقاً، ثم تنتقل إلى وجهاء المنطقة.
ومن بين «تقاليد رمضان»، التي يتمسّك بها أهالي منطقة «شمل» في رأس الخيمة، كما يقول عبد الله سالم الشميلي، صلة الأرحام وتبادل الزيارات العائلية بين الأقارب والأصدقاء والجيران، وتسجل «الوجبات الرمضانية» الإماراتية حضورها المستمر منذ زمن «الشواب»، يتقدمها «الهريس» و«الثريد» و«المضروبة» و«العيش واللحم أو السمك»، إلى جانب الحلويات الرمضانية المحببة، ك«اللقيمات» و«الساجو» و«الخبيص» و«البلاليط» و«العصيدة».