ملف كتبته: سهير عبد الحميد

هل ولى زمن الإمبراطوريات.. إمبراطورية الإغريق ووريثتها الرومانية، ثم زمن الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس؟ أم أنه من الممكن استنساخ هذا الزمن بطريقة أو بأخرى، أي بمنطق سياسي وثقافي وليس جغرافياً.. هل يمكن بالمثل للإمبراطورية الفارسية التي بزغت منذ فجر التاريخ وناطحت الإمبراطورية الإغريقية ثم الرومانية، فأضحت إحدى أكبر قوتين تحكمان العالم القديم، وظلت عبر فصول التاريخ، حتى بعد أن أضحت جزءاً من الدولة الإسلامية محافظة على هويتها القومية، فابتكرت مذهبها في التشيع ليكون لها إسلامها الخاص، هل يمكن لتلك الإمبراطورية أن تُبعث من جديد؟
هذا ما تحذر منه الدوائر السياسية، مؤكدة أن الحلم الفارسي يجرى العمل لتحقيقه على قدم وساق، وأن إيران استدعت حلماً تاريخياً من زمن كان لها فيه السطوة والهيمنة، لكن هل الواقع السياسي والجغرافي الحالي من الممكن أن يسمح لها بتحويل الحلم إلى حقيقة؟ تلك هي المسألة.
لقد استوعبت القوى الإمبريالية في القرن التاسع عشر أن الاستعمار الجغرافي أضحى خارج حسابات الزمن، وأن الاستعمار الجديد سيكون بالسيطرة على القوى الناعمة، أي الاستعمار الثقافي والاقتصادي، فانسحبت بقواتها العسكرية وتركت قواها الإعلامية والثقافية تقوم بالمهمة، بعد أن وضعت بذرتها في العالم العربي قبل أن تقلع بجيوشها عن أرضه. وهل كانت سياسات الجلنزة والفرنسة مرساة لقدم تركتها دول الاستعمار كمسمار جحا الذي يتيح لها مد جسور النفوذ والهيمنة.
فهل تفكر إيران بالطريقة نفسها بعد أن أضحت لها الكلمة الأولى في بعض البلدان العربية من خلال أذرعها وحلفائها؟ في بيروت ودمشق وبغداد، والآن الحوثيون باليمن، وهل مشروعها النووي هو جزء من تعزيز وجودها الإقليمي، والذي سيمثل لها العضد كي تمد هذا النفوذ، وإلى أي مدى يمكنها أن تنتجه باستخدام سلاح التشيع إلى اجتياح دولنا العربية، وهل الخطر يحدق بمصر أيضاً، أم أن هذا البلد بحضارته العريقة وهويته الراسخة رسوخ جغرافيته عبر الزمان سيكفلان له الحماية؟ والذي ظل، حتى بعد أن أدخل الفاطميون إليه مذهبهم الشيعي، سني المذهب شيعي الهوى.
أسئلة عديدة نطرحها عبر الموضوعات التالية لعلنا نجد إجابات توضح المشهد وتكشف الملابسات.

فشل تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أيقظ أحلام الإمبراطورية العثمانية
د. أحمد يوسف: الضعف العربي فتح الباب أمام النفوذ الإيراني

يبدو أن العالم العربي بين فكي رحى، وهو يواجه أطماعاً فارسية تاريخية من جانب، وأحلام عثمانية قديمة جديدة من جانب آخر، متأرجحة بين الغرب، متمثلاً في حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والشرق المتمثل في ماضيها العتيق العريق الذي كانت فيه دولة الخلافة.
في الحوار التالي يتحدث الخبير الدكتور أحمد يوسف عن حلمي إيران وتركيا استعادة الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية.
* إلى أي مدى جاء الانقسام العربي الذي بلغ ذروته بعد اتفاقية كامب ديفيد، سبباً ومناسبة لتنامي الحلم الإمبراطوري الإيراني، وتمدد دورها الإقليمي؟
الحديث عن حلم إمبراطوري، سواء بالنسبة لإيران أو تركيا، يستند إلى وقائع تاريخية محددة، فإيران دولة قديمة في المنطقة، ووجودها وازدهارها سابق على وجودها في ظل الدولة الإسلامية، وبالتالي عندما يتحدثون عن إمبراطورية، فهذا الادعاء له سند تاريخي. وشاه إيران تبنى الحلم الفارسي، لكن كانت تواجهه معضلتان: الأولى أنه اصطدم اصطداماً أساسياً بالقومية العربية في مرحلة ازدهارها في الخمسينات، حتى هزيمة يونيو، ولم يكن ممكناً لشاه إيران أن يتمدد سياسياً في الوطن العربي، بينما هو يمثل مشروعاً يكاد يكون رديفاً للمشروع الاستعماري، أو مرتبطاً بالمشروع الاستعماري، الحلم الإمبراطوري فى عهد الشاه كان محكوماً عليه بالتناقض الصارخ في ظل القومية التي دعمت بزعامة عبد الناصر حركة المعارضة ضد الشاه، بمن فيها الإمام الخميني، لكن نجاح الثورة الإسلامية 1979 أوجد ظروفاً جديدة أولها في ذلك الوقت انتكاس الحركة القومية العربية في نهاية السبعينات إلى حد بعيد، واعتراض العرب على خطوة السلام المصري «الإسرائيلي»، وفي هذا الوقت أبرزت الثورة الإسلامية عداء شديدا ل«إسرائيل» وبالتالي بدا طبيعياً وكأن الثورة الإسلامية تقدم بديلاً للفراغ الذي حدث بعد السلام المصري «الإسرائيلي»، خصوصاً أن الدول العربية لم تنجح في توفير بديل موضوعي لسياسة السادات، فالاتفاق على الوحدة السورية العراقية الذي تم في أعقاب كامب ديفيد، لم يعمر إلا لشهور، وجبهة التصدي التي أعلنت أنها ستقوض سياسة السادات سرعان ما تفككت، بل إن الدول التي عارضت السادات عادت إلى قواعدها، فنجد السعودية تتقدم 1982 بمبادرة فاس لعمل تسوية مع ««إسرائيل»»، لكن ما يثير الانتباه أن الدور المصري كان مؤثراً حتى في لحظات الضعف، فمصر بأحد المعايير هي التي جرّت العرب إلى سياسة التسوية مع «إسرائيل»، فبدا أن الثورة الإيرانية بما تقدمه من شعارات معادية ل«إسرائيل» ومنادية بالحقوق الفلسطينية، تقدم بديلاً سياسياً للعجز العربي السائد آنذاك، وتدعم هذا مع قدرة النظام الإيراني الذي استغل الظروف، ليوجد له موطئ قدم في العالم العربي، فتحالف مع النظام السوري لدرجة دفعت دمشق إلى تأييد إيران في حربها مع العراق، واستغلت إيران الغزو «الإسرائيلي» للبنان 1982 لتشجيع إنشاء حركة مقاومة شعبية في لبنان، وهي حركة وطنية عامة تضمّ عناصر من غير الشيعة، وقد نجح حزب الله في الفترة التي تفرغ فيها لمقاومة ««إسرائيل»في تحقيق إنجازات تاريخية. ففي عام 2000 بعد 15 عاماً من نشأته، استطاع أن يجبر «إسرائيل» على الانسحاب من الشريط الجنوبي الحدودي دون مفاوضات أو تنازلات، واستطاع لاحقاً رد عدوان 2006 وأن يصمد ويقاوم ويمنع الكيان من تحقيق أي منفعة، سوى تدمير البنية التحتية للبنان.
بعد ذلك تكفل السلوك العراقي غير الرشيد بغزو الكويت، بإضعاف العراق الذي كان حائط الصد أمام النفوذ الإيراني، كما اتضح في الحرب العراقية الإيرانية التي دامت 8 سنوات، ثم جاءت الطامة الكبرى بالغزو الأمريكي للعراق 2003 الذي أوجد تركيبة سياسية في العراق فككت أوصاله وسمحت بأن تكون غيران صاحبة النفوذ الأول فى العراق. فأصبحت لدينا 3 دول عربية هى سوريا والعراق ودمشق لإيران حضور طاغ فيها إلى جانب لبنان.
وجاء صعود الحوثيين فى اليمن من سبتمبر 2014 باستيلائهم على العاصمة صنعاء، مستفيدين من تواطؤ الرئيس اليمني علي عبد الله صالح معهم، والمعروف مدى نفوذه على الجيش اليمني، لكن الذكاء قد خان إيران في دعمها لليمن، لأنها أكثر تعقيداً من أي حالة أخرى، فملاصقة اليمن لدول الخليج جعل للهيمنة الإيرانية عليها دلالات أكثر خطورة من نفوذها في العراق وسوريا على الأقل بالنسبة لدول الخليج.
* القوى الاستعمارية التقليدية في القرن التاسع عشر أيقنت أن الاحتلال العسكري لم يعد هو الخيار الرابح، وأن عليها اللجوء إلى الاحتلال الثقافي، ألا ينطبق ذلك على الأطماع الفارسية التوسعية؟
بالقطع الحلم الإمبراطوري حالياً ليس جغرافياً، بل هو حلم سياسي، فإيران لا تريد أن تحكم العالم العربي مباشرة، بل تريد أن تمارس نفوذها في المنطقة، بما يخدم مصالحها وأن تسيطر على صنع القرار في دول المنطقة. حزب الله له فيتو على السياسة اللبنانية، وإن كان لا يقرر بمفرده، وفي العراق قد تتطور الأمور إلى ظهور تحالف سني شيعي يجمع سنة العراق مع شيعة العرب الذين يرفضون الهيمنة الإيرانية، فالمرجعية الشيعية في العراق من أشد المعترضين على تصريحات مستشار الرئيس الإيراني حين قال إن الإمبراطورية الإيرانية الآن عاصمتها بغداد، وأكدت المرجعية الشيعية العراقية أنهم يقدرون دعم الإخوة الإيرانيين، لكنهم فى الوقت نفسه حريصون على استقلال بلادهم.
* ما تصور طهران لمصر في إطار رغبتها في مدّ نفوذها على المنطقة؟
مصر بالتأكيد هدف من أهداف المشروع الإيراني الإقليمي للمنطقة، وليس أدل على ذلك من وجد قوة تابعة لإيران تحاول فرض السيطرة على حدودنا البحرية الجنوبية في باب المندب، العامل الجغرافي قطعاً يجعل دول الخليج أقرب للذراع الإيرانية. ثانياً إن مصر وإن كان فيها تكوينات شيعية فليس فيها نزعة طائفية.
* الحلم العثماني هو المنافس للحلم الفارسي في المنطقة.. كيف تراه؟
كما هي الحال في الحلم الفارسي يستند الحلم التركي إلى أسانيد تاريخية والحلم التركي في هذا الصدد أقوى، لأن الدولة العثمانية حكمت الأغلبية العظمى من المنطقة، منذ منتصف القرن السادس عشر وحتى أوائل القرن العشرين، أي نحو 300 عام. وكما حدث مع إيران الشاه فإن تركيا اصطدمت بالحركة القومية العربية بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبحت تركيا جزءاً من التحالف الغربي بمقتضى اعترافها ب«إسرائيل» وانضمامها للحلف الأطلسي، الحملة الأتاتوركية جعلت تركيا دولة علمانية، وحرمتها من أي صلة بالإسلام. ومع بداية الحكم الحالي في تركيا تبنت عدداً من السياسات التي قربتها من دول عربية عدّة، على رأسها سوريا، ورئيس الوزراء التركي الحالي تبنى سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار ونجح في ذلك.
* هل هذا الاتجاه نحو العرب ظهر بعد فشلها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ؟
لا يمكن فصل الاتجاه التركي نحو المنطقة العربية عن فشلها في الانضمام للاتحاد الأوروبي، وهي لن تنجح أبداً في انضمامها للاتحاد، لأن تركيا شاءت أم أبت مجتمع إسلامي، وعلى رأسها نظام حكم إسلامي، وهي تؤيد الإخوان المسلمين، ومن الوارد أن يصبح التوجه الإسلامي فى تركيا متطرفاً، كما أن تركيا تعاني كثيراً من المشكلة الكردية، والاتحاد الأوروبي لديه ما يكفيه من المشكلات، ولا يريد المزيد داخل صفوفه.
وتركيا لو اختارت ما بين الحلم العربي والأوروبي لاختارت الأخير، وأتصور أن الفكر الإستراتيجي التركي في ضوء التطورات التي ظهرت مبكراً في تونس ومصر، رأت أن الإسلاميين هم الطريق، وأنهم سيكونون الحاكمين، فاندفعت لتأييد حركة الإخوان المسلين أو التيار الإسلامي.
* نحن أمام حلمين، الأول يتوغل على أساس مذهبي والثاني يتسلل على أساس ديني.. أيهما أخطر؟
الحقيقة وبسهولة أستطيع القول إن الحلم الإيراني أكثر خطورة، لأنه قد يفتت الجسد طائفياً، ولكن الإمعان في الحلم التركي قد يجعلنا نقول إنه يؤدي إلى النتيجة نفسها، ففرض النفوذ واحد في الحالين. الإخوان المسلمون يلاقون معارضة شديدة، لكن تركيا إذا ألقت بثقلها وراءهم، قد تؤجّج الصراع بين القوى الدينية والمدنية في المنطقة، وهناك صراع بين القوميتين الفارسية والعربية، وتحالفنا مع تركيا ضد المدّ الفارسي هو كالمستجير من الرمضاء بالنار، لا بدّ من وجود مشروع قومي عربي، وهذا من الصعوبة في ظل التشرذم والتفكك، وبالتالي أعوّل على دور مصر، بحكم تكوينها التاريخي وتماسكها المجتمعي، ورؤيتها السياسية المتوازنة القادرة على ردّ أي تعد.
لكن في الوقت نفسه لا بدّ من الاعتراف بأن مصر تمرّ بمرحلة شديدة الصعوبة، فهي مازالت تواجه خطر الإرهاب وتعثراً اقتصادياً. لكن مصر عليها النجاح في تحقيق نهضة اقتصادية فهي في تقديري القوة الوحيدة القادرة على التصدي للأطماع الفارسية في المنطقة، بشرط التحالف مع من يشاطرنا تلك الرؤية.
رئيس تحرير «مختارات إيرانية»: إيران براغماتية تحكمها المصلحة لا الأيديولوجيا

ظلت القومية الفارسية بمفرداتها وهويتها التاريخية ثابتة لم تتزحزح، حتى مع وجود بلاد فارس تحت مظلة الحكم الإسلامي، وحرص المؤرخون الفرس في القرن الثالث الهجري على إحياء اللغة الفارسية رمزاً للهوية.. وقد طرحت قضية العنصر والجنس، منذ عهد رضا شاه بهلوي مطلع القرن العشرين، وقد أطلقوا على ابنه محمد لقب «آريا مهر» أي حبيب الآريين أو شمس الآريين، وقيل إن المستشارين الإنجليز هم من أشاروا على رضا شاه بعد توليه عرش إيران، باتخاذ لقب بهلوي بمعنى ملكي أو إمبراطوري، لاستدعاء ذلك التاريخ القديم لبلاد فارس، وللإيحاء بأن رضا شاه وريث الحكام الفرس القدامى. وكان العصر البهلوي قد منح الأولوية لفكرة الجنس الإيراني على حساب الدين.
د. محمد عباس ناجي، رئيس تحرير «مختارات إيرانية»، الصادرة عن مركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» بدوره يؤكد استمرارية الحلم الفارسي عبر العصور، وإن ارتدى أثواباً مختلفة. هذا ما قاله عندما سألته:
* هل حدث انقطاع للحلم الفارسي بعد سقوط حكم الشاه ومولد الجمهورية الإسلامية؟
من الواضح أن هناك محاولة لاستعادة الإرث الإمبراطوري لإيران، وهذا التوجه لم ينقطع حتى بعد الثورة الإسلامية، كل ما حدث هو تغير الأدوات لا السياسات. وعلى العكس نستطيع القول إن الثورة الإسلامية التي تحدثت عن حقوق عالمية للإسلام ونصرة للمستضعفين في العالم، هي إعلان عن عدم التقيد بحدود إيران الجغرافية. وإذا كان نظام الشاه قد تحدث عن القوة العسكرية والتحالف مع الولايات المتحدة و«إسرائيل» وسياسة الرئيس الأمريكي نيكسون تستند إلى حليفتين أساسيتين للولايات المتحدة في المنطقة هما «إسرائيل» والسعودية، فبعد اندلاع الثورة الإسلامية 1979 لم تعد قوة إيران تنحصر في الناحية العسكرية، بل تجاوزتها إلى التدخل في شؤون الدول الأخرى، من خلال فكرة تصدير الثورة، فالحلم الإمبراطوري القائم، وهو ما عبر عنه أخيراً مستشار الرئيس الإيراني للشؤون الدينية والأقليات علي يونسي، بأن إيران إمبراطورية عاصمتها بغداد، كما تحدث النائب البرلماني أسدي عن سيطرة إيران على 4 عواصم عربية، هي بغداد وبيروت وصنعاء ودمشق. وجاء التصريح الثالث لمساعد وزير الخارجية الإيراني بأن إيران تعيش على 30% من حدودها التاريخية؛ هذه التصريحات تعني أن إيران الآن تمارس دوراً كبيراً قوةً إقليميةً عظمى في المنطقة.
* إلى أي مدى يصبّ حرص إيران على المشروع النووي في مصلحة حلمها الإمبراطوري؟ وإلى أي حد استفادت من الاتفاق النووي الأخير؟
الاتفاق النووي كسبت طهران منه الكثير فقد احتفظت ببرنامجها النووي فلم تفك بزالاً واحداً منه، وكل ما حدث هو تخفيض أجهزة الطرد المركزي إلى الثلث وتخفيض مستوى التخصيب، وكل ما حدث أنه سيؤجل الفترة الزمنية التي تحتاجها إيران لإنتاج القنبلة النووية من 3 شهور إلى سنة. ولكن إيران ستنتهز الفرصة لتطوير أجهزة الطرد المركزي بعد انتهاء فترة القيود وترفع مستوى التخصيب. وكل فيلم المفاوضات لا يعنى سوى أن الغرب اعترف بإيران قوةً نوويةً كبيرةً، وهذا بالقطع سيدعم حضورها الإقليمي، إضافة إلى أنها تحاول ترجمة حضورها المعنوي إلى جغرافي، فمعظم المشكلات في صنعاء ودمشق، لن تحل بدون وجود إيران.
وعندما يتحدث هولاند عن الفراغ الرئاسي في لبنان مؤكداً أن طهران السبب، هذا يعني الوجود المادي المتعاظم لإيران في لبنان، عدا وجودها العسكري في سوريا من خلال الحرس الثوري أو حلفاء إيران، وهناك حزب الله في لبنان ودعم إيران لحماس والحوثيين.
* ما شكل علاقات طهران حالياً بدول الجوار التي كانت جزءاً من إمبراطوريتها التاريخية؟
النفسية الإيرانية تعيش دائماً القلق والخوف من المؤامرات، وترى أن تلك المؤامرات هي التي قلصت من حدودها التاريخية، ولديها دوما إحساس بالخطر. ومنذ أوقعت أمريكا بصدام حسين، بدأت إيران تتحرك بقوة. نفسية الشيعي لديه الشعور بالاضطهاد والظلم، ولأن السياسة الإيرانية تتسم بالبراغماتية، فإنها تفكر بعقلية الدولة وتدعم الشيعة، لأن هذا من مصلحتها، لكن إذا كان التقرب الشيعي سيضرّ بمصالحها، فإنها تغض البصر عنه، كما حدث في نزاع إقليم كارا باراخ بين أرمينيا وأذربيجان، فنجد إيران تدعم أرمينيا وتخرج التظاهرات أمام السفارة التركية من أجل مذابح الأرمن، وهنا إيران ناصرت أرمينيا المسيحية ضد أذربيجان وهي دولة معظمها من الشيعة. إذاً إيران تعطي الأولوية للمصالح قبل المذهب.
وحالياً توجد مشكلات أمنية مع باكستان، فمعظم الأقليات الإيرانية موجودة على حدودها مع الدول الأخرى، وهذه ثغرة أمنية، فالأقلية البلوشية موجودة على حدود إيران وأفغانستان وباكستان، وهي أقلية سنية تشعر بالاضطهاد والتمييز وتنفذ عمليات إرهابية داخل الدولة، وهناك الأكراد على حدودها مع تركيا والعراق، والعرب على حدودها مع دول الخليج.
وهناك تمييز عرقي ضد العرب ويسكنون مناطق تعاني نقص الخدمات، وقليلاً ما نرى من الأحواز العرب مسؤولاً في الدولة، لذا فإن أكبر تحد يواجه الدولة الإيرانية هو تماسكها الاجتماعي، بسبب مشكلات الأقليات.
* السؤال الذي يفرض نفسه، الحلم الفارسي الإمبراطوري جغرافي أم سياسي واقتصادي؟
من الصعب أن يشهد المستقبل محاولات احتلال عسكري، فالهيمنة تحولت في العالم أجمع من الأسلوب الخشن للأسلوب الناعم، أو بإيجاد حلفاء داخل الدولة يستعاض بهم عن احتلال الأرض، فيكون امتلاك القرار هو البديل، فإذا كانت إيران هي التي تحدد وجود رئيس من عدمه في لبنان، فما حاجتها إلى امتلاك الأرض، وفي الوقت نفسه لها قرار في فلسطين والعراق وسوريا.
ولولا وجود إيران إلى جانب الأسد لسقط. كما أن لإيران مراكز ثقافية في السودان. من جانب آخر إيران لا تحب المواجهة العسكرية، فهي تتخانق معها، لكنها تستعيض عن مواجهتها بحزب الله. هي لا تهاجم الأمريكان وإنما تهاجم حلفاءهم. وفى اليمن أطلقت العديد والعديد من التصريحات القوية، لكنها لم تتدخل في مواجهة على الأرض، رغم أن الشيعة يقتلون في اليمن، وهذا يثبت أنها دولة تسعى لمصالحها.

الصباغ: الفرس تعمدوا إحياء لغتهم القومية للتمرد على الخلافة الإسلامية
خطة عشرينية تطبقها طهران منذ 2005 لتحقيق حلمها

تبقى حقيقتان مهمتان عندما نتناول الملف الإيراني تتمثلان في وجود حالة اعتزاز شديدة بالهوية القومية وحالة وفاق تاريخي مع اليهود الذين يعيشون على أرض إيران منذ القرن الخامس قبل الميلاد، حيث تشير الروايات التوراتية إلى أن إستير اليهودية الإيرانية قامت بإقناع الملك الإخميني خشايارشاه، بعدم تنفيذ مجزرة ضد اليهود، لذا فإن ضريح إستر وعمها مردخاي بهمدان، يعد ثاني أهم مزار مقدس لليهود في العالم بعد حائط المبكى (حائط البراق).
وفي عهد إيران الشاه كان هناك تعاون وثيق بين طهران وتل أبيب والموساد والسافاك الإيراني (جهاز المخابرات أسسه الشاه محمد رضاشاه 1956 بمساعدة «إسرائيل» وأمريكا)ربما تغير الأمر بعد الثورة الإسلامية قليلاً، حيث انخفض عدد يهود إيران من 100 ألف نسمة إلى نحو 25 ألف يقطنون طهران وهمدان وأصفهان، لكن تبقى حقيقة وجود علاقات بين «إسرائيل» وإيران.
د.سعيد الصباغ الخبير في الشؤون الإيرانية والعلاقات المصرية الإيرانية وله العديد من الدراسات في هذا الصدد والأستاذ حالياً في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، يفتح معنا أوراقه لنقترب أكثر من حقائق السياسة والجغرافيا والتاريخ التي تحكم السياسات والعلاقات الإيرانية.
* إيران دولة ذات تاريخ عريق ومؤثر، وقد امتد هذا التأثير في امتداد الجغرافيا المكونة لبلاد فارس والجغرافية المحيطة بها في جميع الاتجاهات.
وقد تنوع هذا التأثير بتنوع إسهامها في بناء الحضارة الإسلامية، وعندما نقول بلاد فارس فنعني هذا التوصيف الذي جمع الفرس والأفغان، وطالما كانت بلاد فارس مصدراً للفكر والثقافة والعلم الذي أسس للأطر الفقهية والشرعية للإسلام، وأسهمت في الذود عنه، وناضل الأفغان في نشر الإسلام في شبه الجزيرة الهندية.
ومن ناحية أخرى، جسدت بلاد فارس معنى التمرد على الخلافة الإسلامية بظهور القومية الفارسية وتأسيسها أول دولة تتمرد على الخلافة وتعتمد إحياء اللغة الفارسية مرة أخرى لغة رسمية لها بوصفها رمزاً لإحياء حضارة فارسية طمسها العرب، كما مثلت أيضاً مصدراً من مصادر تهديد العقيدة السمحاء.
كما مثلت منطقة فارس - ذات الطبيعة الجبلية الوعرة - ملجأ لكل خارج على الأطر العامة التي حكمت الدولة الإسلامية، سواء كانت أطراً سياسية أم فكرية أم مذهبية، ومن ثم تكونت عوامل تاريخية وأطر ثقافية وعقدية ساعدت على احتفاظ إيران بخصوصية الاستقلال عن الإطار العام للمسلمين.
ومن ناحية أخرى، فإن عمق إيمان الشخصية الإيرانية بمجدها التاريخي الذي زال على يد - أعراب أجلاف - كما تراهم، أصل لديها مفهوم الازدراء التاريخي لكل ما هو عربي، حتى يمكنني القول إن المذهب الشيعي ذا الطابع الإيراني ما هو إلا قراءة فارسية وقومية للإسلام تستدعي مؤثرات الزرادشتية من حتمية وجود إله للخير وآخر للشر وضرورة ظهور «سوشيانت» بوصفه مخلص آخر الزمان فتبلورت ثنائية الرسالة بين «محمد» الذي تلقى الوحي و«على» الذي بلغ الرسالة انتهاء بظهور المهدي المنتظر الذي اختفى منذ ألف عام ويقوم بإرساء العدل ويقضي على الظلم والجور هذا من ناحية.
ومن جهة أخرى، تتجسد فكرة الخير في اتباع القراءة الإيرانية للإسلام وفكرة الشر في اتباع القراءة العربية له، وهكذا يمكننا أن نعتبر القراءة الإيرانية لهذا المذهب أحد أوجه إحياء القومية الفارسية.
* إذاً نحن أمام حالة هوية فارسية متميزة منذ فجر التاريخ، واستخدام سلاح التشيع كوسيلة ناعمة لتحقيق المد الإمبراطوري؟
- هناك مئات الشواهد على مدى ازدراء الفرس لكل ما هو عربي، ولعلي أجزم أن المذهب الشيعي إحدى ركائز الحض على الكراهية.
ولا تمر مناسبة إلا وتتجسد هذه الكراهية تجاه كل العرب، والأهم هو أسس وقواعد توظيف هذه الكراهية بوشاح ديني مقيت.
* صحوة الحلم الفارسي الإمبراطوري التوسعي متى يمكننا تأصيلها تاريخياً؟
- لقد ظهرت بوادر الإحياء القومى مع قيام الدولة البهلوية 1925، حيث كانت هناك محاولة لإعادة الثقة في المكون الفارسي للقومية الإيرانية كرد فعل على الهزائم التي ألحقتها روسيا وبريطانيا.
أما الإحياء القومي الذي ظهرت مكوناته عشية الثورة الإيرانية 1979 فكان يمثل أعظم إحياء شيعي منذ تأسيس الدولة الصفوية 1501 على يد إسماعيل الصفوي، وهنا يتعين علينا أن نذكر أن هذا الإحياء الشيعي جاء في إطار المساحة التي ابتكرتها الولايات المتحدة لاستكمال الحزام الإسلامي جنوب الاتحاد السوفييتي رداً على غزو موسكو لأفغانستان السنية التي تعتبر صرة العالم.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن المساحة الأيديولوجية في المنطقة العربية كانت تعاني فراغاً قاسياً بعد إفشال المشروع العروبي المصري بوصفه البوتقة الفكرية التي حاولت بلورة ملامح واضحة للأمة العربية، وبالتالي أصبحت البيئة الدولية والإقليمية تمثل مناخاً مواتياً للتمدد الإيراني بعباءة مذهبية.
واتسعت رقعة الأمل في استعادة الأمجاد الإيرانية القديمة على المستوى النظري وتحقيق دور سياسي بارز على المستوى التطبيقي إننا إذا أردنا التبصر في السلوك الإيراني التوسعي، لوجدنا أن الجهاز الدعائي يستند إلى استدعاء مفاهيم المظلومية التاريخية وآليات القصاص ممن ظلم بعبارة أخرى، فالحلم الإمبراطوري القومي الإيراني يتصف بالإصرار على الاستمرار، لكن مع اختلاف الآليات والأساليب، فالحلم القومى الإيراني واحد لم يتغير، سواء كان زعيمه معتمرا لتاج قورش أم عمامة آل البيت.
* هل هناك تأصيل فكري ونظري وضعه إيرانيون حول سبل استعادة هذا الحلم الإيراني وتحقيقه؟
- هناك مئات الدراسات التي قدمتها مراكز البحث العلمي التي تضطلع بهذا، وهي التي استفادت منها الحكومة الإيرانية في التوسع الخارجي الناجح.
وهناك خطة عشرينية تطبقها إيران منذ 2005 لتطوير خريطة النفوذ الإيراني، سواء في نطاق دوائر الاهتمام أو في نطاق أحوزة نشر المذهب الشيعي كغطاء للتمدد السياسي والاقتصادي في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
وبسبب هذه الدراسات العلمية تمسك إيران بأوراق سياسية خطرة في أكثر مناطق العالم سخونة، حيث نجحت إيران في تكوين رابط سياسي فاعل بين شيعة العالم وأمسكت بكل خيوط التحكم فيها. ونجحت في تكوين جيوب شيعية في لبنان وباكستان واليمن وأفغانستان والعراق.
وأصبح قرار السياسة الداخلية والخارجية في هذه الدول يضع رؤية إيران فيه، وآخرها قرار باكستان الرافض للمشاركة في عاصفة الحزم، والمعارك العبثية التي خاضها حزب الله مع العدو «الإسرائيلي»، ولا ننس اختطاف العمل الوطني الفلسطيني وتمزيقه وتشتيت أهدافه.
* هل نستطيع القول إن أزمات الأقليات داخل المجتمع الإيراني، والتي تتفجر شظاياها بين الحين والآخر وكان آخرها تظاهرات الأكراد، قد تهدد مشروعها التوسعي؟
- الآن نعم. لكن لا نحسن استخدام هذه الورقة على المستوى الدعائي، ونحن ينبغي ألاّ ندعو إلى تقسيم المجتمعات على خلفيات عرقية أو مذهبية، وإنما ندعو إلى تحقيق العدالة ورفع الظلم الذي وقع على العرب والأكراد والبلوش.
* اﻻتفاق النووي الأخير هل سيمنح إيران قوة نوعية على طريق تنفيذ حلمها؟ وما حقيقة التعاون الإيراني - «الإسرائيلي»؟
- الاتفاق النووي حولته الولايات المتحدة إلى أحد عوامل تكريس وجودها في المنطقة وتفردها بها ليظل بعيداً عن روسيا الناهضة والصين المتأهبة، وتبصري في التحركات الخليجية شرقاً منذ عام هو الذي عجل بالاتفاق النووي، ونصبت الولايات المتحدة القفص الذهبي لحليفتها طهران كجزء من المعادلة الأمريكية الجديدة في المنطقة.
ولا يمكن بحال أن نعتبر إيران معادية ل«إسرائيل» على أي مستوى، فبينهما علاقات تاريخية قديمة ربطتها القديسة إيستر بإنقاذها يهود السبي من براثن الفتك، وعززتها أوجه التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي بين إيران الشاه الذي اعترف ب«تل أبيب» 1960.
وأكدتها أيضاً وجوه التعاون العسكري على مدى ست سنوات بين طهران و«تل أبيب» في أثناء ذروة الحرب العراقية الإيرانية، وتبادل المعلومات المتقابل عن الأكراد من خلال الموساد وعن منظمات التحرير الفلسطينية من «السافاك» الإيراني، ثم الالتقاء في المصالح نحو هدف واحد هو تدمير العراق المعادي لهما معاً وتفتيت الجهود الفلسطينية، بل والمجتمعات العربية وتحويل الخلافات السياسية إلى صراع مذهبي وطائفي.
إن تفريغ المنطقة العربية من محتويات وقيم الوحدة والتماسك هدف واحد ل«إسرائيل» كما هو هدف لإيران. وتظل المساحة الجغرافية الفاصلة بين أقرب نقطة في إيران و«إسرائيل» عاملاً مطمئناً نسبياً إلى عدم الاصطدام العسكري المباشر بين فرقاء الظاهر حلفاء الباطن، وهكذا تحدث في المنطقة أنشطة محمومة على تحقيق الوضع الأقوى على طاولة تقسيم النفوذ والثروة.

الفرس أسهموا فى إثراء الفن الإسلامي بالخط والتصوير
رغم تأخر الفرس في التحول إلى الإسلام وحرصهم على هويتهم القومية ولسانهم، فإن هذا لم يمنعهم من الانغماس في إثراء الفن الإسلامي بقوة خصوصا في مجالي الخط والتصوير، فابتكر الفرس لوناً خاصاً من الخط «التعليق» زينوا به المخطوطات والمساجد وأبدعوا في فن التصوير، وتركت المدارس الفارسية المختلفة المغولية والتيمورية بصمات واضحة فيما وضعوه من مخطوطات.
تعد المخطوطات الفارسية الموجودة بدار الكتب المصرية مؤشراً على براعة الفن الفارسي في فن الزخرفة والمنمنمات أو التزاويق، التي تطورت على يد فنانين أغلبهم من أصول فارسية وأشهرهم «بهزاد» الذي رسم الكثير من الكتب أشهرها ملحمة «الشاهنامة» للفردوسي وتعكس المخطوطات الفارسية تطور المدارس الفنية من القرن ال 14 حتى القرن ال 19، حيث تم إنتاج تلك المجموعة في مراكز الفن والمراسم الشهيرة المنتشرة في الأقاليم الجغرافية كآسيا الصغرى ووسط آسيا وفارس والهند.
ورغم أهمية المخطوطات الفارسية في مجملها، فإن «الشاهنامة» تظل عروس تلك المخطوطات، التي هي سجل تاريخ الفرس وأساطيرهم ونشوء الحضارة الإيرانية وتطورها وملوك الفرس وأبطالهم وما ربط بينهم وبين الأمم المجاورة من عداء ومودة وحرب وسلم. فالشاهنامة تطوى بين صفحاتها 3874 سنة.
ثم تتوقف عند الفتح الإسلامي، وهي تعتبر درة الأدب الفارسي ومن أهم الملاحم الشعرية، حتى إن البعض يحلو له تشبيهها بالإلياذة والأوديسا ويطلقون على الفردوسي صاحب الشاهنامة لقب «هوميروس إيران» بل إن ابن الأثير أطلق عليها «قرآن فارسي». وعاش الفردوسى في عصر كانت تتلاقى فيه وتتعارض تيارات فكرية مختلفة على رأسها تياران رئيسيان أولهما كان يرى ضرورة الحفاظ على القيم الإسلامية ،وآخر كان يرى ضرورة إحياء التراث الفارسي بما لا يتعارض مع الإسلام. ولا شك في أن الفردوسي تأثر بالمناخ السائد، واستقى منه فكره فنشأ ملماً بالثقافة الفارسية، متبحراً في الأدب العربي.
ومن أهم المخطوطات المصورة التي تقتنيها دار الكتب أيضا نسخة من كتاب «بوستان سعدى» التي نظمها الشاعر مشرف الدين بن مصلح الدين السعدي الشيرازي، وهو ثاني أهم الشعراء في بلاد فارس بعد الفردوسي وطوال رحلاته في الحجاز والشام والمغرب، عاش سائحا وصاحب تجار التوابل والبضائع المختلفة وزوار الأماكن المقدسة، ولازم الملوك، وتعرف بالأخبار والقصص والحكايات، ووضع رسالته التي تعتبر منظومة في الأخلاق والتربية والمواعظ.
كما توجد ضمن مجموعة المخطوطات الفارسية نسخة من كتاب «كليلة ودمنة» تتخللها 112 منمنمة مرسومة بالألوان تعبر عما جاء بالكتاب من حكايات وعجائب، رسمها أبو المظفر بهر مشاه في القرن 12.
ويرجع تاريخ المخطوطة إلى القرن الثامن الهجري، والمعروف أن ابن المقفع قام بترجمتها إلى الفارسية من اللغة الهندية التي كتب بها الفيلسوف بيديا.
أما مخطوط «فرسنامة» فاسمه يدل على ما فيه فهو يحتوى على تسع مقالات في تربية الخيول وتمريضها والاعتناء بها، وقد كتب المخطوط عام 1199 وترجمه البيطار أبي بكر البدر، وحصلت دار الكتب عليه العام 1927 هدية من الملك الأفغاني أمان الله بمناسبة زيارته إلى مصر.
كما تضم مجموعة المخطوطات الفارسية مخطوط «الممالك والمسالك» ويعد مخطوطا جغرافيا مهما، وهناك مخطوط ترجمة عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، وكتبه عماد الدين القزوينى وترجمه برودس زادة، وهناك ديوان يوسف وزليحة وفيه قصة نبي الله يوسف مع زليخة امرأة عزيز مصر، وهى القصة التي وردت في القرآن الكريم وأثارت اهتمام كثير من الشعراء ولها مكانتها في التراث الصوفي تحديداً. والديوان وضعه عبد الرحمن الجامى وتحتفظ دار الكتب المصرية بعدة نسخ خطية مصورة نادرة منه.
واستنبط فن المنمنمات الإسلامي من روافد بيزنطية وساسانية ومانوية وصينية وتطور كثيراً على أيدي الفنانين الفرس ومنهم «بهزاد» علامة فارقة في تاريخ فن المنمنمات، إذ حقق ثورة فنية في لوحات الشاهنامة عندما قدمها بإيحاء فارسي تغلب للمرة الأولى على التأثير الصيني. ومن أجمل ما برع فيه الفرس أيضا صناعة السجاد وكان السجاد مفضل كهدايا للأصدقاء أو الملوك أو المساجد، ولذلك أهدى شاه طهماسب عشرين سجادة كبيرة وكثيراً من السجاد الصغير من الحرير والذهب إلى السلطان سليم الثاني عند ارتقائه عرش آل عثمان 1566.
وثمة معالم مميزة من التصميم حددت سجاد هذا العصر، وكأنها بستان، ففيها رسوم النباتات والأزهار، ومنظر الصيد والزهريات والرسوم المضلعة والمشجرة أو الرسوم النافرة أو البارزة، وحول هذه الأشكال الأساسية توجد الزخرفة العربية المتعرجة، مع أشرطة السحب المستمدة من الفن الصيني، ورموز ذات معان سرية لدى مبتكرها، وحيوانات تمثل نمط الحياة، ونباتات وزهور تعطى أريجاً ممثلاً في خيوط، وطابعاً بهيجاً، وسرى في هذا الكل المعقد منطق فني، أو تناغم طباقي في الخيوط أدق من موسيقى بالسترينا (ملحق موسيقى دينية في إيطاليا في القرن السادس عشر) وأجمل من شعر جوديفا.
وكان للفرس دور رائع في مجال الخط العربي فقد ابتدعوا خط التعليق الذي ما زال حاضراً وبقوة في كل مسابقات الخط العالمية، كما كان فن التذهيب لفترات زمنية طويلة مزدهراً في بخارى وهراة وشيراز وتبريز.
ويضم متحف الفنون الجميلة في بوسطن مخطوطة رائعة لشاهنامة الفردوسي، بإمضاء عراجي محمد القوام الشيرازى (1552)، وفي متحف كليفلند نسخة أخرى من عمل مشهدي الكاتب (1538)، ويضم متحف المتروبوليتان للفن نيويورك نموذجاً من أروع نماذج التذهيب والخط في تبريز، وهى صحيفة العنوان في مخطوطة «المنظومات الخمس» لنظامي (1525). وانتقل مركز التذهيب الإسلامي إلى تبريز حين اختارها بهزاد مقراً له (1510).
وفي أثناء معركة جالديران خبأ الشاه إسماعيل الصفوي المصور بهزاد، والخطاط محمود النيسابورى فى كهف، بوصفهما أثمن ما يمكن أن يقتنى . ورسم أقاميرك، تلميذ بهزاد، فى تبريز واحدة من أروع المنمنمات في هذا العصر، وهي صورة «تتويج خسرو وشيرين» (1539) وهى محفوظة الآن في المتحف البريطاني. وعلم ميرك بدوره الفن لتلميذه سلطان نور الذي ولد في أسرة غنية، ولكنه تجاهل حقيقة أن لديه من الوسائل ما يستطيع معها أن يكون لاهياً تافهاً، فأصبح «اللؤلؤة التي لا تقدر بثمن» في بلاط شاه طهماسب،لأنه فاق كل أهل زمانه في الخط والتذهيب، وفى تصميم أغلفة الكتب والسجاد.