ظل الطوسي لسنوات يقرأ ويدرس علماء اليونان الكبار أمثال طاليس وإقليدس وأرشميدس وعلماء الرياضيات المتأخرين في مكتبة الإسكندرية، وعكف على كتب الرياضيات العربية التي ألفها الفزاري وعمر الخيام والأبهري وجابر بن حيان والبيروني وابن الهيثم، أولئك الذين آل إليهم عرش الرياضيات، وورثوا حصاد الهندسة والجبر والحساب من الحضارات الهندية والمصرية والبابلية والآشورية والإغريقية والرومانية.
توقف الطوسي من هذا الموروث الضخم عند كتب بعينها، أعاد ترجمتها إلى العربية بأسلوب أدق وأوفى، وشرحها وعلق عليها، وأضاف إليها، وفي مقدمتها كتاب «الأصول» لإقليدس وهو يقع في 13 جزءاً، وهو كتاب في الهندسة المستوية، والجبر الهندسي، وهندسة الدائرة، والمضلعات المنتظمة، والحساب، والمتواليات الهندسية، والخطوط اللانسبية، والهندسة المجسمة، والأشكال الدورانية.
استفاد الطوسي من تراث طويل للعلماء العرب في الرياضيات، حيث كانوا أول من عرف الصفر ودوره في العمليات الحسابية المختلفة، ومن تطوير الجليل أبو العباس أحمد الأزدي المعروف بابن البنّاء الكسر الاعتيادي، واكتشاف أبوالحسن أحمد بن إبراهيم العشرية التي سهلت العمليات الحسابية، وتجميع الخوارزمي إسهامات الحضارات السابقة ليضع أسس علم الجبر، وألف كتابه الشهير «حساب الجبر والمقابلة»، وترجمة العالم ثابت بن قرة في وقت باكر «أصول الهندسة» لإقليدس، وإرساء أبوالكامل المصري قواعد حل المعادلات الجبرية الأكبر من الدرجة الثانية، لقد كانت الرياضيات العربية تشهد تراكماً واضحاً عبر جهود المبدعين التي انتهت إلى الطوسي لينبغ في المثلثات، ويجعل منها علماً مستقلاً بذاته في عصر ما أطلق عليه التدهور أو التراجع أو الانحطاط.
حياة صاخبة
ولد محمد بن محمد بن الحسن الطوسي في عام 597ه/1201م في خراسان، وتوفي في عام 672ه/1274م في بغداد، وبين الميلاد والرحيل عاش إلى جوار حياته العلمية، حياة أخرى صاخبة حيث هاجرت أسرته وهو صغير من طوس هرباً من المغول، ودخل بغداد ليقابل آخر خلفاء بني العباس، ودارت عدة حوارات بينه وبين الوزير الشهير في التاريخ ابن العلقمي، وعاش لفترة في قلعة «ألموت» درس فيها الفلك والرياضيات.
ووقع الطوسي في نكبة المثقفين العرب، والتي يبدو أنها تكرارية ومؤبدة حين عاش محنة تدمير بغداد، ومع ذلك تقرب من هولاكو واختار أن يكون منجماً له، ويورد سليمان فياض في كتابه عن الطوسي حواراً بين هذا الأخير وأحد أصدقائه حين سأله: لم اخترت أن تكون عالماً بالنجوم، ولم تحدث أيضاً عن علمك بالأديان، والفلسفة، والمنطق، والرياضيات، والطبيعيات، وعن كونك شاعراً، ولك العديد من الكتب العلمية، فرد عليه الطوسي قائلاً: يا صاحبي، نحن أبناء حضارة، ضعفت سياستهم، وتفرق ساستهم، وهؤلاء المغول رعاة لايزالون، قدموا إلينا من سهوب الرعاة، وليس لهم من العلم والحضارة سوى اليسير، والاشتغال بالتنجيم معهم، يجعلني قادراً على الاستفادة منهم للعلم والعلماء، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عنفوانهم وعنفهم وبطشهم، من الكتب والأرواح، ولابد للعالم البصير الخبير بالناس، من الحيلة والخداع مع هؤلاء المغول. وبالفعل استطاع الطوسي أن يعمل في مرصد مراغة مع المؤيد العرضي من دمشق والفخر المراغي من الموصل والفخر الخلاطي من تفليس، وفي هذا المرصد واصل أبحاثه الفلكية.
في المرصد تمكن الطوسي من إبداع طريقة رياضية عرفت في ما بعد بمزدوجة الطوسي، نقضت رؤية أرسطو للحركة، والذي كان يعتبرها إما دائرية أو خطية، حيث أثبت الطوسي أنه من الممكن أن تنتج حركة خطية من حركتين دائريتين، ووظف وجهة نظره الجديدة لحل إشكالية النظام البطلمي، ووجدت مزدوجة الطوسي طريقها إلى أوروبا لتصل إلى كوبرنيكس الذي اعتمد عليها في نظريته الشهيرة القائلة بمركزية الشمس، والتي غيرت علم الفلك جذرياً، وفي ذلك المرصد كانت هناك مكتبة ضخمة تضم 400 ألف كتاب، وصار المرصد واحداً من أبرز وأهم المراصد الفلكية في التاريخ بعد مرصدي الإغريق والرومان: برجس وبطليموس، ومراصد المأمون في بغداد، والبتاني على حدود الشام، والخازن في جبل سنجار، وبني الأعلم في بغداد، والمرصد الحاكمي في القاهرة.
تمكن الطوسي كذلك من وضع الجدول الأدق لحركة الكواكب واستغرق منه ذلك 12 عاماً، وفي كتابه «الزيج الأخليني» استطاع تحديد معدل الانحراف السنوي لكوكب الأرض، ووصف مجرة درب التبانة، وقال في كتابه «التذكرة» إنها تتكون من عدد هائل من النجوم الصغيرة المتقاربة والتي تبدو كرقع غيمية قريبة من لون الحليب، وهذا ما تم اكتشافه بعد ثلاثة قرون، ولأهمية إسهاماته في علم الفلك أطلق اسمه على فوهة في سطح القمر، وكذلك على كوكب اكتشفه عالم الفلك السوفييتي نيكولاي ستيبانوفيتش في عام 1979.
عاش الطوسي في القرن الثالث عشر الميلادي/السادس الهجري، وهو قرن ساده القلق والاضطراب، وتغيرت فيه خرائط الدول، وسقطت فيه الدولة العباسية، وهو القرن الذي بدأت فيه بوصلة العلم تنتقل من العالم الإسلامي إلى الغرب عبر الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية، ومع ذلك ظلت الثقافة العربية الإسلامية محتفظة بالكثير من الألق، حيث شهد ذلك القرن كذلك الكثير من الأعلام في علوم مختلفة مثل قطب الدين الشيرازي، العالم الفلكي، والجويني، وابن الأثير، والقزويني، وابن خلكان، وجلال الدين الرومي، وسعدي الشيرازي.. إلخ.
بلغت حياة الطوسي من العمر ثلاثاً وسبعين سنة، أنجز فيها مؤلفات وضعته بين ابن سينا والبيروني وابن الهيثم.. إلخ، حين جعل من المثلثات علماً، وقدم براهين جديدة في الهندسة، وحين تمكن من إيجاد مبادرة الاعتدالين، وحين انتقد كتاب «المجسطي» لبطليموس، واقترح نظاماً جديداً للكون مهد الطريق أمام كوبرنيكس، وكان أول من استعمل الحالات الست للمثلث قائم الزاوية، وأظهر براعة فائقة في قضايا هندسية تتعلق بالمتوازيات، وطرح فرضيات تختلف عن فرضيات سابقيه من الرياضيين، وكانت براهينه محل تقدير حتى من علماء العصر الحديث.
حضور دائم
يذكر سليمان فياض قائمة بالمراجع التي تناولت اسم الطوسي، وأوردت سيرته وإسهاماته العلمية، ففي الشرق كتب عنه عشرات المؤرخين ومؤلفي الموسوعات والفهارس الببليوجرافية والباحثين في تاريخ العلوم، من بينهم حاجي خليفة صاحب كتاب «كشاف الظنون»، وابن شاكر الكتبي مؤلف «فوات الوفيات»، وابن كثير صاحب «البداية والنهاية»، والمقريزي، وطاش كبرى، والزركلي، والبغدادي، وحتى قدري طوقان في كتبه: «الخالدون العرب»، و«العلوم عند العرب»، و«أثر العرب في تقدم العلوم»، وحكمت نجيب عبدالرحمن في كتابه «دراسات في تاريخ العلوم عند العرب».
وترجم كتاب «شكل القطاع» في الغرب إلى اللغات اللاتينية والفرنسية والإنجليزية، وبقى قروناً عديدة في أوروبا مصدراً للعلماء في المثلثات الكروية والمستوية، واعتمد ريجيو مونتانوس عليه عند وضعه لكتابه عن المثلثات، ونقل عنه بعض موضوعاته وبحوثه. وترجم المستشرق الفرنسي فاراداي فو فصولاً من كتاب الطوسي إلى الفرنسية، وكتب المستشرقان ثاتري ودراير عن الطوسي وبحوثه في الكرة السماوية ونظام الكواكب،
وعده بعض المستشرقين من علماء الحيل «الميكانيكا»، وقال عنه مؤرخ العلوم جورج سارتون: «إن الطوسي هو أعظم علماء الإسلام، ومن أكبر رياضييهم»، وقال المستشرق الألماني بروكلمان: «إن الطوسي هو أشهر علماء القرن السابع الهجري وأشهر مؤلفيه على الإطلاق».