مسقط - «الخليج»:
هناك المئات من عازفي العود أو الكمان أو غيرها من الآلات الموسيقية الشهيرة من الشباب، إلا أنك بالتأكيد لن تجد الكثيرين ممن احترفوا العزف على آلة القانون، تلك الآلة التي التصقت بالعازفين القدامى الذين أفنوا أعمارهم وهم يمررون أصابعهم على أوتارها وبقوا غالباً خارج دائرة الضوء، سامر سمير الخفاجي، العراقي المقيم في العاصمة العمانية كسر هذه القاعدة ليبرز كعازف منفرد على القانون وأصبح مع الأيام أحد العلامات الفارقة لسهرات فندق قصر البستان، عن حكايته مع القانون كان لنا هذا الحوار.
* عادة ما يختار الراغبون في تعلم الموسيقى آلات معروفة كالعود أو الكمان أو الغيتار، كيف اخترت أنت القانون، ما الذي جذبك إلى هذه الآلة القديمة بالتحديد؟- حكايتي مع القانون جاءت بمحض مصادفة، فعلى الرغم من مرافقتي الطويلة لعازف القانون الشهير سالم حسين الأمير خال والدي أيضاً، إلا أنني لم أنجذب يوماً لهذه الآلة العريقة، وعندما قررت تعلم الموسيقى وذهبت للتسجيل في معهد الدراسات الموسيقية، كنت راغباً في تعلم العزف على البيانو أو الكمان، إلا أن المصادفة لعبت دورها في تلك المرحلة، حيث اعتذر لي القائمون على المعهد لعدم توافر أماكن شاغرة في صفوف البيانو أو الكمان وعلي الانتظار عاماً آخر لمعاودة الكرة من جديد، كانت صدمة قاسية لي في تلك اللحظات، وبينما كنت أنتظر في غرفة الاستقبال وأفكر فيما سأفعله حينها، وصل إلى سمعي عزف شجي يسحر القلوب، لم أشعر بنفسي وأنا أستغرق تماماً في متابعة هذه الألحان المقبلة من إحدى الغرف الداخلية للمعهد، خلال دقائق فقط كنت حسمت أمري وتوجهت إلى الشخص المعني طالباً تسجيلي لدراسة العزف على هذه الآلة، أذكر أن الموظف سألني إن كنت ميزت الموسيقى التي سمعتها وهل أعرف ما الآلة التي تصدر هذه الألحان، كان جوابي حينها بالنفي، فلم أكن قد استوعبت أن تلك الموسيقى صادرة عن الآلة نفسها التي يعزف عليها خالي سالم يومياً من دون أن تلقى أي اهتمام مني، كانت مفاجأة بحق، إلا أنني لم أتردد ومن هنا بدأت حكايتي مع القانون التي تحولت منذ البدايات الأولى إلى شغف حقيقي وقصة حب مستمرة إلى يومنا هذا.
* ألم يستنكر المحيطون بك هذا الاختيار، عائلتك على سبيل المثال؟
- عائلتي استنكرت توجهي الموسيقي ككل، كان والدي ووالدتي يحلمون كأي عائلة بأن يروا ابنهم الوحيد طبيباً أو مهندساً مشهوراً، كان اختياري لدراسة الموسيقى كالصاعقة التي وقعت على رؤوسهم، إلا أن حبهم الكبير لي جعلهم يتجاوزون الألم ويقبلون اختياري للمستقبل الذي أرغب في السير في طريقه، خالي كان الوحيد الذي وقف إلى جانبي منذ البداية فهو العارف بأسرار الموسيقى والذي قضى عمره يعزف على القانون في فرقة ناظم الغزالي وهو العالم بكونها اللغة التي تصلك بالآخرين على اختلاف ثقافاتهم.
* عادة ما تظهر الموهبة الموسيقية منذ أيام الطفولة، هل هذه الحال معك أيضاً؟
- حبي للموسيقى ظهر منذ عمر الخمس سنوات إلا أنه لم يلق الاهتمام من عائلتي التي لم يتعد اهتمامها بهذا الفن حاجز الاستماع، في مرحلة الدراسة المتوسطة التقيت بخال والدي الموسيقي سالم الأمير وكانت تلك المناسبة التي أعادت هذا العشق الطفولي إلى الواجهة، لازمت خالي بعض الوقت لمساعدته في كتابة مقالاته عن الموسيقى نظراً لضعف نظره، كنت أستمع إليه وأكتب ما يقول على الورق، هذه المرحلة ساهمت في تأسيسي الموسيقي إلى حد بعيد، في تلك المرحلة عرفت الموسيقى وأسرارها، تلك المعلومات الغنية ساهمت في نضوجي الفني وساعدتني على حرق مراحل كثيرة في مسيرة العازفين.
* ما الذي يميز هذه الآلة الموسيقية بالتحديد؟
- يعتبر القانون إحدى أقوى الآلات الموسيقية الوترية، حيث إن تصميمه يسمح لك بالسيطرة الكاملة على أوتاره وأنت تضعه على قدميك، فضلاً عن تقسيم حجراته الكبيرة التي تساعد على تضخيم الصوت وتجعل من الموسيقى الصادرة عنه قادرة على شق طريقها وسط الأصوات الصادرة عن مختلف الآلات الموسيقية الأخرى، هذا إلى جانب ندرة عازفيه في العالم العربي مقارنة بالعازفين على الآلات الأكثر شهرة.
* اعتدنا رؤية عازف القانون كأحد أعضاء فرقة موسيقية متكاملة، كيف جعلت منه آلة صالحة للعزف المنفرد ؟
- هذا صحيح، فالقانون أحد الآلات الموسيقية الرئيسية في الفرق الشرقية، ولطالما شاهده الناس يعزف خلف أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش وناظم الغزالي وغيرهم من عمالقة الغناء في العالم العربي، إلا أنني استطعت ابتكار تقنية خاصة بالعزف على القانون ساعدتني على إنتاج ألحان قادرة على النفاذ إلى قلوب المستمعين من دون الاستعانة بآلة أخرى، هذه التقنية نبعت من عشقي السابق للبيانو وتعتمد على العزف على طرفي القانون بطريقة تكاملية، حيث أعزف الإيقاع باليد اليسرى واللحن الموسيقي باليد اليمنى، وهنا يبدو للمستمعين أن آلتين موسيقيتين تعزفان معاً، استغرق إتقاني لهذه التقنية وقتاً طويلاً ولكني ولله الحمد تمكنت منها بشكل جيد وأسعى إلى تعليمها للآخرين من أجل استمرارها وتطويرها للأفضل.
* تعزف حالياً في مطعم الخيران بفندق قصر البستان الشهير، لا يقبل كل الموسيقيين القيام بذلك، أي العزف أمام جمهور مشغول بطعامه، كيف تأقلمت مع الأمر، هل للجانب المادي تأثير في ذلك؟
- لم أعزف يوماً من أجل النقود، أعزف من أجل الموسيقى فقط، وعندما أعزف لا أشعر بما يدور حولي ولا أرى من هم الجالسون أمامي، هل يستمعون لي أم لا، لم يعنني هذا الموضوع في يوم من الأيام، وأنا على ثقة بأن الموسيقى الجيدة ستصل إلى أذن الشخص أياً كان ما يشغله، الألحان الجميلة ستعرف كيف تشق طريقها وتصل بسحرها إلى قلوب الناس، غالباً ما يأتيني الناس بعد انتهاء الحفل ليتعرفوا إلي ويسألوني عن القانون وكيف يمكنهم الحصول عليه أو تعلم عزفه وهذا دليل أن موسيقاه وصلت إليهم وفعلت فعلها في مشاعرهم.
مسيرة لن تتوقف
عن مسيرته مع آلة القانون يقول سامر الخفاجي ابن العراق الذي أنجب الكثير من عمالقة الموسيقى في العالم العربي: «حكايتي مع القانون مرت بمراحل مختلفة، فكوني عراقي فرض ذلك علي ككل أبناء هذا البلد دفع ضريبة انتمائنا إليه، فخلال مرحلة الحرب وقبل مغادرتي للعراق وقعت مرتين في أسر الجماعات المسلحة المتصارعة على الساحة العراقية وفي كل مرة كانوا يتهمونني بالكفر لعزفي الموسيقى التي لم تستطع عقولهم المغلقة استيعابها، أذكر في المرة الأولى حين أجبرني الخاطفون على تكسير آلة القانون الأولى التي امتلكتها في حياتي، كانت لحظات لا يمكن مغادرتها الذاكرة يوماً، بل لربما هي بالتحديد ما جعل من علاقتي بالقانون علاقة وجودية قادرة على تحدي سطوة الظلامية والخروج منها إلى النور، علاقة تصل بك لدرجة أن تدفع حياتك ثمناً لها وعن طيب خاطر، ومن هنا فمسيرتي مع القانون مستمرة إلى ما لا نهاية».