إعداد : محمد إسماعيل زاهر

تجمع الكثير من المصادر القديمة على أن الفارابي هو من اخترع آلة القانون الموسيقية، حيث ذكر ابن أبي أصيبعة في «طبقات الأطباء» أن الفارابي وصل في علم الموسيقى وعملها إلى غاياتها وإتقانها، يقول عنه: «لا مزيد عليه، ويذكر أنه صنع آلة غريبة يستمع منها إلى ألحان بديعة، تتحرك بها الانفعالات»، وأكد ذلك الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، وتقي الدين بن حجة الحموي في «ثمرات الأوراق»، والحنبلي في «شذرات الذهب»، وكلهم يعودون إلى كتابي الفارابي في الموسيقى: «صناعة علم الموسيقى»، و«الموسيقى الكبير»، حيث تحدث فيهما بوصف مسهب عن أوتار المعازف وكيفية تسويتها.

الفارابي الفيلسوف، عالم الفيزياء، الطبيب..الخ، المعلم الثاني، عشق الموسيقى، وقصة العشق هذه أكدها علماء غربيون أيضاً، ففي كتاب «تراث الإسلام» يقول المستشرق كارا دي فو: كتب الفارابي رسالة جليلة في الموسيقى، نجد فيها أول جرثومة لفكرة النسب، اللوغارتم، ومنها نعرف علاقة الرياضيات بالموسيقى، وتغزل زغريد هونكة على المعنى نفسه حين تقول: «إن اهتمام الفارابي بالموسيقى ومبادئ النغم والإيقاع قد قربه قاب قوسين أو أدنى من علم اللوغارتم الذي يكمن بصورة مصغرة في كتابه الموسيقى الكبير.

وهناك قصة أوردها ابن خلكان في «وفيات الأعيان» مصحوبة بفضاءات أخرى أحبها الفارابي وأتقنها على الوجه الأكمل، يقول ابن خلكان: «إن أبا نصر لما ورد على سيف الدولة وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع المعارف فأدخل عليه وهو بزي الأتراك، وكان ذلك زيه دائماً، فوقف، فقال له سيف الدولة: اقعد، فقال: حيث أنا أم حيث أنت فقال: حيث أنت، فتخطى رقاب الناس حتى انتهى إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه، وكان على رأس سيف الدولة مماليك، وله معهم لسان خاص يساريهم به قل أن يعرفه أحد، فقال لهم بذلك اللسان: إن هذا الشيخ قد أساء الأدب، وإني مسائله عن أشياء إن لم يوف بها فاخرقوا به، فقال له أبو نصر بذلك اللسان: أيها الأمير، أصبر فإن الأمور بعواقبها، فعجب سيف الدولة منه وقال له: أتحسن هذا اللسان فقال: نعم أحسن أكثر من سبعين لساناً، فعظم عنده. ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن، فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله، فصرفهم سيف الدولة وخلا به، فقال له: هل لك في أن تأكل فقال: لا، فقال: فهل تشرب فقال: لا، فقال: فهل تسمع فقال: نعم، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان، فحضر كل ماهر في هذه الصناعة بأنواع الملاهي، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا وعابه أبو نصر وقال له: أخطأت، فقال له سيف الدولة: وهل تحسن في هذه الصناعة شيئاً فقال: نعم، ثم أخرج من سوطه خريطة ففتحها وأخرج منها عيداناً وركبها، ثم لعب بها، فضحك منها كل من كان في المجلس، ثم فكها وركبها تركيباً آخر وضرب بها فبكي كل من في المجلس، ثم فكها وغير تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب، فتركهم نياماً وخرج. ويتابع ابن خلكان: «ويحكى أن الآلة المسماة القانون من وضعه، وهو أول من ركبها هذا التركيب، وكان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس».

شخصية فريدة

ربما يختزل ابن خلكان بقصته هذه، برغم المبالغة الواضحة فيها، عناصر شخصية الفارابي لو أراد أحدهم أن يرسم بورتريه يلخص فيه ملامح الفيلسوف الموسيقي، صاحب الثقافة الموسوعية، الذي يجيد الكثير من اللغات، ويؤمن بمكانة الفيلسوف حيث زاحم سيف الدولة، وهي رؤية مستمدة من جمهورية أفلاطون وآرائه هو نفسه في المدينة الفاضلة، فضلاً عن التقشف والزهد، والقدرة على الجدل، واعتزال الناس للتأمل حتى إنه لم يتزوج طوال حياته.

يُعرف ابن خلكان بالفارابي على النحو التالي: «أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي التركي الحكيم المشهور، صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما من العلوم، وهو أكبر فلاسفة المسلمين، ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنون الفلسفة. وكان رجلاً تركياً خرج من بلده، فاراب على أطراف بلاد فارس، وتنقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد، وهو يعرف اللسان التركي وعدة لغات غير العربي، فشرع في اللسان العربي فتعلمه وأتقنه غاية الإتقان، ثم اشتغل بعلوم الحكمة».
عاش الفارابي بين عامي 260ه/874م و393ه/950م، ووصل في الفلسفة إلى مكانة لم يصلها أحد قبله في العالمين العربي والإسلامي، حيث أطلق عليه «المعلم الثاني»، وعرف بمحاولاته في التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، وآرائه حول الفيض والتصوف الفلسفي.

نظر الفارابي إلى الموسيقى من خلال مجالين اثنين، فالمجال العام كان يعني عنده أن كل مجموعة من النغم رتبت ترتيباً محدداً منفردة أو مقترنة بالكلام، والمجال الثاني كان من حيث الصناعة تشتمل على الألحان والمبادئ التي بها تلتئم و بها تصير أكمل وأجود، ومن خلال هذا التعريف يمكننا أن نخلص إلى البواكير الأولى لتاريخ الموسيقى في رأيه، فهو يراعي في الموسيقى لوناً من ألوان الفطرة الإنسانية، يقول: «إن أوائل الفنون تكون مع الإنسان طبعا وفطرة غير أن الإنسان لا يحس مما فطر عليه إلا بعد إعمال النظر أو توجيه متخصص بالتنظير»، ورفض الفارابي فكرة صدور الموسيقى عن حركات النجوم، وهي فكرة نسبت إلى فيثاغورس حيث قال: «وما يعتقده فيثاغورس في الأفلاك والكواكب أنها تحدث بحركاتها نغماً تأليفية فذلك باطل».

قسم الفارابي الموسيقى إلى قسمين: «العملية» و«النظرية»، يقول عن الأخيرة في كتاب «الموسيقى الكبير» «هيئة تنطلق عالمة بالألحان ولواحقها من تصورات صادقة سابقة حاصلة في النفس»، أما غايات الموسيقى فتتلخص في: إكساب النفس لذة وراحة، و تنشيط المخيلة والانفعالات، ويقال إن الفارابي مارس فنون الغناء، فقد كان وهو صبي يضرب على العود ويغني وعندما كبر ترك الغناء إلا انه لم يترك الموسيقى، بل استمر على دراستها والضرب على الآلات الموسيقية المختلفة، ويزعم البعض أنه اخترع العود، إلا أن الثابت أن هذه الآلة الموسيقية تعود إلى زمن سابق على فيلسوفنا، ويذهب آخرون إلى أنه أضاف الوتر الخمس للعود، ويعتقد فريق آخر أن الفارابي وضع تصاميم ل 30 آلة موسيقية مختلفة.

كتب الفارابي 4 مؤلفات حول الموسيقى، هي: «كلام في الموسيقى»، «إحصاء الإيقاع»، «كتاب في النقلة» و«الموسيقى الكبير»، ضاعت الكتب الثلاثة الأولى ولم يبق إلا الكتاب الأخير الذي نشر وحقق في (1200) صفحة، وقد ترجم كتاب إلى العديد من اللغات الأوروبية، وله مخطوطات محفوظة في مكتبات ليدن ومدريد وميلانو واسطنبول وبرنستون.

مدن ومبادىء

اشتهر الفارابي أيضا بمدينته الفاضلة، وتتمثل آراؤه في أهل المدينة الفاضلة بأنهم من يبحثون عن السعادة التي يطلبها جميع الناس ولكن عن طريق العقل، ويقسم الكتاب إلى قسمين: قسم يبحث فيه الفارابي نظرية الوجود، والقسم الثاني خاص بآراء أهل الجماعة الفاضلة، وهناك أيضاً المدينة الجاهلة وهي عكس المدينة الفاضلة، يطلب أهلها السعادة الآتية من النفس الغضبية والشهوانية، والمدينة الفاسقة هي التي عرف أهلها المبادئ الصحيحة وتخيلوا السعادة على حقيقتها ولكن أفعالهم مناقضة لذلك، والمدينة المبدلة: أيضاً مضادة للمدينة الفاضلة ويكون السلوك فيها حسناً ثم يتبدل، والمدينة الضالة التي يعتقد أهلها في الله آراء فاسدة.

اهتم الفارابي بالترجمة عن الفلسفة اليونانية وشرحها و تقديمها إلى الثقافة العربية من خلال التحليل والتعليق والاختصار، وحيث يعترف ابن سينا لاحقاً بأنه قرأ كتاب أرسطو «ما بعد الطبيعة» أربعين مرة ولم يفك مغاليقه إلا بعد مطالعته لما ألفه الفارابي في الموضوع نفسه. آمن الفارابي بوحدة الحقيقة وهي التي كشف عنها أفلاطون وأرسطو وبرأيه أن كل الفلسفات التي تقدم منظومة معرفية ينبغي أن تحذو حذوهما، برغم التناقض الظاهر بينهما، ووضع كتاب «الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو».

تنوعت اهتمامات الفارابي، حيث أورده ابن أبي أصيبعة بين طبقات الأطباء، وتعددت مؤلفاته، فكتب في علم الفلك والهندسة والكيمياء، وفي كتابه «إحصاء العلوم» قسم العلوم إلى ثماني مجموعات، ثم ذكر فروع كل مجموعة، وموضوع كل فرع منها، وأغراضه، وفوائده.