مسقط «الخليج»:

تلقت اللجنة الوطنية العمانية لحقوق الإنسان، 34 بلاغاً خلال النصف الأول من العام الجاري، من بينها 18 حالة رصد، تمت متابعتها لاستيضاح خلفياتها وتسويتها، وأن العام الماضي شهد تسجيل بلاغات ذات صلة تم التعامل مع 47 منها، وتوجيه أصحابها ومقدميها إلى الجهات المعنية.

بلاغات العام الماضي تم تصنيفها إلى ثلاثة أصناف، الأول يتعلق بحقوق مدنية وسياسية، والثاني اقتصادية واجتماعية وثقافية، والثالث بيئية وتنموية، فقد تم تسجيل 23 بلاغاً متعلقاً بالحقوق المدنية والسياسية، كان أحدها متعلقاً بالحق في التقاضي والمحاكمة القانونية، و7 بلاغات تتعلق بأماكن الاحتجاز، و6 بلاغات بالحرية والأمان الشخصي، و5 بالحياة والسلامة الجسدية، و3 بالحق في الجنسية، وواحد بحق الاعتراف بالشخصية القانونية.
وبالنسبة إلى تلك المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فقد تلقت اللجنة 24 بلاغاً من بينها 6 بلاغات ذات صلة بالحق في السكن الملائم، و5 بالحق في الرعاية الصحية، و6 في العيش الكريم، و5 بالحق بالعمل، وبلاغين بالحق في التعليم، بينما لم تتلق اللجنة أي بلاغات تتعلق بالحقوق البيئية والتنموية.
وتقوم اللجنة بزيارات دورية لإدارة السجن المركزي في «سمائل» بمعدل زيارة واحدة كل شهر، كما أنها تتلقى خطابات وطلبات لزيارة السجن، حيث تلتقي بالسجناء للوقوف على مطالبهم ودراستها من الدائرة القانونية، ورغم اعتراف اللجنة بوجود «تصرفات فردية» من جانب البعض يمكن تصنيفها على أنها تجاوزات على حقوق الإنسان في السجن المركزي، إلا أنها حالات نادرة لا يمكن تعميمها من بينها التأخر في اصطحاب أحد المساجين إلى غرف العلاج «إذا ما طلب ذلك» ما قد يرجع إلى تجارب سابقة بينت أن بعض المساجين «يتصنعون المرض»، إلا أن اللجنة تطالب الجهات المعنية بتوفير الرعاية الصحية «متى ما طلب السجين ذلك»، كما أن هناك مشكلة أخرى تتعلق باحتياجات المساجين التي تأتي من خارج السجن، حيث تم منعها بسبب رصد إدارة السجن لمواد ممنوعة تخبأ داخل الفواكه والأطعمة، وتم حل هذه المسألة من خلال توفير بقالة أو متجر في داخل السجن.
وبالنسبة إلى مراكز التوقيف الأخرى، فقد انتهجت اللجنة منذ العام الماضي منهجاً لزيارة مراكز التوقيف المنتشرة في مختلف المحافظات والولايات، التي تتفاوت في التجهيزات، حيث بعضها بحاجة إلى إعادة نظر وتحسين وتطوير فيما يتعلق بالمبادئ النموذجية «الدنيا» لمعاملة النزلاء من حيث المساحة والمرافق المخصصة لضمان حق النزيل في مختلف السجون أو مراكز التوقيف، وتتجه سلطنة عمان حالياً إلى بناء مراكز توقيف جديدة، بدلاً من القديمة التي بنيت بعضها منذ سبعينات القرن الماضي.

ثلاث آليات

ثلاث آليات معنية بحماية وتعزيز حقوق الإنسان «محلية وإقليمية ودولية»، وأهمها المحلية التي تنقسم إلى ثلاثة أقسام كذلك: الآلية الحكومية، والوطنية المتمثلة في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، وجميعها مناط بها العمل بالتساوي، وليس قصر المسؤولية فقط في حدود اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، واعتبارها المعنية دون غيرها بحماية وصون تلك الحقوق.

الحكومة وتشريعاتها وقوانينها مساهمة في توفير وتطبيق كافة حقوق الإنسان، فوزارة التربية والتعليم هي المساهم الأول في توفير حق التعليم لكافة أفراد المجتمع وفق الإمكانيات المتاحة، كما أن وزارة الصحة متكفلة بتوفير حق الرعاية الصحية لجميع المواطنين، وكذلك غيرها من الجهات الحكومية الخدمية.

أما بالنسبة إلى مؤسسات المجتمع المدني فهي عديدة ومتعددة الاختصاصات، من بينها الجمعيات المدنية المرخصة من وزارة التنمية الاجتماعية: جمعيات الصحفيين والمحاميين والكتاب والأدباء وهواة العود على سبيل المثال، وقد ضمت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان عند تأسيسها ممثلين من مؤسسات المجتمع المدني، من بينهم حالياً ممثلون من جمعيتي المرأة العمانية والمحامين وغيرهما، وهي مؤسسات مطالبة بتعزيز دورها من خلال كتابة تقارير يسمونها «تقارير ظل» موازية للتقارير التي تلتزم السلطنة بتقديمها فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي تصادق عليها كل أربع أو خمس سنوات، وتكمن فائدة تقارير مؤسسات المجتمع المدني في إيضاحها لمدى مصداقية الحكومة في تقريرها، ورؤية ما إذا كان هناك تعارضاً بين تقرير الحكومة وتقارير الظل التي تقدمها مؤسسات المجتمع المدني واللجنة الوطنية، فقد صادقت السلطنة - على سبيل المثال- على قانون حماية الطفل ما يعني التزامها بتطبيق البنود التي وافقت عليها، كما أنها ملزمة بتقديم تقرير كل أربع سنوات تجري مناقشته مع لجنة الخبراء الدوليين في مجال حقوق الطفل، وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن تسهم بكاتبة تقارير ليتم طرحها في المناقشة حتى تتضح الفروق بين التقارير والصورة الفعلية، بما يصب في صالح حقوق الطفل، الأمر الذي يصعب تحقيقه إلا بتضافر جهود الدولة بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان.

تصفية الحسابات

وتقدم سلطنة عمان في جميع اتفاقياتها ال 4 المتعلقة بحقوق الإنسان تقارير وطنية إلى مجلس حقوق الإنسان، الذي يعرضها عبر الموقع الإلكتروني ليطلع عليه الجميع، ويعطي مدة معينة لاستقبال «تقارير الظل» من مؤسسات المجتمع المدني، قد ترى فيه بعض المغالطات من واجبها تقديم «تقرير الظل» الذي يوضح تلك المغالطات ويبينها، ومناقشة هذا التقرير ومقارنته مع تقرير الدولة، الأمر الذي يؤكد أهمية مشاركة مؤسسات المجتمع المدني للمساهمة بفاعلية في الارتقاء بمسيرة حقوق الإنسان، إلا أن هذا الدور وتلك المسؤولية لا تزال غائبة أو «مغيبة» حسب مسؤولين في اللجنة الوطنية العمانية لحقوق الإنسان، كما أن السلطنة تلتزم بتقديم تقرير يسمى «الاستعراض الدوري الشامل»، والذي يعد آلية غير تعاقدية يضم تقريراً رئيسياً، إضافة إلى «تقارير ظل» عن حالة حقوق الإنسان بشكل عام، ويقدم لمجلس حقوق الإنسان كل خمس سنوات، وهو يخضع للمناقشة من جانب مندوبي الدول الأعضاء وسفرائهم، الذين يناقشون الدولة المعنية في تقريرها، وهم ليسوا خبراء مستقلين، ما يعني أن سلطنة عمان غير ملزمة بقبول جميع التوصيات التي ينتهي إليها الاستعراض، فقد توافق على بعض التوصيات بينما تتحفظ على أخرى وتنظر بثالثة، خاصة أن هكذا استعراضات تدخل فيها أمور سياسية بين الدول قد يكون من بينها «تصفية حسابات وتغليب مصالح».

الاتفاقيات ال9

العرف الدولي لحقوق الإنسان يتضمن 9 اتفاقيات دولية، أقرتها الأمم المتحدة انضمت السلطنة إلى 4 فقط من بينها، ولا تزال اللجنة الوطنية العمانية تدعو حكومة السلطنة من خلال تقاريرها السنوية إلى إعادة النظر في الانضمام إلى الاتفاقيات ال5 المتبقية، والتي من أهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وذلك على الرغم من التوافق الكبير بين النظام الأساسي للدولة وبين العهدين، حيث حرية الرأي والتعبير «على سبيل المثال» مكفولة في القانون العماني ورغم وجود التحديات وضرورة إعادة النظر في بعض النقاط المتعلقة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إلا أنه لا يوجد ما يمنع من الانضمام إلى العهدين الدوليين، خاصة أن انضمامها إلى هذين العهدين سيجعلها ملزمة بكتابة تقرير دولي متبوع بتقارير ظل تقدمها اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني إلى اللجنة المعنية بالعهد الدولي، بما يخلق نوعاً من الرقابة الذاتية

ويشدد أحمد بن ناصر الراشدي - مسؤول دائرة الرصد والمتابعة في اللجنة العمانية الوطنية لحقوق الإنسان - على أهمية دور جميع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الحكومي في نشر وتعزيز مفهوم حقوق الإنسان، وكذلك التعويل على الإعلام لضمان كافة حقوق الإنسان والقضاء على جميع التجاوزات.